محفوظات "نوبل" 1965: شولوخوف الخيار الشعبي

10 شباط 2016 | 17:44

المصدر: "النهار"

التحكّم الذاتي ومسحة الحزن لازمتان في حكايات ميخائيل شولوخوف التي تبدّت وفيّة إلى هاتين النزعتين على نحو دائم. يصحّ ذلك في الأقل عند لحظة البداية، ذلك انه وفي الإستهلال عنده، لا مكان للمقاربة المجانيّة أو المحاولات العبثيّة بغية استدراج القارئ إلى أرض الخديعة. ثمة إحساس داهم بضرورة تحذير المتلقّي من وقوفه على شفا مواجهة المرارة، وينبغي له تاليا أن يدرك ذلك، الآن وقبل الصفحة التالية.

مُنح شولوخوف - الروسي في المعيار الراهن والسوفياتي في معيار مطلع النصف الثاني من القرن العشرين- "نوبل" الآداب في نسخة 1965 في أعقاب ترشيحات عدة إنطلقت في 1956 و1958 وتواصَلت بين عامي 1961 و1964، إلى حين ركن إليه الإمتياز في المحصلة إكراما لـ "القدرة الفنيّة والنزاهة اللتين عبّر عنهما في سرده الملحمي للدون، حيث سمح لمرحلة تاريخية في سيرة الشعب الروسي بأن تعرّف عن نفسها"، وفق ما جاء في البيان الرسمي.

والحال ان روايته "الدون الهادئ" (على سبيل المثال لا الحصر) عَجّت بشريحة من ستمئة شخصية استحوذت الثورة على مصائرها، على رغم إختلاف مواقفها من مغزى هذا المفصل السياسي. إستوطن ناس روسيا وعلى تنوّعهم هذا النص: نساء حاسرات الرأس من طراز الساحرات ومواليد جدد يلبّخون بمعجون النخالة ويطعمون حليب الفرس، ناهيك بالقوزاق ذوي الأنوف المعقوفة والوسامة المتوحشة وآخرين.

درجنا وعند مطلع كل عام، على قلب صفحات محفوظات جائزة "نوبل" للآداب التي تكشف تباعاً، ليَستبدّ بنا كما في كل مرة، شيء من الغبطة المنوطة بالإحاطة ببعض أسرار آلهة أوليمب في السياق الأدبي. نشعر بدغدغة التطفّل وقشعريرة التلصّص على مداولات الغرف السرية التي أفضت إلى انتقاء كاتب دون سواه. والحال انه وبفضل التمهّل عند مداولات المحكمين في عام 1965 نحيط بمرحلة أدبية في المقام الأول وإجتماعية وسياسية في المقام الثاني. حين يجري استبقاء أحد الأسماء ويُهمل آخر، وحين يسوّق لإسم ثالث وينزل الحرم بإسم رابع فإن لتلك التصرفات دلالات تتجاوز وفي أحيان كثيرة، القطع النصيّة المعنيّة.
في 2016 نصل كرنولوجيا إلى أرشيف الأكاديمية الأسوجيّة في العام 1965 الذي شكّل سابقة، على خلفية تمهّله عند تسعين ترشيحا صالحا علماً انه كان الرقم الأعلى في تاريخ الجائزة، في تلك الحقبة. توضح المحفوظات كيف تبدّى شولوخوف الخيار الشعبي في تلك الآونة بعدما كان قبل عام إي في 1964 واحدا من إسمين إقترحتهما اللجنة، إلى جانب الفرنسي جان بول سارتر الذي قنص الإمتياز في ذاك العام، ليلحق به شولوخوف بعدذاك.
والحال انه وفي خطاب نيله "نوبل" الآداب، لفت الروسي إلى ما عنى له أن يُنتقى من بين هويات تأليفية على امتداد العالم، قال "تسنّى لي قبل اليوم أن أدلي بشهادتي على نحو علني. يمنحني هذا الإمتياز إحساسا بالرضى ليس بسبب الإعتراف الدولي بجدارتي المهنيّة وصفاتي الفردية ككاتب فحسب، أنا فخور لأن هذه الجائزة مُنحت لشخص روسي وكاتب سوفياتي. ها هنا أنا أمثّل مجموعة من الكتّاب المتحدّرين من مسقطي".

في حال اندفعنا صوب المقارنة بين شولوخوف الروسي الأول وبين سولجنيتسين الروسي الثاني، لا بدّ أننا سنعي أن المنشق التاريخي سولجنيتسين ومن طريق معارضته المدوّية للحكم في بلاده تصدر قائمة المؤلّفين الروس المحتفى بهم غربا. المقارنة بين الإسمين بديهية غير أنها لم تكن مرة، لمصلحة الأول، في حين أن مئوية ولادة شولوخوف قبل عام، أخرجت على الملأ لغته الناطقة بزخرفة وشاعرية وجمال ناهيك بقدر كاف من الميلودراما لكي تقنع القارئ بالتخلّي عن فكرة التوقّف عن المطالعة.
ربما لم يُسعف الكاتب أن يُطوّبه النظام السوفياتي مثالاً للكاتب المرجعي في سياق الواقعية الإجتماعية، وربما أرخى هذا التبنّي المبكر بظلاله على منجزه، لكن شولوخوف ظلّ ممثل الحكاية الأكثر اكتمالا عن الثورة.
يبقى منه المؤلّف الذي سمح بإدراك شامل للواقع ومَكّن الرواية، كنوع، من إسقاط تجربة الفرد على العالم برمّته.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard