غياب إدموند شارل رو القرويّة البورجوازية على رأس "أكاديمية غونكور"

22 كانون الثاني 2016 | 18:15

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

تَسلّلت الطرفة إلى الموسوعات الأدبية وباتت لصيقة بإسم الكاتبة إدموند شارل رو، إلى حدّ الإنهاك. في الرابع عشر من تموز تَدخُل السيدة حدائق قصر إيليزيه الرئاسي ولا تلبث أن تتقدّم صوب الجنرال ديغول رئيس فرنسا الحرّة فيبادرها من أعلى قامته الفارعة "أنتِ تنتخبين على نحو سيىء، لكنك تكتُبين على نحو جيّد"!

لم يتردّد الرجل الذي انتقل بفرنسا إلى جمهوريتها الخامسة في الإفصاح عن إعجابه برواية شارل رو الأولى وجداريّة المنفى من صقلية إلى أرض الميعاد الأميركية: "نسيان باليرمو". بان النص الإستثنائي كأنشودة الإبتعاد من المنبت الأصلي وكُرّم بنيله جائزة "غونكور" في 1966 في حين ستلتحق شارل رو بــ "أكاديمة غونكور" في 1983 قبل أن تتولى رئاسة هذا الصرح منذ 2002 وإلى أعوام عدة لاحقة، حتى التقاعد القريب ولدواع صحّية.

في "نسيان باليرمو"، تصَفّحت إدموند شارل رو قدر بابس المُحرّرة في مجلة "فير" النسائية وذات الألق، وكأنها تتصفح على نحو ما وجهها في المرآة ومسارها كرئيسة تحرير مجلة "فوغ" النسائيّة. وفي حين كتبَت عن بابس - وهو تصغير باربرا - في وصفها مثال الضمير الحيّ والسيدة الشغوفة بمهنتها التي مارستها بتفانٍ وحكَمت ما يشبه "خليّة النحل" أو "النصب التذكاري"، بدَت كأنها تمدّها ببعض ملامحها الشخصيّة. لم تكن "القرويّة" على ما وصفتها أيقونة الموضة كوكو شانيل مغامرةً بل كانت مُتمرّدة، وبين هذين الحدّين يسعنا الإحاطة بكل معاني الكفاح من أجل نيل الحرية.

بَيّنت شارل رو أن الحرية ليست مغامرة رعناء وثلة من المواقف المعارضة على نحو مجاني والى حدّ ملامسة الهزليّة. التمرّد مسؤولية ووعي مارستهما شارل رو كمقاومة وكمناضلة نسويّة، كما في لحظة اضطرّت إلى مغادرة مجلة "فوغ"، بعد نحو عقدين على ممارستها إدارة خارجة على الإصطلاح. والحال انها طُردت من المجلة في أعقاب تصميمها على تصديرها بصورة عارضة أزياء من العرق الأسود، في منتصف الستينات من القرن العشرين، على ما ذَكّرت صحيفة "لو فيغارو" في رثائها.

في 2012 إلتأمت بيروت حول نسخة جديدة من "معرض الكتاب الفرنكوفوني" تزامنت مع بلوغه عامه العشرين وفي ذاك العام جرى استحداث جائزة "خيار الشرق" وحلّت "اكاديمية غونكور" ورئيستها شارل رو ضيفة شرف على المعرض. وحين حدّثتني الكاتبة عبر الهاتف من مكان إجازتها قبيل زيارتها، سألتُها إذا كان لا يزال لبنان أحد المحاربين الأشداء لمصلحة الفرنسية؟ ردّت أن الأكاديمية رغبت من خلال مجيئها الى بيروت في إظهار الحب والتعاطف والإهتمام الذي يحظى به لبنان وذلك منذ زمن طويل ولاسيما خلال الأعوام العصيبة. أتت الأكاديمية الى لبنان على ما شدّدت، في ظل انتشار قلق فعلي يتعلّق بضرورة الدفاع عن الفرنسية وعن نمط تقديمها، قالت "نأتي الى بلاد شغوفة باللغة الفرنسية التي نشغف بها أيضا".

تحيي "أكاديمية غونكور" الإفتتان بالفرنسية وتفيد من ألق دولي في حين تضمّ وللمفارقة عشرة أعضاء فحسب وجميعهم من المتطوعين. والحال أن شارل رو إشتغلت على رأس المؤسسة الرفيعة مُسخّرة منطق المتطوّعين. أعطَت من دون السؤال عن الربحيّة ومن دون كلل وطبَعت بأسلوب على حدة عهدها في الأكاديمية الأدبية.

تغيب إدموند شارل رو في عامها الخامس بعد التسعين، فنستعيدها بورجوازيّة من مرسيليا اعتنقت فكر اليسار وكاتبة مُقلّة سجّلت في رصيدها روايتين محورتين هما "نسيان باليرمو" و"هي، أدريين" إلى سير خصّصتها لكوكو شانيل وإيزايبل إيبرهاردت وسواهما.

تغيب إدموند شارل رو المرأة التي تمتّعت بالسلطة بينما أكّدت انها لم تستغلها يوماً.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard