بالصور-مرض نادر أصاب قدمي الطفلة عواطف... يسمونّه "الفيل" لكن ما حقيقته؟

4 شباط 2016 | 19:35

المصدر: "النهار"

كانت الساعة السابعة صباحاً. كعادتها تنزل السيدة عواطف النابلسي إلى "ميتم جمعية الانماء الاجتماعي الخيرية" الكائن في محلة باب الرمل بطرابلس، الذي تديره ويحتضن ما يزيد على ٣٥٠ طفلاً.

وهي تهم بالدخول إلى الميتم، سمعت صوتاً يتصاعد من لفافة كيس نايلون، وبداخلها علبة. تطلب إحضارها، فإذا بطفلة بداخلها لم تكمل اليوم الأول من عمرها. تخلت أمها عنها في اللحظات الأولى لولادتها. كثيرة هي الحالات الشبيهة المتزايدة، وكثيرة الأسباب التي قد تدفع الأم للتخلي عن طفلها، حتى ولو كان الأب موجوداً، أو معروفاً. أمرت السيدة عواطف بإبقاء الطفلة في الميتم، وأسمتها رشا محمد، لكن من دون هوية.
كان ذلك منذ ما يزيد على الخمسة وعشرين سنة. كبرت البنت في الميتم، ودخلت المدرسة خاتمة المرحلة الابتدائية، ولم تكمل.

...وتزوجت رشا
عينا عواطف مفتوحتان لا تسمحان بالزغل، ولا بالخروج عن الأخلاق. حافظت على الفتاة. بحثت كيف يمكن إنقاذها وهي لا تحمل هوية، فيوم عثر عليها في الكيس، لم يعرف لها لا أم ولا أب. "سبع سنوات ونحن نعلن عن العثور على فتاة، لكن أحدا لم يظهر طالباً التحقق منها، وأخذها. تأكدنا أن أهلها تخلوا عنها نهائيا يوم وضعوها في العلبة والكيس على باب الميتم"، تقول عواطف.

وفي الميتم سيدة تتولى الطبخ، وتدير المطبخ. هي أيضا كبر ابنها، وتعلم حرفة "الديكو"، أي دهان الخشب بطريقة راقية وجميلة، والطلب عليها كان كثيراً، ويفضلها الناس على أي طريقة أخرى: لمعتها لا تخفت، وصنفها لا تقطع مدته. تريد امه أن تجد له عروسا، وتزوجه، وقد بلغ من العمر سنا قابلة للزواج، ولطالما أسرَت برغبتها أمام السيدة عواطف. "تعالي نزوجه هذه الفتاة، رشا. هي تربيتنا، ونعرفها، عاقلة ومستورة"، قالت عواطف للطباخة التي لم تجد في العرض ما هو نافر، يستحق الرفض. فتزوجت رشا ابن الطباخة.

لم ينته العام، حتى أنجبت رشا طفلتها الأولى، وأسمتها عواطف تيمنا بالسيدة التي حضنتها، واهتمت بها، ولم تتركها عرضة للريح والذئاب.

ولادة عواطف الصغيرة
تقول رشا: "لحظة ظهور عواطف للنور، أخاف منظر قدميها طبيبة التوليد، وعلمت ان المولودة الجديدة، عواطف، فيها تشوه. قدمان ضخمتان، تربو مرتين على حجم جسم المولود الجديد. وفي أحدهما خمس أصابع كبيرة، وفي الثانية أربعة". ظاهرة نادرة لا يعرفها إلا قلة من الأطباء.

من طبيب إلى طبيب، لا يعرف أحد للحالة معنى. استعاروا لها اسم مرض "الفيل" أو "الفَيِل" المعروف الذي يصاب به الناس بعد الولادة، لكن، لا أحد يعرف عنه شيئا حين يحدث قبل ذلك.

ومرض "الفيل" معروف، وتسببه بكتيريا معينة، تزخر دوائر المعارف بالتحدث عنه، وأسبابه، وتجلياته عند المريض المصاب به: أرجل ضخمة، متشوهة، تنزُ سائلا مائيا، وله طرق علاج ووقاية، لكنه غير قابل للشفاء. قيل أن تسمية "الفيل" سببها تشابه القدم الضخمة بقدم الفيل، يزيدها ترافقه ببقع جلدية أشبه بجلد "الفيل".

لكن الحالة مع عواطف الصغيرة تختلف بعض الشيء، فقدميها لا تنزان، وتتغذيان على حساب الغذاء الذي يتغذى به الانسان، فيذهب الغذاء إلى قدميها الكبيرتين، ويبقى الجسم نحيلاً، والأطراف ضعيفة، والنمو متباطئ، كما تسببان إرباكاً في الحركة.

صار عمر عواطف ست سنوات، وذهبت إلى روضة الأطفال، وباتت في صف الروضة الثانية. وهي لا تستطيع الحركة، ولا تلبس حذاء، فليس من قالب يتواءم مع قدميها. وبدلا من الحذاء، يلبسها اهلها جوارب سميكة تتنقل بها من مكان إلى آخر. تقول الجدة الطباخة أن "والدها يحملها إلى المدرسة، وتتولى هي نفسها الحركة التي اعتادتها".

الأطباء

تنقلت الأم رشا، بدعم مالي من السيدة عواطف، من طبيب إلى آخر. قالوا لا علاج للحالة. أو أنهم لا يعرفون لها علاجا. إلى أن وصلت إلى مستشفى "أوتيل ديو" في بيروت، حيث تعرف أحد الاطباء البارزين وتبنى معالجتها بطريقة تدريجية، حتى بلوغها السادسة عشرة، على ما قالت رشا، مضيفة: "عندها يمكن إجراء عملية جراحية ختامية تستعيد فيها الفتاة قدمين أقرب إلى أن تكونا عاديتين".

وتصف رشا العلاجات التي تجرى حالياً لابنتها، بدءاً بإزالة الدهون المتضخمة، وباستئصال الأصابع الزائدة، وتصغير الحجم التدريجي. وقد أجريت لها حتى الآن ست عمليات جراحية.

أما الوشم الطبيعي على رقبتها الشبيه بجلد الفيل، فيمكن استئصاله بعملية جراحة تجميلية في وقت لاحق بعد الانتهاء من مشكلة القدمين، بحسب رواية الوالدة رشا.

المدير العام لمستشفى السلام في طرابلس الطبيب الجراح الدكتور غبريال السبع يوضح تسمية المرض بأنه "الورم الليمفاوي"(Le Lymphoedeme)، والحالة التي تظهر مباشرة وقت الولادة وحتى الشهر الثالث من الحياة، تسمى باسم الطبيب الذي كشفها وحدد خصائصها وهو ميلروي (Milroy).

السبع لفت إلى حال مشابهة لكنها تظهر من الشهر الرابع حتى سن الخامس والثلاثين، وقد اكتشفه الطبيب مايج (Meige)، ويحمل اسمه.

وتناول السبع حالة أخرى من الورم الليمفاوي، وتسمى بالثنائي، وتأتي الحالة بسبب ضرر أصاب القنوات الليمفاوية المتوجودة في الجسد، والتي تأتي من الأطراف صعوداً إلى القناة الليمفاوية الأساسية والتي تصب في شريان يدعى Sous claviere الأيسر، وهذا الأخير يصب في القلب.

عن سبب الورم الليمفاوي الأولي، يفيد السبع انه نقص خلقي في القنوات الليمفاوية، وهو يتواجد بحسب الإحصاءات العالمية لدى ولادة كل مئة ألف شخص. أما اسباب الورم الليمفاوي الثنائي، فهو ضرر أصاب الجهاز الليمفاوي كالتهاب أو لسعة حشرة، أو عمل جراحي استئصالي لمرض كالسرطان مثلا، أو بسبب معالجة بالأشعة.

وقال إن المرض عندما يتضخم يسمى مرض الفيل Elephantiasis، وهو معروف منذ القدم، وعلاجه متفرع جداً، ومنه الطبي ومنه الجراحي، وهو يصيب الأطراف السفلى وقد يتطور ويصعد إلى المناطق الأعلى من الجسد، وصولا إلى البطن والصدر، والأطراف العليا. أما عندما يكون ثنائيا، فيبقى في الطرف المصاب.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard