عن الإقامة المُستحيلة في لبنان

31 كانون الثاني 2016 | 10:27

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

ليس ضربا من الجنون القول أن الإقامة في لبنان باتت من الموضوعات الأكثر إنهاكا على جميع المستويات: مستوى الولادة في البدء، ثم مستوى النشأة إستكمالا، وصولا إلى مستوى الموت حتى.

وثمة ما يجعل الإقامة وفق الصيغة اللبنانية "السرمديّة"، كأنها تنويع على اقتناع الفيلسوف الروماني باللغة الفرنسيّة إميل سيوران بأن العيش يعني أن نتحمّل سحر الممكن. غير أن الممكن عندنا - ويا للمفارقة- صار من أسماء المستحيل.

في كتابه الصادر بالفرنسيّة في 1973 وبعنوان "في عيب أن يكون المرء قد ولد" الذي يكشف، وعلى نسق مؤلّفات إميل سيوران الأخرى، عن الهواجس المنوطة بـ "مآسي الأنا"، يطالعنا تأمّل في المعاناة البازغة من الولادة.

يكتب سيوران في هذا السياق "الساعة الثالثة بعد منتصف الليل. أميّز هذه الثانية، ثم الثانية الأخرى. أقوم بجردة لكل دقيقة. لماذا هذا كله؟ لأنني ولدتُ. تنبثقُ إعادة النظر في الولادة من نوع خاص من السهر. "منذ جئتُ إلى هذا العالم" – تتراءى لي كلمة "منذ" مشحونة بمعنى مخيف، مخيف إلى حدّ يبدو انه يتعذّر تحمّله".

في مطلع كل صباح ومن دون أي جهد، يستدرج المواطن الكامن في كل واحد منّا الى السؤال عن الحكمة من الولادة في بلادنا، في هذه الجغرافيا التي باتت كشرك يضيق على العالقين فيه. والحال اننا في حال خرجنا الى الشارع حاصرتنا أكياس القمامة التي باتت إستعارة عن اهتراء ينخرُنا، وفي حال تجاسرنا على الدخول إلى نفوسنا الملبّدة باليأس، لن نجد سوى الانزلاق شبه المرضيّ صوب السوداويّة.

يبدو كتاب سيوران الذي صار عمره نحوا من نصف قرن، وتحديدا ثلاثة وأربعين عاما والذي ينصرف الى معاينة الولادة كاللحظة الأولى في التراجيديا الإنسانية، صالحا ليصير الناموس في أنحائنا. يتبدّى النص قادرا على إقناعنا ونحن ننوء تحت وزر العوائق السياسية والإقتصادية والوطنية، بأننا لا نهرول نحو موتنا وإنما نفرّ من كارثة الولادة، في حين نستميت كالناجين لمحاولة التغاضي عن هذه الحقيقة.

في حركة تبدو كأنها تختزل مرمى نصه، يكتب سيوران أنه لا يتعيّن علينا أن ننجز سوى الكتب حيث نقول الأمور التي لا نملك الشجاعة للإقرار بها لأحد. وهذا ربما ما يجعل "في عيب أن يكون المرء قد ولد" كتابا إضافيا يتجاسر على كثير من المسكوت عنه. والحال أن سيوران أسرّ في إحدى المقابلات بتعلّقه الخاص بهذا النص وبكل كلمة تضمّنها، إلى جانب كتابين آخرين في منجزه.

ربما لن يكون هذا المُؤلّف الذي يسعنا أن نشرع في قراءته عند أي صفحة ومن دون الإضطرار إلى قراءته كاملاً، مدخلنا إلى التفاؤل، خصوصا ان سيوران أحد محترفي فلسفة اليأس.

حكاية سيوران التأليفية تجربة على فرادة تدفع بنا إلى القفز خارج دائرة قدَرنا في حركة على خطورة بالغة، أما سبب الخطر فعدم معرفتنا، إلى أين نذهب، بعدذاك.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard