مارتن إيميس: "لماذا يأتي جميع اللاجئين إلينا والآن؟"

3 شباط 2016 | 17:38

المصدر: "النهار"

أفاد الكاتب الإنكليزي مارتن إيميس من جولة أوروبيّة قام بها أخيراً وأعدّت للتسويق لأحدث إصداراته، بغية الدخول في صلب التحديات التي تختبرها القارة القديمة ولكي يستنبط منها قصة قصيرة بعنوان "اكتوبر" في إشارة إلى "اكتوبرفيست" مهرجان ميونيخ الذائع الصيت والمتكوّر على الحشود والجعة والعيش معاً.

والحال أن الكاتب الذي اعتاد أن يستدرّ الجدال عند كل مفصل تأليفي أو حوار، يستند إلى رحلة اصطلاحية في مساره كمؤلف ليبلور مرويّة حيث يمزج بين المناسبة الشعبية والتاريخ والحدث المعاصر والتجربة الأدبية، وحيث لا يتردد في اقحام انطباعات منوطة بتفاصيل شخصيّة من موقع ثلاثي البُعد: كأب وزوج ووالد. أما اللافت فأن يصل براويه إلى ميونيخ الألمانية الغارقة وفق جدول المواعيد السنوية بالجلبة الاحتفالية، والتي تضطر مباغتةً في أواخر 2015، إلى النظر في وجهة أخرى، إلى التمعن في وجوه اللاجئين المتدفّقين إلى شرايين المدينة، وبالآلاف.
سال حبر كثير في رصد مواقف إيميس العدائية في مسائل الموت الرحيم والشيخوخة والجاليات المسلمة، وها إنه ينجز نصاً حيث يشخّص ويسأل فنقرأ "في زمن أكتوبرفيست تستقبل المدينة ستة ملايين زائر ليبلغ عدد سكانها خمس مرات العدد الأصلي. يأتي هؤلاء الزوار من جميع أنحاء بافاريا وألمانيا والعالم أيضا. لكن المدينة اليوم في انتظار زوار آخرين، مجموعة أقل عددًا، زوار يتوقون إلى المكوث إلى أجل غير مسمّى، وهؤلاء أتوا من مكان عرف سابقا، باسم الهلال الخصيب".

في القصة المنشورة بالإنكليزية في مجلة "ذي نيويوركر" في كانون الأول 2015 يعبّر إيميس عن مقاربة ثنائية عوضًا من الاكتفاء بتلك الأحادية، فنتابعه يتكلّم عن بعدين، عن نزعتين بشريتين متعارضتين إزاء التطورات، ذلك انه يتصوّر من جهة برنهارد المصور الألماني من أصول إيرانية والميال إلى الاحتواء، ويجيء من جهة أخرى بجيفري المحافظ الذي يحتاج الى ممارسة النبذ وإنزال العقاب بالآخر المختلف.
يبيّن الكاتب أن من شأن أزمة اللاجئين الطارئة على الغرب أن تفضح ردود الفعل الرجعيّة والخابئة في نفوس قاطني هذا الجزء من العالم. والحال انه يمكن اقتفاء إثرها من خلال كلام جيفري الاستفهامي "أطلعني على أمر ما. لماذا يأتون جميعًا والآن؟ يتردّد أن اليأس هو السبب. لكن هل يسعهم كلهم أن يشعروا باليأس وفي الأسبوع عينه. لماذا يأتون جميعًا في اللحظة عينها؟ فهل تجبني".

يقابل هذه النزعة صوب نبذ الآخر سلفا، كلام آخر أكثر خفوتا في متن الحكاية يتظهّر من خلال مطالعة الراوي رسائل الكاتب الروسي الأصول والموزّع الانتماءات فلاديمير نابوكوف، الى زوجته فيرا. ولا تلبث أن تستدرجه هذه النصوص إلى التمهّل عند مسار نابوكوف الذاتي كلاجىء، هو الآخر، فيما تتعالى من حوله أصوات عالية النبرة وعلى توتر أيضا، على خلفية الجلبة المستجدّة. يأخذه مشهد الهاربين من مآسيهم صوب ملاذهم المرتجى، إلى التنظير في موقف المستشارة الألمانية إنغيلا #ميركل "التي يشار إليها على ما يكتب، باسم "المُقَرِّرة" والتي قالت إن أوروبا، وفي ظلّ أزمة اللاجئين، على وشك أن تواجه "امتحانا تاريخيا".

يكتب إيميس عن القادمين إلى القارة العجوز، في سياق تقاطع جيو-تاريخي حيث ثمة ومن جهة أولى ثلّة من اللاجئين في سياق "هجرتهم الجماعية" وثمة من جهة ثانية، على ما يزيد، تنظيمات يعاينها بالاسم "القاعدة" و"بوكو حرام" وطالبان و"تنظيم الدولة الإسلامية" وسواها. يرصد قوة هائلة تبدو كأنها قبضت على أوروبا و"رفعتها ودارت بها سياسيا وتسبّبت بزلزال على مستوى الأوهام القديمة والأحلام العتيقة المنوطة بالنقاء والفظاعة".
يعي مارتن إيميس بلا ريب أن النصّ ينتصر لنفسه قبل أن يكتب حتى، وهو يبيّن في "أكتوبر" تبصّرًا وشيئًا من الريبة المُقلقة وإنما الصريحة، يجعلان قصته القصيرة محطة للتأمل. في الأقل، تستطيع حكايته الموجزة أن تضيء ومن خلال التقاطها نبض اللحظة الآنية، على اغتراب تجارب تأليفية أخرى عن الحاضر الثرثار.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard