رضوان نصّار لبنانيّ في بلاد السامبا

17 شباط 2016 | 20:47

المصدر: "النهار"

ربما لن يستوقف إسم رضوان نصّار الكثير من اللبنانيين مهما بَلغَت درجة إطلاعهم #الأدبي، وإن شكّل ذلك نسقاً من المفارقات العميقة في حال رجل يُرفّع في أرض اغتراب أسرته التي باتت أرضه هو الآخر أي البرازيل- بلاد السامبا وريو والشمس والكرنفال - إلى مرتبة المعلّمين المؤثّرين.

ها هي دار "بينغوين" تُقدم في 2016 على إدراج روايته الموجزة "كأس من الحنق" ضمن سلسلة العناوين الكلاسيكية الحديثة، إلى حيث يقيم مارسيل بروست وجورج أوريول، وها هي تُصرّ على الحوم في فلك المنجز المسموع برازيلياً كما في الجزء الباقي من أميركا اللاتينية والناطق بالقشتالية، بغية نقله إلى الإنكليزية متجاوزة ثلة من العقبات في شخصيّة المؤلّف. ذلك أن نصّار جافى الترجمات وهرَب من الأطر الجاهزة في حين استهوته العتمة منذ ثلاثين عاما وبات أحد أسيادها. اعتنق الصمت النشري خلال ثلاثة عقود أعقبت إصداره روايتين شَكّلتا نقطة تحوّل في السياق السردي البرازيلي في سبعينات القرن المنصرم. بعدما استحوذ على التكريس والتهليل، سلك وجهة بعيدة الإحتمال، إختار التخلّي عن رصيد الإنتشار، غادر الحلبة التأليفية ومدينة ساو باولو، مفضّلا سكون الريف على ضوضاء المدينة. في ركن برازيلي ناء، إعتمر نصّار قبعة الفلاّحين وصار واحداً منهم.

أن تنقل كتابة نصّار في فجاجتها وقدرتها وتجربتها المعيشة المغرقة في الفظاعة إلى الإنكليزية، فمبادرة تشبه رمي حصاة في بحيرة راكدة، ها هي الحرَكة تولّد حلقة أولى في حشد من الموجات اللاحقة المرتقبة.

سُكبت الرواية المَعنيّة في إيجاز لافت ووزعت في سبعة أجزاء تمَهّلت عند علاقة ثنائي وضع تحت مجهر حالات متشعّبة. يمكن اقتفاء اثر النص وتحديد مناخاته بدءا من عناوين الفصول، ها هنا "الوصول" و"السرير" و"الإستيقاظ" و"الحمام" و"الفطور" و"الخصام" ثم "الوصول" مرة أخرى. ويمكن وبسهولة، استدعاء البيئة المتوسطيّة المعطوفة على الأساطير الكلاسيكية والتراجيديا الإغريقية وعناصر الثقافة العربية في متن النص، فيطفو انتماء نصّار على السطح وتبين جذوره الممتدة إلى الجنوب اللبناني.

غَذّت الغربة التأليفية الطوعيّة أسطورة الكاتب المولود في منتصف ثلاثينات القرن العشرين في البرازيل فصار البحث عن زهد نصّار الشخصيّ الدافع إلى الإيغال في تجربته بعيدا من ضجيج مقابلات صحافيّة لم يتعَب من نبذها ومن تكريمات لم ينفكّ يحظى بها وكان آخرها قبل فترة وجيزة، بمبادرة من جامعة ساو باولو، قبيل عيده الثمانين.

نقرأ نصّار في روايته كاتباً "في البداية، في الحجرة، بدَونا كغريبين يُراقبنا أحدهم، وهذا الشخص كان هي وأنا دوما. إنطوت مسؤوليتنا على التنبّه إلى ما فعلتُهُ أنا وليس إلى ما فَعلَتهُ هي"، فندركه سائدا على نثر متبدّل المنظور ومتأنٍ ومدمّر أيضا، يعيد اختراع اللحظات في ذكاء ودقّة. أسلوب أخذه إلى جوار الكبار من طريق عناوين قليلة فحسب، ودفع به إلى رحلة ذاتيّة عميقة لم تعد تستسِغ صخب الناس.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard