"قطار عليّ" يغادر محطة "داعش" الى حضن ابيه

11 شباط 2016 | 19:39

المصدر: "النهار"

"وقطارُ عليٍّ أبيضُ
يحمل فيه الناس جميعاً
وعليٌّ يسرع
يسرعُ...
يخرج من سكَّتهِ
ليمرَّ على جدتهِ
ويريها كيف يقود قطار الليل بمفرده"


مضى نحو اسبوعين فقط قبل أن يقرر ابو علي مغادرة منزله في قضاء الشرقاط العراقي (125 كلم شمال تكريت) هرباً من جماعات "داعش" التي سيطرت على المدينة في 6 حزيران 2014 . الثقة بهم مسألة غير واردة في حساباته، فهو يعرف مع اي نوع من البشر يتعامل. حيث وصلته، قبل ذلك التاريخ، رسائل تهديد مباشرة وغير مباشرة منهم. لا لشيء، الا لميوله الأدبية والثقافية المعروفة التي اهّلته ليكون بمنأى عن سياقات التطرف والتشدد الديني او الطائفي.

ألحّ ابو علي على أم عليّ للخروج من المدينة قبل فوات الأوان، لكنها لم تستجب لإلحاحه، ففي ظنها وقع أمل الخلاص القريب من"داعش" وعودة الأمور الى سابق عهدها بعد عودة قوات الجيش.
لم يطمئن لظن زوجته فغادر المدينة، لكنه قبل ذلك، وضع ما لا يحصى من القبلات والدموع على خد عليّ، ابنه الصغير الذي بالكاد تخطى عتبة السنتين من العمر.
"والركاب سعيدون يغنون: هذا عليٌّ سائق القطارِ/ يقودهُ في الليل والنهار/ هذا عليِّي صاحبي وجاري وقهوتي في مطلع النهارِ".

تمكن ابو علي بصعوبة من مغادرة منزله في الشرقاط، بعدما دفع مبلغاً مضاعفاً من المال لصاحب سيارة عمومي، وقدّم المرض الشديد والحاجة الى جلب الدواء من محافظة كركوك المحاذية عذراً لعناصر "داعش".
وصل الى "مكتب خالد" وهو عبارة عن سيطرة عسكرية لقوات البشمركة الكردية بين محافظة كركوك ومنطقة الحويجة، فسمح له بالدخول الى كركوك التي بقيَ فيها نحو 4 أشهر.
خلال إقامته في كركوك، لم يفارقه خيال عليّ وأمه، وفوق ذلك، خيال امه وابيه ومن تبقى من افراد عائلته في الشرقاط. أوضاع الاقامة لم تكن مريحة في كركوك نتيجة التهديد القريب الذي كان يمثله "داعش" الى جانب عملية النزوح الكبيرة التي ضغطت بقوة على اوضاع المحافظة، فقرر ابو علي مغادرتها الى اربيل.
لم يترك ابو علي لعبة لعلي الا وخلّدها في قصيدة شعر، فها هو ذا يكتب عن طائرة عليّ:
" كان يحوِّم فوق الأطلس ... فوق الريح/ بقرب الوقت / ولصق الحلم/ كمثل المعنى/ ليساعد أطفال الله/ ببورما / وبسوريَّا / وبأفغانستان/ وبالهند/ وبالشيشان/ وبكل بقاع الأرضِ".
في محافظة اربيل، لم يمنح ابو علي الاقامة بذريعة المخاوف الأمنية، فغادرها الى تركيا ليبقى فيها نحو شهر واحد. ثم عاد الى اربيل فقوبل بنفس االعذر، فغادر الى ايران.

لم يبقَ في ايران اكثر من ثلاثة اسابيع، بعدما شعر بالاحراج من المكوث في منزل صديق مقرب في مدينة قم، فعاد الى بغداد. اثناء عبوره الى العراق، طلب منه العمل لصالح جهة امنية هناك. لكنه بخبرة الاستاذ الاكاديمي والشاعر رفض ذلك بعدما قال لهم:" مستعد لتقديم الاستشارة وليس الاخبار، فالحياة مثل فسحة ما بين الدرسين ولا تحتمل كل ذلك".
عاد أبو علي الى بغداد التي تربطه بها وبأوساطها الثقافية والادبية علاقات مودة خالصة، وقد حصل على رخصة تنسيب للعمل في الجامعة المستنصرية، بعدما فقد عمله في جامعة صلاح الدين عقب سيطرة "داعش" على المحافظة.
في أثناء كل ذلك، بقيَ ابو علي مهموماًً وقلقاً على عليّ وامه، وكان بالكاد يتمكن من الاتصال بهم بين فترة واخرى.
غالباً ما كان ما يردد: " كان الاسم عليَّاً وسيبقى/ يااااااا أجمل ذنبٍ عندي/ أرجوك تمنُّ علينا بقليلٍ من لثغاتك/ لنغيِّر ترتيب العالم/ ونغيِّر سلطة من يتصور/ أن الشارع يصمتَ/ بلسان الكاتمْ".

بعد محاولات عدة، تمكنت عائلة ابو علي من الاتفاق مع احد الاشخاص لاخراجهم من الشرقاط، طلب السائق مبلغ 1500 دولار اميركي فوافقوا املا بالخلاص. جاء السائق في الموعد المقرر، صعدت ام علي وابنها واختها السيارة وبدأت رحلة محفوفة بالمخاطر، فعناصر "داعش" لا يسمحون بخروج الاهالي، لكنها مجازفة لا بد منها، خصوصاً مع تنامي المخاوف من تعرض المدينة الى هجوم وشيك لقوات الحكومة بعد تحريرها مدينة تكريت.

تجاوزت السيارة بعض سيارات لعناصر"داعش"، ثم القي القبض عليهم في احدها. اشبع السائق ضربا واعيدت النساء الى المنزل بعد عناء شديد.
لاشهر طويلة بقي ابو علي يبحث عن خلاص لاسرته، ومكان يضع فيه حقيبته. لا يستطيع ابو علي ان يحصي عدد المخاوف التي اختبرها في تلك الايام، ولا انهار الدموع التي ذرفها، وكان عزاؤه الوحيد ان ينشد الاشعار لالعاب عليّ:
" نركبها/ سيارته بيضاء / وأمُّ عليٍّ قُربي، نصعد سيارته ونطوف العالم، والأحلام/ نزور مضيف الشيخ (عريبي) في ميسان/ ونأكل رفقة فلاحيهِ ".
غادر اغلب اخوة ابو علي المدينة، وظل حلم الخلاص من قبضة "داعش" ومغادرة المدينة حلم من بقي من الاسرة على رغم المحاولة المؤذية والفاشلة الاولى. وقد حانت الفرصة نهاية شهر كانون الأول الماضي، حيث أعرب أحد سكان المدينة عن استعداده لتهريب ام علي وابنها واختها واخيها، اذ كان هو الآخر يرغب في المغادرة، يقول ابو علي ان الشخص المذكور غير مرتبط بـ"داعش"، لكنه يخمن، ان عناصر "داعش" غضوا الطرف عن خروجهم هذه المرة لاسباب غير متأكد منها.
سار "قطار عليّ" برحلة طويلة وخطرة ليومين، عبر طرق مزفتة وترابية من قضاء الشرقاط باتجاه الحدود مع سوريا ومحافظة الانبار غربا للوصول الى وجهتهم الاخيرة في محافظة كربلاء جنوبا. استمرت الرحلة يومين، وكان يخشى ان تستهدف طائرة التحالف السيارة للاشتباه في انها تقل مجموعة من عناصر "داعش"، لكن ذلك لم يحدث وكتبت لعلي واسرته السلامة.
في تلك اللحظات العصيبة، كان قلب ابو علي يغلي كمرجل من الخوف والقلق، وليس امامه الا ان يلوذ بالقاء الشعر عن عليّ:

" درَّاجته بيضاء،
يركبها ويطاردُ كل فراشات الدنيا ..
يمشي فوق الحبل
ولا يقعُ
ويميل عليٌّ
والحبل له يتسعُ
وأنا، قلبي،
جيشٌ من صِبْية حارتنا يركض خلف عليٍّ ويغني:
هذا عليُّ ابْن أبي عليْ (المطعم الجائع في العشي)
في يده كل الندى، ولي فــــي وجهه ما يشبه الولي".

 

أقامت الأسرة 17 يوماً في كرفانات خاصة في منطقة النخيب في كربلاء، قبل السماح لهم في الدخول لدواع أمنية.
وصل " قطار علي" الى حضن ابيه اخيراً، وهو الان في منزل سعيد في مدينة تكريت. عاد ابو علي لوظيفته استاذاً في الجامعة وما زال ينشد الاشعار لعلي.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard