مايكل مور سائحٌ محتل في الجنّة الأوروبية!

19 شباط 2016 | 15:04

المصدر: "النهار"

يعود المخرج والناشط الأميركي مايكل مور إلى الواجهة من خلال مهرجان برلين السينمائي السادس والستين (١١ - ٢١ الجاري) الذي ألغى مشاركته فيه في اللحظة الأخيرة. بعد غياب ستّ سنوات، يقدّم مور فيلماً مستفزاً سماه "أين الاجتياح التالي." (مع نقطة في آخر العنوان)، في إشارة إلى الغزوات والحروب الأميركية من فيتنام الى العراق فأفغانستان وأماكن كثيرة أخرى كرّست غطرسة الدولة العظمى على شعوب الأرض. الفيلم، كعادة مور، ينطوي على كمية هائلة من التهريج، خلاصة النظرة التبسيطية السطحية الساذجة التي يلقيها على أوروبا وناسها وقوانينها ونمط العيش فيها. يصوّر مور كمَن يذهب في رحلة سياحية، الشنطة على ظهره والكاميرا في جيبه، غزوة أوروبا لاستلهام أفكار جديدة تجعل حياة الأميركيين أفضل. ليس جديداً عليه معالجة القضايا الداخلية لبلده بهذه الطريقة الضحلة، واضعاً نفسه في وسطها، علماً أنّه من الصعب فهم ما يشدّنا إليه في كلّ مرة. مثلما يصعب فهم نوعية الجمهور الذي يتوجه إليه هذا المشاكس. لكن، الفائز بـ"السعفة الذهب" عن "فاهرنهايت ٩/١١"، يذهب هذه المرة أبعد من المرات الماضية، فيقدّم واحداً من أكثر أفلام المهرجان سطحية، أثار عرضه للصحافة أطناناً من الضحك، من ذلك الضحك الذي لا يكون دائماً بسبب الطرافة.

ينطلق مور في "مهمة" تحمله من الولايات المتحدة، الدولة التي كشف الكثير من عورتها، إلى أوروبا. وما أدراك ما أوروبا بالنسبة للأميركي المتوسط الذي يضطلع مور بدوره تقريباً، متظاهراً بأنّه يجهل الكثير عن قارة "كلّ شيء فيها على ما يرام"، بحسب الفيلم. يصل أولاً إلى إيطاليا فيصوّرها بديلاً للجنة، حيث الكلّ مرح كأنه "مارس الجنس الآن". يلتقي بشاب وحبيبته ويناقش معهما عدد أيام العطل المدفوعة التي تحقّ لهما طوال السنة، ويمنتج كلامهما هذا مع صورهما على شاطئ البحر. يتلون وجههه بكلّ ألوان قوس القزح حين يخبرانه عن قانون العمل في إيطاليا الذي يتيح للعمّال الذهاب الى البيت لتناول الغداء طوال ساعتين. ثم، نراه يزور معملاً للملابس فمصنعاً للدراجات النارية، ويبحث معهما شروط العمل والتوظيف المثاليَيْن، واضعاً أمام كاميراته شخصيات محض إيطالية، لا شيء فيها يوحي بأنها تربّت على مبادئ ماركس. المهم أنّ هؤلاء يعتبرون راحة العامل ضرورية لطاقته الانتاجية.
كلّ شيء "ملعوب" في الفيلم ليبدو هزلياً، وهو في أي حال لا صلة له بالوثائقي. يكتشف مور، يا للمفاجأة، أنّ بعض القوانين التي يطبّقها الأوروبيون في بلدانهم، أميركية الأصل. فيغرس العلم المرصّع بالنجوم ساخراً من فكرة الاحتلال ورغبة منه في تصدير القانون المنشود الى أميركا. ثم يمضي. وهكذا مرّات ومرّات. المحطة الثانية ستكون في فرنسا، حيث يركز صديقنا على الوجبات التي تقدّمها مدرسة فرنسية للتلامذة، فيُجري مقارنة بينها وبين ما يأكلونه رفاقهم في أميركا. طبعاً، يأخد مور أسوأ ما في أميركا ليقارنها مع أفضل ما في أوروبا. هذا كله ليؤكد عقيدته التي تقول إنّ أميركا دولة عظمى، فلمَ لا تكون في حال أفضل؟ ماذا لو كان مور وطنياً أكثر مما نعتقد؟

في غزواته، تتصدّر وجه مور تلك السخرية جراء ردود أفعاله وهو يكتشف معلومات يتظاهر قبالة الكاميرا أنّه يسمعها للمرة الأولى. لا أعرف الى أي درجة يستند إلى الأرقام والدراسات، لكنّ شيئاً قليلاً منها يظهر على الشاشة، البقية في سرّه على ما يبدو. كلّ شيء يُرمى في وجه المُشاهد بطريقة عفوية، الهدف منها إضحاكه وليس حضّه على التفكير. ويتابع مور رحلته الامبريالية ليصل إلى سلوفينيا حيث التعليم الجامعي المجاني. هناك في الجامعة، يقابل طلبة مواطنين له، هربوا من "الجحيم" الأميركي حيث التعليم أصبح تجارة. حتى إنّه يقابل الرئيس السلوفيني، ولكن لا يُسمح له بالتصوير.

ينبغي التوضيح أنّ النقد الموجّه إلى مايكل مور - الذي بلغ حداً لا يُطاق من الاعتباطية هنا - لا يعني تشكيكاً في نزاهته ولا برغبته الصادقة في إصلاح شؤون بلاده، بل في طريقة تقديم هذا كلّه للمُشاهد، وهي طريقة تضع الفيلم في منتصف الطريق بين الريبورتاج التلفزيوني ونوع هجين من السينما. في فنلندا، يطرح مور قضية النظام التعليمي، يقابل طلاباً وأساتذة، يبحث معهم في النحو الذي تتناقل فيه المعرفة من الكبير الى الصغير، ويكتشف أنّهم لا يقومون بفروضهم المدرسية عندما يعودون إلى بيوتهم. وكم ستكون مفاجأته كبيرة عندما يخبره أستاذ الرياضيات أنّه مهتم بنشر السعادة! من هذا التضاد بين النفعية الأميركية و"شاعرية" وعدالة أوروبا الاجتماعية، يتولد فيلم مشوّه مشغول بعجل، يقول نصف الحقائق.

بيد أنّ الذروة هي الفصل المتعلق بألمانيا، حيث نرى حياة الرفاهية التي يعيشها الألمان، بدءاً من العمل المريح لموظفي مصنع أقلام. في ألمانيا، الطلاب يدرسون تاريخهم كما هو، بما فيه الهولوكوست، ويتحمّلون آثام أجدادهم خلافاً للأميركيين الذين يلقون اللوم على الجيل الذي سبقهم ويختبئون خلف إصبعهم. نعرّج أيضاً إلى النرويج حيث سجونٌ في الهواء الطلاق، مع عشب أمام باب السجين، يتجول فيه كما يشاء، هذا للقول إنّ تأهيل السجين أفضل من معاداته. لكن، يمنح مور الانطباع أنّه يبحث عن كلّ شيء وأي شيء كي يصفّي به حساباته مع أميركا الشريرة وسياستها الخارجية التي أدت الى نتائج كارثية على المستوى الدولي، إلا أنّه يفعلها على طريقته الصبيانة التي قد تؤدي إلى مفعول عكسي. فلا أميركا أرض الأشرار ولا أوروبا جنة. بيد أنّ الطامة الكبرى هي في زيارته تونس ومقابلته راشد الغنوشي الذي يتظاهر بأنّه المدافع الأول عن الحريات الشخصية. هناك، في تونس، يقارن مور وضع المرأة بوضع المرأة الأميركية. يا للهول، حينها يحطّم الفيلم كلّ الأرقام القياسية في غياب الجدية، والعلة أنّ خطابه عن "المرأة التونسية الحرة التي تنزل الى الشارع لتطالب بحقوقها"، مصحوبٌ بصور محجبات يملأن الشوارع!

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard