جيل كيبل عن "عصر الجهاد الثالث": مراح وتسارناييف نموذجاً

29 نيسان 2013 | 19:43

المصدر: جيل كيبل - "الموند"

ثمة نقاط تشابه مقلقة بين تفجير بوسطن واعتدائَي مونتوبان وتولوز في آذار 2012. يفصل عام واحد بين عمليّتَين يمكن وصفهما بـ"جهاد الفقراء" نفّذهما في الغرب شباب مسلمون من أصل مهاجر تحوّلوا فجأة متشدّدين.

تختلف علاقة الولايات المتحدة بالشيشان التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي في السابق، عن علاقة فرنسا بمستعمرتها السابقة، الجزائر. لكن التفجير الذي استُخدِمَت فيه طنجرة ضغط مفخّخة وأسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص بينهم طفل وإصابة العشرات بجروح، وما أعقبه من إطلاق نار على شرطي والتسبّب بمقتله، يندرج في إطار المنطق نفسه الذي كان وراء مقتل الجنود الفرنسيين وكذلك التلامذة الصغار والمدرِّس في المدرسة اليهودية أوزار-هاتوراه.

هاتان العمليتان هما في الواقع تجسيد للدعوات التي تنادي بـ"عصر الجهاد الثالث" الذي وضع نظريته العالم الأيديولوجي الإسلامي السوري مصطفى ست مريم النصار في كتابه الضخم "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية". وقد نُشِر مضمونه على الإنترنت اعتباراً من عام 2005، عندما أدرك المؤلّف أن العمليات المركزية التي ينفّذها تنظيم "القاعدة" قد فشلت في إنشاء "خلافة إسلامية" في العراق، وبالتالي إخفاق جهاد "العصر الثاني"، مع الإشارة إلى أن "العصر الأول" يتمثّل في الجهاد ضد الجيش الأحمر في أفغانستان في ثمانينات القرن العشرين.

بدايةً، ضجّ العالم بالأخبار عن المصائر العائلية المدمَّرة. في بوسطن، عائلة شيشانية تسبّبت اضطهادات ستالين بتوجّهها إلى المنفى في قرغيزستان، وباتت تتأرجح بين تفكّك "إنسان العصر السوفياتي" والهوية الوطنية؛ والد ووالدة متعلِّمان ألقيا بنفسَيهما في الحلم الأميركي، حيث تراجعت أحوالهما ليصبح الوالد ميكانيكياً والوالدة اختصاصية تجميل، قبل أن يعودا مغتاظَين إلى الوطن الأم.
وشقيق أكبر يدعى تامرلان، تيمناً بالأمبراطور المغولي الرهيب تيمورلنك، فوّت على نفسه احتراف الملاكمة، وفقدَ ركائزه، وكان يشرب الكحول ويغازل الفتيات، ثم اكتشف نسخة متشدّدة من الإسلام، ففرض على والدته ارتداء الحجاب، وبدأ يتابع المواقع الجهادية إلى درجة أن أجهزة الاستخبارات الروسية أبلغت نظيرتها الأميركية التي استجوبت المشتبه به ثم أخلت سبيله. وإقامةٌ لمدّة ستة أشهر تقريباً في القوقاز عام 2012 تثير الكثير من الشبهات - بما في ذلك حول التلاعب أو الفشل من جانب الاستخبارات الروسية - إذ عاد منها وقد تبنّى آراء متشدّدة جداً إلى درجة أنه أثار خشية المؤمنين في مسجد بوسطن الذي كان يتردّد إليه.

الشخصية الطاغية للأخ الأكبر

الشقيق الأصغر، دجوهار (من الكلمة العربية، جوهر)، طالب الطب المطبوع بسمات الطفولة، والذي يمتدحه رفاقه على نعومته، يُعرِّف عن نفسه على صفحته على الفايسبوك بثلاث كلمات: "إسلام، مهنة، مال". الوجه الملائكي، والجمال الفتيّ لهذا الشاب الذي يحمل اسم الجوهرة، والذي يبدو أميركياً مئة في المئة في مظهره وروحه، هو الذي يثير الانزعاج الشديد.
وحتى لو وجّه من سريره في المستشفى أصابع الاتهام إلى سيطرة شقيقه الأكبر عليه، لا بد من أن دوافع تحوّله نحو الجهاد تذهب أبعد من مجرّد الانضمام إلى نظريات شخص سوري ربما يجهل كل شيء عنه: يجب البحث عنها في أعماق العولمة، وصدمات الهجرة، التي عرفت الأيديولوجيا الإسلامية المتشدّدة أن تلتقطها وتعبّئها لمصلحتها.
كان لمراح أيضاً وجه طفولي وبسمة ساحرة؛ وشقيق أكبر مسيطر ذهب لدراسة السلفية في مصر، ووالدة وشقيقة وقعتا تحت سيطرة إسلاموية متصلّبة، وعائلة محطَّمة، تتأرجح بين الجزائر وفرنسا، ووالد أعاد بناء حياته في وطنه الأم من دون الاكتراث بعائلته، بعدما أمضى فترة في السجن بتهمة تجارة المخدرات.

وجد محمد هوية من جديد في السجن، عبر إضفاء قيمة مضخَّمة على إسلام معظَّم يغفر له الجنح المرتكبة ضد مجتمع "كافر" حيث تُستباح القوانين حكماً. لم ينجح في بناء مسيرة مهنية، لكنه أقبل على مشاهدة أشرطة الفيديو التي تمجّد استشهاد المؤمنين وإعدام الكفّار، ثم انطلق للاتصال بمجموعات جهادية في الشرق الأوسط وأفغانستان، وخدع الشرطة التي ظنّت أنها ستتمكّن من إعادته.

نقاط التشابه مع مصير تامرلان تسارناييف صارخة، حتى ولو كان ابن العامل الجزائري أكثر فقراً من سليل الوالدَين اللذين ينتميان إلى البورجوازية الشيشانية الصغيرة.

ويا له من تداخل لا يُصدَّق لهذين المصيرَين الصاخبين مع التاريخ الكبير: حصل جهاد محمد مراح بين 11 و22 آذار 2012، بعد خمسين عاماً على اتفاقات "إفيان" التي وُقِّعت في 18 آذار 1962 وثبّتت استقلال الجزائر التي توجّه عدد كبير من أبنائها للإقامة في البلد الذي حاربوه للحصول على استقلالهم. أما "جوهر" تسارناييف فقد حصل على الجنسية الأميركية في 11 أيلول 2012، بعد 11 عاماً على هجمات نيويورك وواشنطن، العمل التأسيسي للجهاد في أرض الغرب، والذي غيّر تسارناييف في قواعده جاعلاً منه التحدّي الأكثر إيذاء للمواطنية والاندماج في مجتمعاتنا.

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard