"أزمة نفايات مقصودة... والحل موجود": لا للمحارق

19 شباط 2016 | 16:12

المصدر: "النهار"

...واعتذرت "شينوك"... ثبتت الفضيحة وبقيت #النفايات في مناطقنا. لم تتمكن "#شينوك" من تقديم المستندات المطلوبة التي تثبت قبول روسيا استقبال النفايات من لبنان، وضمن المهلة المحددة. هذا ما بلّغه مجلس الإنماء والاعمار للحكومة اليوم. فبعد نحو شهرين من حديث عن إمرار الترحيل، تبيّن الكذب وبانت الصفقة لا أكثر، لكنها لم تدرّ على أصحابها الملايين.
فاذا كان ثمة بالفعل متضررون من الترحيل، فإن المهم أن الفضيحة انكشفت، وظهرت الحكومة مرة اخرى فاشلة في إدارة ازمة النفايات، حتى لا نقل إن عدداً من اعضائها متورّط.
... وبعدما بان المستور، لا بد من العودة الى قرار الترحيل "التاريخي"، والمراحل التي قطعها، لكن الاهم ما هو الحل اليوم؟ وأي معالجة للنفايات بعد كل هذا الانتظار؟
من اللحظة الاولى لإقرار الترحيل، قيل إن التكتم هو لانجاح مراحله. مرّت أشهر، وتكشّفت الفضيحة. بداية، لم تتحدّد وجهة الترحيل، بلدان عدة طرحت: سوريا، سييراليون، قبرص، روسيا وغيرها. وسريعاً، انكشفت أوراق تزوير ترحيل النفايات الى سييراليون. ولاحقاً، واجهت الصفقة النتيجة نفسها بانكشاف فضيحة تزوير الترحيل الى روسيا. ضاعت الوثائق والمستندات الرسمية، وضاعت معها الاوراق الرسمية، حتى قيل ان في روسيا مافيات تماما كما في لبنان. وفي ذلك، اعتراف ان المافيات هي من كانت تعمل على خط النفايات، لا الدولة او الوزارات، او ان هذه الاخيرة تحولت مجرد مافيات!
وهل ثمّة بعد من اعتراف أبيَن يظهّر حجم السرقة التي وصلنا اليه، وطريقة التعاطي "النتنة" مع ملف صحي بهذا الحجم؟! المفارقة الكبرى، أنه في الحالين، وافقت سفارتا لبنان في سييراليون وفي روسيا على الأوراق المزوّرة، فهل بهذه البساطة يمكن التعاطي مع تزوير مستندات بين دول، وعلى حساب صحة شعب؟
اسئلة كثيرة بقيت بلا أجوبة. لم يفهم اللبناني بعد كيف انتهت مسألة الترحيل، وفي الاساس كيف بدأت، فيما هو يدفع من صحته ثمناً باهظاً، ربما لم تقدّر بعد خطورته الحقيقية. حتى المجتمع المدني الذي تحرك مراراً وعبر جمعيات عدة وأسماء كثيرة، لم يصل الى نتيجة. باختصار، لم يلتفت اليه احد، على الرغم من انه طرح مراراً اكثر من حل منطقي وعملي لأزمة النفايات.
من هذه الجمعيات، "الحركة البيئية اللبنانية" التي طرحت على الحكومة عشرة أسئلة في ما يتعلق بالترحيل ووجهته وكلفته والمراحل التي سيمر بها، فضلاً عن طريقة معالجة النفايات التي ستبقى... وما من جواب.
اكثر من خطة وضعتها الحكومة حتى الآن، وكلها باءت بالفشل، من المطامر الى الترحيل، وبقي الفشل النتيجة الوحيدة.
هذا الواقع دفع بـ"الحركة البيئية" الى القول ان "ازمة النفايات مقصودة، والحلول المحلية موجودة. التدوير للتوفير... ولا للمحارق".
من هنا، ونتيجة التخبط الذي نعانيه، تطالب الحركة رئيس الحكومة تمام سلام بتشكيل "خلية ازمة فوراً يشارك فيها ممثلون عن المجتمع المدني والجامعات والصناعيين والبلديات والوزارات المعنية"، من اجل وضع خريطة طريق علمية ومستدامة تنتهي معها معضلة النفايات، قبل ان "تنتهي" نفوسنا وقلوبنا، قرفاً من رائحة الزبالة.
هذه الخطة، طرحها اكثر من مرة بيئيون، وتتلخص بعبارات ثلاث: فرز من المصدر، تسبيخ، تدوير. اذ ان مراكز الفرز والتسبيخ موجودة، وهي توجد فرص عمل.

وما يدعو الى التساؤل والتعجب، انه وعلى الرغم من ازمة دخلت شهرها السابع، فإن ما من مسؤول استلم رسمياً ملف النفايات، حاول ان يذكر عبارة "الفرز من المصدر". هرب الجميع من الحلّ المنطقي وفتشوا عما يدّر عليهم اموالاً. لا عجب، لان مزاريب الفساد وسرقة المال في البلد جامدة هذه الفترة: فمن أين سيعتاش من اعتاد السرقة؟

في الاساس، لو كان الترحيل سيسلك الخواتيم السعيدة، لكان يفترض أن يُحترم اتفاق "بازل" وهو الاتفاق الدولي الوحيد الذي يرعى معايير "تصدير النفايات" بين الدول، وما من مسؤول كلّف نفسه عناء الاستناد اليه، او حتى ذكره.
اليوم، وبعدما اعلن الوزير اكرم شهيب تنحيه عن متابعة ملف النفايات، وقبله وزير البيئة محمد المشنوق. يعود الملف مجددا الى نقطة الصفر، اي بعهدة مجلس وزراء، اقل ما يقال عنه انه "برج بابل"، فهل عدنا مجددا الى البدايات؟
الخطة واضحة: "تشغيل معامل الفرز والتدوير والتسبيخ، واستحداث معامل إضافية في كل المناطق اللبنانية، ويمكن ايضاً استحداث مواقع آمنة موقتة لتخزين النفايات المتراكمة، كما انه وعلى مقربة من مراكز الفرز والمعالجة، يمكن ان تستحدث مواقع تستجيب للحدّ المقبول من المعايير والمواصفات البيئية لإنشاء مطامر صحية تتوافق كليا مع المواصفات العالمية، لاستقبال ما تبّقى من النفايات فقط، وهي نسبة ستكون ضئيلة بعد كل عمليات المعالجة والتدوير والتسبيخ".

هذا ما تطرحه "الحركة البيئية" من حل. وكل الكلفة لن تفوق كلفة الترحيل التي حددت بـ125 دولاراً لتصدير الطن الواحد!
الخوف ان رفض كل الحلول المنطقية، سيكون مقدّمة لفرض الحكومة الفاشلة اصلاً، حلاً "بالتي هي احسن"، فتعود لغة المطامر والمحارق، وهذا ما تم التلويح به اصلاً، وتغيب معايير البيئة والسلامة العامة. ففي الاساس، ما من ضمانة بعد، لان صدقية الدولة فقدت.
من هنا، ثمة خشية من ان تفرض المحارق في ضهور الشوير وغيرها، بعدما تبين ان لا اثر بيئياً يحترم ولا معايير صحية، كما ان كلفة المحارق عموما تتجاوز المليار دولار مقابل خطة التدوير التي لا تتجاوز الـ ٤٠ مليون دولار.
هذه الارقام تبرزها "الحركة البيئية"، وتضيف اليها اسبابا موجبة تدفعها الى رفض المحارق، لانه "ينتج من الحرق ٣٠ في المئة رماد سام، فيما العوادم المتبقية عن الفرز والتدوير تبلغ 5 في المئة فقط، كما ان
المحارق لا توجد فرص عمل للبنانيين في حين ان خطة التدوير اللامركزية تبقي الشباب في قراهم وتوجد آلاف فرص العمل. والاهم ان
المحارق لا يمكن ان تعمل من دون الورق والبلاستيك لحرق المواد العضوية، فيما خطة التدوير تحافظ على الموارد الطبيعية وتحد من الانبعاثات المسببة لتغير المناخ".

هذه الاسباب العملية لمن يريد ان يعلم. كما ان مصانع تدوير الورق والكرتون ومصانع تدوير البلاستيك ومصانع تدوير المعادن من ألمنيوم ونحاس وحديد وغيره، كلها موجودة في لبنان، وثمة اكثر من لائحة على اكثر من موقع وصفحة الكترونية. لذلك، فلتتوقف المتاجرة وليبدأ الحل، لان اللبناني ضاق ذرعاً، فكل المعالجات السابقة لأزمة النفايات لم تكن على المستوى، اذ صودرت اموال البلديات ووُجدت مركزية للمعالجة بين الدولة ومجلس الانماء والاعمار وشركة "سوكلين". واليوم، تعددت اساليب الصفقات، هرباً من حل علمي. باختصار، انه بلد فشل في "لمّ" زبالته...

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard