إيران من الاحتضار الى الحياة!

18 كانون الثاني 2016 | 18:03

المصدر: "النهار"

الصورة عن "أ ف ب"

الاحد 17 كانون الثاني 2016، يوم تاريخي للجمهورية الاسلامية الايرانية. في هذا اليوم دخل #الاتفاق_النووي الذي وقعته #إيران مع القوى الكبرى في 14 تموز 2015 حيز التنفيذ. وبعد تأكد المجتمع الدولي إلتزام طهران بنود الاتفاق أعلن من فيينا وعلى لسان المسؤولة عن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، ونظيرها الإيراني محمد جواد ظريف، أن القوى العالمية الكبرى رفعت كل #العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي الايراني، في خطوة وصفها الرئيس الايراني حسن روحاني بأنها تمثل صفحة ذهبية في تاريخ بلاده.
بعد تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن إيران نفذت تعهداتها بموجب الاتفاق النووي مع القوى الكبرى، أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دخول الاتفاق حيّز التنفيذ ورفع العقوبات، في وقت أكدت فيه موغريني ان الوكالة ستواصل مراقبة أنشطة إيران النووية وتطبيقِها الكامل لبنود الاتفاق. أما وزير الخارجية الاميركي جون كيري فقد شدد على ان الرقابة الدولية لكل منشآت إيران النووي ستتواصل وأن أي إخلال سيواجَه بردِّ فعلٍ قوي من جانب المجتمع الدولي. أمام كل هذه التصريحات، الخطوة التاريخية الاهم والتي وصفها مسؤولون إيرانيون بـ "النصر المجيد" تبقى عودة إيران الى الساحة العالمية في كل المجالات، بعد أن وقع الرئيس الاميركي باراك #اوباما الأمر التنفيذي بإلغاء العقوبات المفروضة عليها، ليعلن بذلك فك الحصار الاقتصادي والمالي عن الجمهورية الاسلامية، ما من شأنه ان يساهم في إعادة إنعاش الاقتصاد بعدما عانى من الانكماش والركود لسنوات.

ما هي العقوبات التي رفعت؟
بموجب القرار الاميركي الخاص برفع العقوبات، من المتوقع ان تحصل إيران على نحو 50 مليار دولار من العائدات النفطية العائدة لها، والمجمدة حاليا في البنوك الأجنبيةـ وستفتح قطاعات اقتصادية للشركات الأميركية في إيران، وهي بيع الطائرات التجارية وقطع الغيار لأسطول الطائرات الإيراني القديم شرط عدم استخدامها في اي عمل عسكري أي نشاط محظور بموجب الاتفاق النووي. وأيضاً مع رفع العقوبات عن إيران سيسمح للشركات الأميركية خارج اراضي الولايات المتحدة القيام بعمليات تجارية مع إيران، كما سيكون بإمكان المنتجين الإيرانيين تصدير سلعهم إلى #الولايات_المتحدة، سواء ما يتعلق بصناعة السجاد أو الاغذية. بالاضافة الى هذه التطورات، من المتوقع ان تشطب واشنطن من لوائحها السوداء 400 اسم لأفراد وشركات وكيانات إتهموا في السابق بانتهاك العقوبات الاميركية المفروضة على طهران والمتعلقة ببرنامجها النووي.
واللافت ايضا ان الامر التنفيذي الاميركي يلاحظ رفع ما يعرف بالعقوبات الثانوية وهي التي طاولت عدد من الشركات والاغراد غير الايرانيين والذين منعوا من التعامل مع إيران في الاعوام الماضية. والغاء العقوبات في هذا الشأن طاول قطاع البنوك والشركات المالية بما في ذلك المعاملات مع المركزي الإيراني، بالاضافة الى قطاعات التأمين، والنفط والغاز والبتروكيميائيات، والنقل البحري، والموانئ، وتجارة الذهب والمعادن الثمينة، تجارة السيارات وتجارة الألومينيوم والمعدن والفحم الحجري، شرط عدم ارتباطها بالمجال النووي المحظور، بالاضافة الى كل النشاطات المرتبطة بهذه القطاعات.
بعد توقيع هذا الامر التنفيذي، كشف وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن الولايات المتحدة ستسدد لإيران 400 مليون دولار كديون و1,3 مليار كفوائد تعود إلى حقبة #الثورة_الاسلامية. وهذا المبلغ الذي أقرته المحكمة الدولية في لاهاي منفصل عن عشرات مليارات الدولارات التي سيكون بإمكان طهران الحصول عليها بعد رفع العقوبات الدولية عنها.
أما الـ400 مليون دولار فهي موجودة في صندوق ائتماني استخدمته إيران لشراء معدات عسكرية من الولايات المتحدة قبل قطع العلاقات الديبلوماسية، إضافة إلى 1.3 مليار دولار فوائد. وكانت قطعت العلاقات الديبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة عام 1979 إثر اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز رهائن، وفي 1981 تأسست محكمة في لاهاي حول المطالب الإيرانية لتسوية قضية الديون بين البلدين ورفعت طهران دعوى تطالب بإعادة الاموال.
العودة الى نظام SWIFT
مع بدء تنفيذ بنود الاتفاق التاريخي، أعلن البنك #المركزي_الايراني، إعادة انضمام طهران الى شبكة المدفوعات العالمية "SWIFT" وهي شبكة الاتصالات المالية العالمية التي تمر عبرها كل الصفقات المالية في العالم، والتي حرمت منها طهران منذ العام 2012. واشار المركزي الى أن المفاوضات تمخّضت عنها اتفاقات عدة وهي اعلان سويفت رسميا الغاء الحظر واتصال المصارف الايرانية بنظام الرسائل المالية الدولية، اتصال البنوك الايرانية وفروعها بالخارج ووكلائها في الداخل والخارج من دون تمييز، والاتصال الجماعي والسريع للمصارف الملغية عضويتها بسويفت، اضافة الى تسديد والغاء تجميد الديون المصرفية عبر سويفت. ومن المنتظر ايضا ان تلغي وزارة #الخزانة الاميركية قرارها السابق بوصف ايران بأنها منطقة لغسل الاموال وشطب اسمها من سجل الفصل 311 من "قانون باتريوت".

إقتصاد يحتضر ...
قد تكون العقوبات على ايران فشلت في الحدّ من نفوذها في المنطقة، ولكنها تمكنت حتماً من ايصال إقتصادها الى حافة الهاوية، بعد عزل البلاد عن النظام المصرفي العالمي وتقليص تجارتها الخارجية، وممارسة كل انواع الحصار الاقتصادي الممكن على هذا البلد الذي يقدر حجم اقتصاده بنحو 370 مليار دولار، ( للتذكير قُدر حجم الاقتصاد الايراني بـ592 مليار دولار الناتج الإيراني نهاية 2011، اي قبل بدء العقوبات الواسعة) ما حمل البلاد خسائر شهرية تراوحت بين 3 و 5 مليارات دولار بحسب الخزانة الاميركية. وتشير الارقام الرسمية الى ان #العقوبات أدت الى انكماش الاقتصاد الايراني بين عامي 2012 و2013 بـ 8,5%، وبنسبة 33 منذ بدأ العقوبات على البلاد، ليعود ويسجل نمواً خجولاً عند 1,5% العام 2014، ونمواً لم يتخط 2% في العام 2015، كما تراجعت الصادرات النفطية بنحو 60%، من 2,6 مليوني برميل يومياً في 2011 الى 1,21 مليون برميل في 2014، متسبّبة في تراجع المداخيل السنوية من 100 مليار دولار الى أقل من 30 ملياراً. كما أدت العقوبات الى خسارة ايران لاستثمارات أجنبية بسبب انسحاب كبرى الشركات العالمية، ومنها شركات صناعة السيارات والشركات النفطية، اذ تشير الارقام الى خسارة الجمهورية الاسلامية في العام 2011 وحده استثمارات في قطاع التكنولوجيا النفطية الجديدة ما قيمته 60 مليار دولار، اضافة الى تراجع احتياطات العملات الاجنبية الى ما يقارب 200 مليار دولار، وانخفض سعر صرف #الريال الايراني أمام الدولار بأكثر من 56% ما بين 2012 و2014، مع ارتفاع نسب التضخم الى 45% والبطالة الى 20%.

ما بعد الاتفاق النووي
يعتبر دخول الاتفاق النووي حيّز التنفيذ فرصة كبيرة لتطوير الاقتصاد الايراني الذي وصلت العديد من قطاعاته الى شفير الافلاس خلال الاعوام الماضية جراء العقوبات والحظر المفروض على البلاد. كما يساهم رفع العقوبات بالسماح للبلاد بالعمل على تنويع مصادر دخلها عبر التقليل من الاعتماد على القطاع النفطي الذي شهدت انهيارات دراماتيكية في الاشهر الماضية محملاً خزينة الدولة خسائر بالمليارات. بالتأكيد تأتي مفاعيل رفع العقوبات عن إيران تدريجيا عبر رفع الحظر عن الصادرات النفطية، وتحرير اموالها المجمدة في #المصارف الغربية والتي تتخطى الـ 120 مليار دولار، تضاف اليها الفوائد المتراكمة عليها.
وفي سياق غير بعيد، ستحتاج إيران الى إستثمارات أجنبية مباشرة يصل حجمها الى نحو 50 مليار دولار فورية للوصول الى معدل نمو إقتصادي قرب 8% في السنوات القليلة المقبلة، بعد تسجيل نمو متوقع عند 6% في حلول نهاية 2016، ما سيتواكب ايضا مع انخفاض للتضخم الى دون 15% والبطالة الى 13%، وزيادة متوقعة للاستثمارات الاجنبية المباشرة بما قيمته 3,5 مليارات دولار سنوياً، بدءاً من نهاية السنة الجارية اذ تحتاج إلى استثمارات تقدر بنحو 185 مليار دولار، بحلول عام 2020. (علماً أن ايران تتمتع بقوانين استثمارية جاذبة، اذ تسمح للمستثمر الأجنبي في بعض الاحيان بتملّك 100% من المشاريع ).

النفط الايراني
يساهم رفع العقوبات عن الجمهورية الاسلامية ايضا في اعادة مستوى انتاجها من #النفط الى 3,6 ملايين برميل من 1,2 مليون برميل حالياً، في خطوة تحسن في شكل كبير ايرادات الدولة التي يعتمد 70% من اجمالي ايراداتها على هذا القطاع. وأعلنت طهران أنها سترفع إنتاجها الفطي بـ 500 الف برميل يوميا مباشرة بعد رفع العقوبات عنها وصولاً الى إنتاج إضافي عند مليون برميل يومياً بعد أشهر من دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ. وكانت العقوبات دفعت بكافة الشركات النفطية الاجنبية الكبرى لمغادرة إيران خوفا من أن يتم إدراجها في القائمة السوداء، كما عانى القطاع النفطي الايراني من الحظر الذي فرض الشركات المحلية مانعا إياها من إستيراد المعدات والتجهيزات الضرورية لتطوير الحقول، ما أبطأ عملها إضافة إلى خفض الإنتاج من الخام بفعل عقوبات تصدير النفط. وتشير الارقام الايرانية الرسمية بأن العام 2014 شهد على إستثمارات بقيمة 19 مليار دولار في عمليات تطوير الحقول النفطية الايرانية، ليرتفع هذا الرقم الى 21 مليارا عام 2012 ، ومن ثم إنخفض الى اقل من 10 مليارات عام 2013 نتيجة العقوبات التي طاولت القطاع، حتى 6 مليارات عام 2014. وتزامن هذا الامر مع انخفاض الانتاج النفطي من 4 ملايين برميل يوميا العام 2011 الى 2,5 مليوني برميل في 2014، ما أجبر طهران على تخزين ملايين البراميل النفطية غير المباعة.
خلال العام 2015، وبعد توقيع الاتفاق النووي المبدئي، غيّرت إيران الطريقة التي تتبعها في عروض عقود النفط التي تبرمها مع شركات الطاقة الأجنبية في محاولة لجذب استثمارات أجنبية بقيمة 30 مليار دولار سنويا، حتى 130 مليار دولار في حلول العام 2020.وبالفعل، وجدت الشروط التي تتضمنها عقود النفط الجديدة رواجا بين المستثمرين الأجانب، الذين ستكون لهم حصص أكبر في الأرباح على المدى الطويل، ومنها شركات دولية كبرى في مجال الطاقة، من بينها شركة بي بي، وشل، وتوتال، وسينوبك بالاضافة للشركات الاميركية. وتضع العقود الجديدة نهاية لنموذج إعادة الشراء، التي حملت المستثمرين على الابتعاد عن الاستثمار في النفط الإيراني، إذ ألزمت تلك العقود الشركات الدولية على إعادة حقول النفط بعد تطويرها وتشغيلها إلى السلطات الإيرانية مرة ثانية. أما العقود الجديدة فتوفر إمكان إبرام عقود طويلة تمكن الشركات الدولية من امتلاك حصة في حقول النفط. وكانت أكدت طهران سعيها إتباع خطط لزيادة إنتاجها من النفط على مدار السنوات المقبلة بواقع يصل إلى 3 ملايين برميل في اليوم الواحد، والتي تأمل طهران في زيادها إلى 5 ملايين برميل في اليوم بعد 10 سنوات. وأيضا من مفاعيل رفع العقوبات عن إيران، إمكان تفعيل طهران للاتفاقيات النفطية مع دول الجوار وإعادة دراسة الأسعار في ظل التطورات الحالية والطلب المتزايد على الغاز الذي تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطي منه، بعد روسيا، وذلك من خلال تسريع العمل في خط السلام النفطي الذي يربط إيران بالشرق الآسوي تحديدا الهند مروراً بباكستان.واليوم أمام الواقع الجديد الذي وجدت إيران نفسها فيه، وفي مواجه تراجع أسعار النفط عالميا، أصبح من الضروري لدى طهران التفكير بجدية في كيفية تنويع إيرادات خزينتها. وبالفعل تخطط الحكومة لأن تشكل الإيرادات النفطيةُ ربع نفقات موازنة الدولة الجديدة فقط للعام 2016- 2017. وأيضا من الاجراءات التي يجب على إيران إتخاذها للإسراع في ركوب قطاع #النمو والتطور العالمي، إعادة تدعيم بيئة ممارسة أنشطة الأعمال فيها حيث حلت الجمهورية الاسلامية في المرتبة 152 من أصل 189 بلداً شملهم تقرير البنك الدولي عن ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2014. وبالاضافة الى هذه الاجراءات يتعيّن على الحكومة الايرانية مواصلة الإصلاحات المالية تدريجيا٬ بما في ذلك تعبئة الموارد الضريبية وجهود إصلاح منظومة الدعم٬ وتبني سياسة نقدية جديدة.

 

maurice.matta@annahar.com.lb

twitter: @mauricematta

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard