"داعش" ضرب العدو على أرضه عام 2015...هل يزداد خطرا في 2016؟

30 كانون الأول 2015 | 17:13

المصدر: "النهار"

انتهى عام 2015 بضربة قوية ل"الدولة الاسلامية". الرمادي، عاصمة الانبار، كبرى المحافظات العراقية، والتي شكلت كبرى مكاسب التنظيم هذه السنة انتُزِعت منها على ابواب 2016. وقبلها خسر التنظيم تكريت وسنجار وتل أبيض ومناطق أخرى كان غزاها عام 2014 وبسط عليها دولة الخلافة. ولكن خسارة هذه الاراضي وربما غيرها وغيرها قريبا تحت وقع غارات الائتلافات على أنواعها، لا تعني بالضرورة أن التنظيم يخسر الحرب. تنظيم ارهابي هو خليط هجين من دولة تقليدية وقوة مسلحة قادر على الرضوخ للقوة في بعض المناطق مع تنفيذ غزوات جديدة في مناطق أخرى.فخسائره في العراق يقابلها أقله حتى الان، صمود في سوريا وتمدد لعملياته في ليبيا وأفغانستان وضربات موقوتة في اليمن وتونس السعودية وباكستان ومصر و فرنسا، اضافة الى ايحائه بأخرى كما حصل في هجومي كاليفورنيا ولندن وغيرهما.

افتتح "داعش" عام 2015 بعروض وحشية مرعبة.قطع رؤوس رهائن يابانيين وأحرق الطيار الاردني معاذ الكساسبة حياً وأعلن قتل الرهينة الاميركية كايلا مويلر، قبل أن يغزو الرمادي في أيار ولاحقاً مدينة تدمر. مكاسب خاطفة ل"داعش" أضافها الى غنائم 2014 في بداية سريعة سرعان ما بدأت تتعثر لتظلّلها خسائر لمناطق وقيادات بارزة.

وفي الاشهر الاخيرة تحديدا، واجه التنظيم مقاومة متزايدة منعته من توسيع نفوذه. ففي سوريا، نجحت القوات الكردية تحديداً بمساعدة غارات الائتلاف الدولي في منع تمدد "الدولة الاسلامية"، كما نجحت بالتنسيق مع القوات الكردية في طرد مقاتلي التنظيم من مناطق على الحدود مع تركيا. وفي العراق، اضطلعت قوات "الحشد الشعبي" بدور بارز في التصدي للتنظيم واخراجه من مناطق عدة، بينها تكريت ومصفاة بيجي، قبل أن تنتزع منه القوات العراقية الرمادي.
ويظهر تقرير لمعهد "أتش اس جينز" للأبحاث أن التنظيم خسر نحو 14 في المئة من الاراضي التي يسيطر عليها عام 2015، وذلك لمصلحة الاكراد خصوصاً. ويفيد أن مساحة الاراضي التي يسيطر عليها التنظيم تقلصت بمقدار 12800 كيلومتر مربع لتصل الى 78 الف كيلومتر مربع بين كانون الثاني 2015 حتى 14 كانون الاول. ومع سقوط الرمادي، كبرى المحافظات العراقية في يد القوات الحكومية العراقية، تكون هذه المساحة تقلصت أكثر .
موارد

في الواقع، باتت "الدولة الاسلامية" مطوّقة أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن خسارتها أراضي تفقدها لا "هيبة" فحسب وإنما ايضاً موارد. فخروج جزء من طريق سريع بين الرقة والموصل، من سيطرتها جعل خطوط امداداتها اكثر صعوبة، والامر نفسه ينطبق على معبر تل أبيض الحدودي مع تركيا.
ولا شك في أن تكثيف الغارات على المنشآت النفطية للتنظيم سيكون له أثر كبير على مداخيله. فموسكو أعلنت أخيرا تدميرها 37 مصفاة ومنشأة لانتاج النفط، و17 قافلة لشاحنات تنقل نفطاً.
ومن جهتها، أفادت منظمة "تقرير النفط للعراق" أن تكثيف الغارات الاميركية على "الدولة الاسلامية" أغلق تقريبا كل عمليات النفط في العراق، والحق ضررا بهذه التجارة المربحة في سوريا، مقوّضا المصدر الاكبر للتمويل للتنظيم، ومهددا قدرته على استمراره في حكم مناطقه، علماً أن النفط يمثل 50 في المئة من عائدات "داعش"، فيما ال50 في المئة الاخرى هي مجموع كل الامور الاخرى.

وتظهر معلومات حصلت عليها المنظمة من الحكومة الاميركية أنه حتى وقت قريب، نجح نحو 2000 من عمال النفط ،غالبيتهم أتوا من الخارج، في تجنب المحاولات الاميركية لتقويض العمليات النفطية ل"الدولة الاسلامية". وبين نهاية 2014 وايار 2015، كانت العمليات النفطية للتنظيم قادرة على انتاج نفط خام بقيمة 40 مليون دولار شهريا، علما أن "داعش" يربح أكثر من ذلك بكثير بفرضه ضرائب على النقل والتكرير .
ووفرت الوثائق التي أمكن ضبطها في عملية القوات الخاصة على مقر "أبو سياف"، المسؤول النفطي ل"داعش" في ايار 2015 ، كنزا ثمينا من المعلومات الاستخباراتية.

ولكن تحليل الوثائق وتحويلها صورة متكاملة لقطاع النفط ل"داعش" استغرق أشهرا. وبناء عليها بدّل المسؤولون الاميركيون استراتيجيتهم وبدأوا اعتبارا من تشرين الاول حملة أكثر كثافة أطلقوا عليها اسم"عملية موجة المد والجزر الثانية".
وفي تقويم المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الاميركية لشؤون الطاقة الدولية أموس هوشتاين أنه منذ بدء هذه العملية، "صرنا نرى قدرات متراجعة لناحية ادارة حقول النفط ونقل الوقود والخام".
ومع ذلك، يصعب وضع تقديرات دقيقة عن حجم انحسار قدرات "داعش" القتالية أو المالية.فالتنظيم بارع في ادارة صورته وماكينته الدعائية حريصة على اظهاره في احسن أحواله.ولكن على رغم الانتقادات للاستراتيجية الاميركية لاضعافه تمهيدا للقضاء عليه، ومع أن الروس لم يركزوا على التنظيم الا اخيرا، الثابت أن الحملات ضده بدأت تؤلمه.

توسع خارج دولة الخلافة

يكتسب سقوط الرمادي تحديداً دلالات كبيرة كون المدينة عاصمة الانبار السنية وسقوطها لم يحصل على يد "الحشد الشعبي" الشيعي.وباستردادها تتجه الانظار الى الموصل ،ثانية كبرى المدن العراقية التي غزاها التنظيم في حزيران الماضي. ومع ان تحريرها سيكون أهم بكثير من استعادة الرمادي، ليست خطوة كهذه محسومة ولا هي سهلة. فمنذ شباط الماضي، كثرت التقارير عن استعادة المدينة، ولكن حتى الان لم يحصل اي شيء.
وعلى رغم انحسار مساحة دولة الخلافة، لا يزال التنظيم قادرا على التأقلم ويسيطر على مناطق رئيسية في سوريا والعراق.الفلوجة والموصل والرقة وتدمر لا تزال ضمن نطاق سلطته على رغم مليارات الدولارات التي أنفقت على العمليات ضده حتى الان.لذا من السذاجة الاعتقاد أن "الدولة الاسلامية" على وشك الانفراط ، وأن مقاتليها بدأوا الفرار.

الحرب مع "داعش" لم تنته بعد، ولا هي بداية النهاية للتنظيم الارهابي .ففي الوقت الذي كان "داعش" يخسر اراضي هذه السنة ،كان يوسع نطاق عملياته خارج معقله في سوريا والعراق، مثبتاً قدرته على ضرب أعدائه في عقر دارهم.

مدير مركز الارهاب والتمرد في "اتش اي جينز" ماثيو هينمان يحذر من أنه حتى لو تم القضاء على "داعش" في سوريا والعراق،فان التنظيم لا يزال يمسك بسنانيره في أماكن أخرى ، لافتا الى أن "فكره صار شيئا لم يعد يمكن القضاء عليه بالقصف فحسب".

ويلفت ديفيد فيليبس، المستشار السابق في وزارة الخارجية الاميركية الى أن اعلان التنظيم مسؤوليته عن هجمات ارهابية كبيرة في تونس وفرنسا واليمن واسقاط الطائرة الروسية أظهر قدرته الثابتة على توسيع نطاق اعتداءاته الارهابية، الامر الذي يمثل تهديداً بأن أحدا لم يعد بمأمن في اي مكان في العالم.
وليست الاطلالة الاخيرة لابو بكر البغدادي التي حذر فيها الدول التي تشارك في "التحالف الاسلامي" الا دعوة لمناصريه ، من الخلايا النائمة الى "الذئاب المنفردة" الى الجهاديين ، لاستهداف معالم وتجمعات في عشرات الدول حول العالم. والاهداف المحتملة تبدو كثيرة بعد الأنماط المؤرقة لهجمات 2015 من أنقرة وصولا أخيرا الى ما وراء الاطلسي.

الهجمات التي ينفذها التنظيم خارج سوريا والعراق تخدم أهدافا عدة في وقت واحد،فهي الى كونها رداً مباشراً على الغارات الغربية على معاقله، ترمي الى تحويل الانتباه عن أية خسائر يمكن أن يتكبدها "داعش".

هينمان يرى في هذه الهجمات الخارجية عرض قوة للتنظيم لاثارة الخوف في نفوس اعدائه، ولكن ايضا لطمأنة مناصريه في الوقت الذي يتعرضون فيه لضغوط متزايدة.ويختصر قائلا:"انها لتشتيت الانتباه عن خسائره وتعزيز روايته عن استمرار التوسع والزخم والانتصارات".
وفي النهاية يكمن الهدف الاول والاخير للتنظيم في جر الغرب أكثر الى ما يعتبره "المعركة الاخيرة".
تهديدات "داعش" تبدو خطيرة على ابواب 2016 .ولا شك في أن خطرها نابع خصوصا من واقع أن فروع التنظيم في ليبيا وسيناء لا تزال ناشطة وتتمدد، ولا شيء يوحي بأنها تخطط لتقليص قدراتها في السنة الجديدة. الى ذلك، ينشط التنظيم في اجزاء من شمال افريقيا واليمن وأفغانستان.الى ذلك، ثمة نحو 40 مجموعة بايعت "داعش" مع الملايين من المناصرين حول العالم. من هذا المنطلق قد تكون السنة الجديدة ساحة لمزيد من الهجمات الارهابية الدموية.

تيودور كارازيك، محلل الشؤون الجيوياسية الاقليمية يقول ان "داعش" لن يختفي في وقت قريب، مع البغدادي أو من دونه، ومستواه التدميري لفرض مواجهات حول العالم ينبئ بأن سنة 2016 ستكون أكثر فوضوية من 2015.ووصف التظيم بأنه وباء محمول جوا ولا يزال متماسكا مع دخوله مرحلة قتالية وعدوانية جديدة.

نيللي لحود ،الباحثة في الاسلام السياسي في المعهد الدولي للدراسات الاسستراتيجية في لندن تقول:"على المرء أن يخاف ويقلق في شأن ما قد يفعله التنظيم عندما يشعر بالخسارة....الرحمة ليست أمرا واردا في قاموسه...ربما قد يكون أكثر خطرا عندما يخسر".

monalisa.freiha@annahar.com.lb
twitter:@monalisaf

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard