زياد الرحباني خرج من المسرح فطعنته السينما!

14 كانون الثاني 2016 | 14:57

المصدر: "النهار"

هذا ليس نقداً مسرحياً، لستُ متخصصاً في المسرح. انطلاقاً من كوني متفرّجاً يحقّ له إبداء رأي وانطباعات، أودّ أن أسأل: ما الجدوى من عرض عمل مسرحي كـ"بالنسبة لبكرا شو؟" (١٩٧٨) لزياد الرحباني في صالات السينما، عندما تكون الصورة والصوت على هذا القدر من السوء؟ الصورة: "آوت أوف فوكوس"، مهزوزة معظم الوقت، لا نرى تفاصيلها، وفي لحظات "الانتكاسات" الكبرى، تغيب عن الوعي. الصوت: لولا الكلام المكتوب في أسفل الشاشة، لفاتني الكثير مما يُقال. تحت غطاء العناوين الفضفاضة التي يتحصّن بها اللبنانيون كترميم الذاكرة و"الياي شو حلو!"، ثمة هدف واضح: ضرب تجاري لاستقطاب محبي زياد الرحباني الذين لا يقيمون وزناً كبيراً لأي معايير تقنية، طالما أنّ الذي يطلّ على الشاشة هو زياد الرحباني.

بيد أنّ ظروف عرض أي عمل فنيّ توازي قيمة العمل نفسه، لأنها الشرط الوحيد لتكريم العمل وردّ الاعتبار إليه. لذلك عرض عمل بهذا الشكل يكاد يكون إساءة لمسرحية خاطبت أجيالاً عدة وطعناً في قيمتها التي يصعب إنكارها، وكان من الأفضل لو بقيت في الذاكرة المشوّشة كشيء جميل من الماضي. لكننا نعيش في زمن هوس الصورة، حيث كلّ شيء يجب أن يُجسَّد ويؤطر كلوحة يتأملها الناس في معرض. في المقابل، أن تحظى أصواتٌ كرّستها الإذاعات بوجوه، فهذا يعني أنّه عليك أن تتحمّل لحظات مهمّة في المسرحية تجتاز "الفلو" (غير الفني)، هذا من دون أن نتحدّث عن التغيير في المناخات والألوان وحتى ملابس الممثلين وعن عبور بعض المشاهدين أمام الكادر في لحظات، إذ أنّ المادة المصوّرة مصدرها حفلات عدة من المسرحية عينها. وتمّ النبش واستخراج "الأفضل" من كلّ مسرحية، والمقصود بالأفضل هنا الأقل رداءة.

ثم، في الحقيقة، ما نراه هنا ليس مسرحية زياد الرحباني! إنها رؤية أحدهم عنها، في هذه الحالة، المُصوّر الذي التقط المَشاهد على مراحل، كما يصوّر الواحد منّا اليوم ذكرياته العائلية بهاتفه المحمول. في المسرح، ثمة خشبة، أنتَ الذي تقرر ما الذي تريد أن تراه من بين التفاصيل المعروضة أمامك. هنا المُصوّر هو الذي يقرر أين "يزوّم"، هو الذي يقرّر ما يجب أن تراه، أين الشخصية المهمّة في هذه اللحظة وأين البقعة التي يمكن تجاهلها. لذا، فعلياً، نحن لا نرى مسرحية لزياد الرحباني إلا من خلال عيني شخص يصوّر ما يحلو له وكيفما اتفق كنوع من "مايكينغ أوف" (بعضها التُقط خلال التمارين). وفي هذا، لا يمكن تجاهل لا المصوّر ولا المونتير، فهما صاحبا العمل الذي تحوّل من مسرحية الى "فيلم". وهذا يزجّنا في شيء آخر: المسرح المصوّر، هذا النوع الهجين الذي لا ينتمي لا إلى المسرح ولا إلى السينما. لو تم تناول هذه الصور في إطار فيلم تجريبي، لاختلف الأمر. لكن لا تنطوي التجربة على أي حسّ مغامراتي، بل يكتفي أصحاب المبادرة ببعض "الليفتينغ" لإمرار البضاعة، ضامنين جمهورهم المحتمل، وحريصين على ألا يستفزوا أسئلة عن الذين هم خارج هذا الجمهور، أي نوع من الأسئلة عن دلالات أن تُستثمر مبالغ كبيرة في إعادة مسرحية عمرها ٣٨ عاماً إلى صالات السينما (الرأسمالية عندما تضرب المسرح المحمول على الظهر!).

قطعة زياد الرحباني الفنية المنقولة الى الشاشة، "خبصة" على الطريقة اللبنانية، تختزل حجم أزمة الخلق والابتكار والإفلاس الذي نعيشه في حاضرنا، أزمة تجعلنا نستنجد بالماضي (وهو يشبه راهننا في أي حال وانعكاس له)، وليس بالماضي الصافي إنما بالماضي المشوّه الخاضع لعمليات تجميل وترميم غير ناحجة، والمعدّ على أسس الماركتينغ الحديثة (... وكانت تنبغي رؤية العرض التمهيدي للفيلم الحافل بالمظاهر التسويقية). ولعل الأسوأ من هذا، هو انحياز الرأي العام الى التخفيف من حدة النقد عندما يتصل الأمر برموز هذه البلاد (أكرر أنّ هذا ليس نقداً للمسرحية التي يتسرّب منها نبوغ نصّ الرحباني على الرغم مما حفر فيه الزمن من عمر). لكن، في الفنّ لا أحد خارج النقد. يقول القائمون على الترميم ("م ميديا") أنّهم أمضوا ١٧ عاماً وهم يحاولون إقناع زياد الرحباني بالإفراج عن الأشرطة، من دون أن يحدّدوا السبب الحقيقي لتردّده أو رفضه. يحلو لنا الاعتقاد أنّه كأي فنان يدرك قيمة الزمن، كان يفضّل الإقامة في الذاكرة على الإقامة على شاشة.

(*) "بالنسبة لبكرا شو؟"، يُعرض في الصالات المحلية بدءاً من ٢١ الجاري. 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard