"دردشة" مع ريكاردو كرم: من هو خلف الكواليس؟

10 شباط 2016 | 10:57

المصدر: "النهار"

الآخرون. من هم عندما يُزيلون قناع اللقاء الأول؟ عندما نُصادفهم في حياتنا اليوميّة "على فنجان قهوة"، فتفرض علينا الّلحظة بكل انفعالاتها أن ننظر مباشرةً في عيونهم؟
فجأة نتنبّه إلى تطرّف العين الأقرب إلى لعبة "الاستغماية" التي تشي بهذا الهروب اللذيذ من الحقيقة. وربما عشنا رقصة داخليّة صاخبة تفرضها شبه ابتسامتهم "الشاردة الذهن". وسُرعان ما نفهم ما إذا كانت "حناياهم" تنبض بالحياة فتتعامل تالياً معها وكأنها مُجرّد لعبة ترفيهيّة تبرع في ترويض نزواتها.
مع الإعلامي ريكاردو كرم، ما من ضرورة للتخمين أو للغوص في "سيناريوات" دراماتيكيّة، إذ إنه يُقدّم نفسه "خلف الكواليس" بعفويّة "مُطرّزة" بلغة عربية شاهقة لا مجال للتفاوض مع أناقتها.
بعيداً من البرامج التلفزيونيّة التي يُعدّها ويُقدّمها على مُختلف الشاشات العربيّة، إضافة إلى تأسيسه مُبادرة "تكريم" التي أرادها منذ نشأتها أن تُصبح مساحة لقاء لشخصيّات عربيّة تفوّقت وتميّزت، كلّ في مجالها، سنتعرّف إلى الوجه الآخر لهذا الإعلامي الذي لا نعرف عنه كثيراً.
فهو يعيش حياة عائليّة "مكنكنة" مع زوجته يُمنى وأولاده الثلاثة، طلال، نديم، وشريف. إطلالاته في المُقابلات الصحافية نادرة وقد حرص منذ بداياته أن يُحافظ على خصوصيّته المُقدّسة.
خلال الحديث معه لم تكن ثمة أسئلة كُتبت مسبقاً على أمل "سحب" حقيقة ما منه. بل تمحور اللقاء الذي استمر ساعة ونصف الساعة على "دردشة" تليق بعفويته وفي الوقت نفسه تُحاكي (وتُراعي) "نزعة الكماليّة" الحاضرة في كل جوانب حياته المدروسة بخطوات مُنظّمة.
"بالبيت ما منشوف تلفزيون. يمكن DVD من وقت لآخر لمُسلسلات أذكر منها Downtown Abbey و Un Village Francais". يصمت قليلاً قبل أن يُضيف، "في أمور غير نعملها. فنحن مثلاً نعشق القراءة".
وفي مكتبه القائم في أحد أحياء الأشرفيّة القديمة سنكتشف أن ريكاردو كرم يُنجز العديد من الأمور في اليوم الواحد وأنه لا يعرف أن يمضي الوقت على نحو مُتسكّع. فلكل لحظة قيمتها ودورها المحوري.
ومن هذا المُنطلق، فإن التلفزيون "يسلب من حميميتك. وما بعود في مكان للنقاش والكلام". وبعد دوامه الطويل في المكتب يُقدّم كرم "عفويته وحميميّته" لزوجته والأولاد. "في الليل هو وقت الثُنائي. هو وقت التحدث مع الآخر".
وصحيح أنه يملك صفحته الشخصيّة في موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك"، بيد أنه لا يُسقط عليها العديد من الصور أو الأخبار على الرغم من حصولها على أكثر من 100 ألف "لايك" حتى الساعة. "أمّا تويتر فتغريداتي قليلة عليه".
ريكاردو كرم يعشق اللغة العربيّة، ويتجسّد هذا العشق باختياره مُفردات غير اعتياديّة في حياته "العاديّة". "أحب أن أغذي لغتي بعبارات عربيّة ومُفردات عربيّة - إلها تقل". يضيف، "الحياة جميلة وفي مقدورنا أن نعيشها بطريقة فيها الكثير من الرُقي. أن نحيا حياة راقية؟ - ليش لا؟ - فهذه الطريقة الفضلى لنضيف إليها الرونق".
يُسافر كرم 3 أو 4 مرّات في الشهر الواحد. وهو دائم التجوّل لتصوير برامجه التلفزيونيّة ناهيك بالوثائقيّات التي يُنجزها. فضلاً عن عمله في مُبادرة "تكريم" الذي يتطلّب الكثير من الجهود، "البعض يعتقد أننا في الواقع نلهو ونمرح في كواليس – تكريم – وهؤلاء لم يفهموا بعد أن المُبادرة تمرّ بمناهج عدة – وما في محسوبيّات – بل ترتكز على الثقافة المُطلقة. ومن هذا المُنطلق، فإن إجتماعات لجنة التحكيم تأخذ حيزاً كبيراً من الوقت. إذ ننطلق من الجامعة الأميركيّة في بيروت إلى اوروبا حيث الاجتماع السنوي الضخم. من دون أن ننسى صعوبة التحضير من الناحية اللوجستيّة. أمّا من ناحية المضمون، فلدينا الكثير من العمل في ما يتعلّق بالملفات وجمع الترشيحات والأسماء".
وهو يُحضّر ـلـ3 برامج تلفزيونيّة يُقدّمها في مُختلف المحطات العربيّة ويُدير ندوات عالميّة.
يضحك مُعلّقاً، "حياتي مُقسّمة ومدروسة. أستيقظ في تمام السادسة إلا ربعاً صباحاً لأمارس الرياضة. مع الإشارة إلى أنني أعمل مع مدرّب شخصيّ. وأنا أول من يصل إلى المكتب. أعمل كثيراً ما يُقارب الـ16 ساعة يوميّاً. أنا شديد التأني وهذا التفصيل يضع العمل معي ضمن إطار الصعوبة".
وصحيح أن الإعلامي يضحك باستمرار وتظهر عفويته المُطلقة كالوميض أثناء الـ"دردشة"، بيد أنه يعترف بأنه سريع الغضب لميله الكبير إلى الكماليّة، "بس بعد 30 ثانية دغري بروق!".
وهذه النزعة نحو الـPerfectionism تجعله يتدخّل في كل شاردة وواردة في المؤسسة التي يملكها.
دائرة الأصدقاء في حياة ريكاردو كرم "معروفة"، " لي صداقات في كل أنحاء العالم. في كل المُدن – أدّ ما كانت بعيدة – الأصدقاء الذين رافقوني عبر السنوات برهنوا عن صدقهم. والمُقرّبون حلقة ضيّقة – ضيّقة كتير – هم الذين كبروا إلى جانبي".
الحميميّة؟ " ما كتير بحبّها. الحميميّة حكر لبيتي، مع زوجتي، مع شقيقي. الحميميّة في حياتي أيضاً حلقة ضيّقة".
طقوس حياته لم تتبدّل بعدما صار شخصيّة عامة، "نادراً ما أشارك في الحفلات العامة. في البيت نميل إلى الابتعاد عن قرع الطبول. فلا نعرض الصور لمنزلنا ولا يُعرف الكثير عن حياتنا. نميل إلى التكتّم – وبفضّل هيك – ".
أمّا الأصدقاء الذين ينتمون إلى هذه الحلقة الضيّقة، فيتعرّفون إلى "عفويّة ريكاردو". "مع هؤلاء أتعامل بعفويّة – الكثير من العفويّة. أستقبل الأصدقاء بشكل مُنتظم في البيت. حياتنا طبيعيّة جداً تستريح على الصدق والعفويّة".
سيطرته المُطلقة على كل جزء من حياته يجعل الإعلامي شديد الحرص على الطعام الذي يتناوله، "بس يمكن أحياناً I let Go- وبقول بعدان بظبّط الأمور. في ما عدا الأكل أنا شديد الانتباه إلى كل تحركاتي. الوقت الوحيد الذي أسترخي فيه هو عندما آكل. في ما عدا ذلك أنا شديد الإنضباط".
عشقه لعائلته يجعله الأب والزوج المثالي. وعن زوجته يُمنى، يقول ريكاردو كرم، "إختيار الشريك المناسب له علاقة بالعمر والنضوج ويأتي من الحكمة. أنا اليوم ابن الحكمة التي اكتسبتها. ومع ذلك أقول أن لكل تجربة الكثير من الإيجابيّة".
وصحيح أن كرم يعيش حياته الشخصيّة بعيداً من الأضواء، بيد أن إصابة نجله نديم باللوكيميا – سرطان الدم – من الأمور القليلة المُتداولة بين كُثر. وهم يُتابعون علاج نديم وتحسّنه باستمرار نظراً لتعامل كرم مع الموضوع بشفافيّة مُطلقة.
عن نديم يقول ريكاردو، "اليوم أتحدث عن الموضوع من بُعد، عن مسافة. احتجت إلى الكثير من الوقت لأتقبّل الصدمة. العقل أساسي هنا. عقلي يعمل جيداً وأستطيع من خلاله أن أواجه – ما بواجه بقلبي – في هذه الأوقات من المهم تشغيل العقل".
"أعتقد أن ما من منزل خال من حالات مرض محتومة. المرض جزء من حياة الإنسان. مُطلق أي جرح بالحياة يتبلسم باستثناء الجرح المُتعلّق بأحد أولاد الإنسان. هذا جرح يلازمه كل حياته. في هذه الحالة، يعيش الإنسان حالة مُستمرّة من الخوف والقلق – لحتى تروحي. سنّة الحياة أن نتمسك بيد ولدنا والا نفلت اليد الا عندما يكبر. ولكن في هذه الحالة يعجز الإنسان عن ترك يد ابنه وإن كبر".
"ليلاً، أستيقظ مرّات عدة لأتأكد من أن نديم ينام جيداً – ببوسو من فوق لتحت هوّي ونايم. عندما يحدث مثل هذا الشيء في حياة الإنسان يُصبح أكثر تقديراً لها. ألوم نفسي كثيراً على الأوقات التي طلب منّي فيها نديم الا أسافر بحكم عملي ولم أسمع له. الوقت يجب أن نُقدّسه وأن نفيد منه وألا نضيّعه. أولادي أريدهم أن يتذكروا وجودي إلى جانبهم كأب. الويك – أند مُخصّص لأولادي. ولأنني أستيقظ باكراً جداً أرافقهم يوميّاً إلى باص المدرسة. ما إن أنتهي من عملي وقتي كلّه لهم".
الحكمة التي ينقلها إلى طلال، نديم، وشريف؟
"اتكل على الله ولا تُبالي".
Hanadi.dairi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard