عنصر أمميّ جديد وجريء لمكافحة الإرهاب

14 كانون الأول 2015 | 20:19

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الصورة عن "رويترز"

خارج أيّ إطار سياسي أو عسكريّ أو أمنيّ، أقرّ #مجلس_الأمن الأسبوع الماضي، قراراً هو الأوّل من نوعه في مجال الأمن والسلم العالميّين. القرار الذي لم يستهدف الطرق الكلاسيكيّة لإرساء هاتين الركيزتين، شدّد على عنصر قلّما أخذته السلطات المحلّيّة والدوليّة بالاعتبار. إنّه مورد متجدّد، هو بكلّ بساطة عنصر الشباب.

في التاسع من هذا الشهر، تبنّى مجلس الأمن قرارًا نصّ على ضرورة حضّ "الدول الأعضاء على إيجاد سبل لزيادة التمثيل الشامل للشباب في صناعة القرار على كامل المستويات، في الآليّات والمؤسّسات المحلّيّة والوطنيّة والاقليميّة والدوليّة من أجل منع وحلّ الصراع ...". وأتى القرار على ذكر "المشاركة الفعّالة في عمليّات السلام وتسوية النزاعات". جاء هذا الدفع على خلفيّة ما سمّاه المجلس "صعود التطرّف والجنوح نحو العنف، والتطرّف العنيف بين الشباب، الذي يمكن أن يؤدّي الى الإرهاب".

وتحدّث الموقع الإلكتروني للأمم المتّحدة عن أنّ القرار الذي مهّدت له الأردن خلال ترؤّسها لمجلس الأمن في نيسان، يتضمّن أيضاً حماية الشباب من النزاع المسلّح، من خلال حثّ الأطراف المتصارعة على اتّخاذ الإجراءات الضروريّة لحماية المدنيّين "ومن بينهم الشباب من جميع أشكال العنف الجنسي أو الجندري".

من جهة أخرى، حاول المجلس التطرّق الى آليّات لتفعيل قراره عبر حثّ الدول على تقوية دعمها السياسي والاقتصادي والتقني واللوجستي بطريقة تهتمّ بحاجات الشباب ومشاركتهم في جهود السلام، وفي حلّ النزاعات بالاضافة الى مشاركتهم في مراحل البناء التي تلي الحروب والصراعات المسلّحة. وطالب المشاركون جميع المنخرطين في مجالات نزع السلاح وإعادة الدمج في المجتمعات التي تعاني من أيّ شكل من أشكال العنف، بضرورة تسليط الضوء على حاجات الشبّان الذين تأثّروا بسلبيّات الحروب.

وفي المجال التنفيذي طلب مجلس الأمن من أمين عام الأمم المتّحدة #بان_كي_مون إجراء دراسة متقدّمة عن قدرة الشباب على مساهمتهم في حلّ النزاعات وإرساء السلام، مرفقة بمعلومات متنوّعة، من بينها تلك التي تبرز نوعيّة أوضاعهم في مناطق النزاع المسلّح.

في ظلّ الأزمات، يقع الشباب غالباً ضحايا صراعات المصالح بين القادة. وقد يستخدمهم هؤلاء كوقود لتأجيج الحروب حتى مجيء موعد التسويات الكبرى حيث يقطف الساسة الثمار فيما يُترك الشباب عند قارعة الطريق.
نقص في التعليم

موقع "السلام والنزاع الدوليّين" يرى الشباب في مناطق الصراع يواجهون نقصاً في التعليم الكافي، وفي العناية الصحّيّة والحماية، فرص كسب العيش، الأنشطة الترفيهيّة والصداقة ودعم الأسرة". ولكنّه في المقابل يشير إلى أنّ الشباب يشكّلون "الأغلبيّة الصامتة" في ما يتعرّضون له وسط هذه الحوادث بسبب "ثقل اللامبالاة والجهل".

ويشدّد الموقع نفسه على ضرورة تشجيع الشباب وحثّهم على الانخراط في جهود السلام لأنّه لا شيء لديهم ليخسروه إلّا السلاسل التي تفقدهم حرّيّتهم فيما لديهم كلّ العالم ليربحوه. ولأجل ذلك، يقترح الموقع نقاطاً عدّة للوصول الى تلك الغاية.

فعلى الشباب أن يكونوا أوّلاً في سلام مع أنفسهم كي يستطيعوا نقله الى محيطهم القريب ثمّ البعيد. من جهة ثانية، "على القادة أن يعلموا ما هو حقّ وعلى الشباب أن يعلموا الحقيقة"، وذلك، على رغم تأكيد الموقع أنّ ما يحصل على الأرض هو صورة معاكسة تماماً لما يفترض أن تكون عليه الأمور. هنالك أيضاً حاجة ماسّة للتحذير من الفقر والبطالة اللذين يدفعان الفئات الشابّة كي "تقع ضحيّة الزعماء السيّئين". ويقترح الموقع أيضاً انخراطها في المؤتمرات والمحاضرات الدوليّة من أجل أن تعمدوا لاحقاً إلى تعليم الأجيال الجديدة ما اكتسبته هي في وقت سابق.

لتفعيل دور الشباب في حلّ النزاعات وبناء مرتكزات السلام، تنشط منظّمات عدّة حول العالم تعنى في الأساس بتلك المواضيع. وبينما قد تكون هذه الأخيرة متعدّدة الجنسيّات أو من جنسيّة واحدة، يضمّ هذا النوع من المنظّمات اختصاصيّين من المجالات كافّة، لبناء أطر أكاديميّة وتطبيقيّة لمستلزمات حلّ النزاع والانطلاق في عمليّة نشر السلام.

وعلى رغم أنّ أخبار الشبّان المنخرطين في الحروب إلى جانب منظّمات متطرّفة هي التي تغلب في نشرات الأخبار العالميّة، فإنّ آخرين كثيرين ينشطون في منظّمات وجمعيّات سلميّة حول العالم ويقومون بمحاولات حثيثة لبناء جسور بين أطراف كبيرة متنازعة.

مؤسّسة السلام الأميركيّة "يوزيب" تعمل مع فئات شابّة في مناطق صراع حسّاسة في مختلف أنحاء العالم وتؤسّس مع الشباب المحلّيّين مشاريع للتعارف وللمشاركة في مجالات حلّ الخلافات، من بينها تأسيس محطّة إذاعيّة في جنوب السودان "سَوا شباب" تستهدف نشر الوعي بين السودانيّين الشباب من أجل التعرّف الى طاقاتهم كأفراد واحترام اختلافاتهم وإيجاد نقاطهم المشتركة. مشروع آخر مشابه أطلقته المؤسّسة في العراق تحت اسم "سلام شباب" هدفه التوجّه الى الشباب العراقي من أجل العمل على تنمية وعيهم لما يملكون من طاقات كامنة فيهم. وعملت المؤسّسة في دول أخرى، مثل باكستان والبيرو وسيراليون وموزامبيق وغيرها. وينشط متخصّصون في علم النفس داخلها من أجل معالجة الشبّان في مناطق النزاع من الصدمات النفسيّة التي يعانون منها بسبب الحروب، بمن فيهم المحاربون أنفسهم.

وترى المؤسّسة أنّه من المهمّ على الشبّان فهم العالم حولهم وفهم دورهم فيه خصوصاً مع التقدّم التقني الذي يغيّر الكثير من المعتقدات السائدة ويجعل العالم أكثر تداخلاً بين سكّانه. لذلك تشدّد على ضرورة علم الشباب بأنّ كلّ ما يحصل في الخارج سيؤثّر بشكل أو بآخر عليهم.

مورد حل
موقع "أكاديميا" يرى في دراسة له أنّ الشباب ليسوا مصدراً للمشاكل بل هم مورد لحلّ تلك المشاكل. ويشير إلى أنّ انخراط الشباب في عمليّة بناء السلام يستوجب منهم فهم أنّ العمليّة تستهدف الى جانب نزع السلاح من المتقاتلين وإعادة دمجهم بالمجتمع، تثبيت حكم القانون ونشر الديموقراطيّة، تطوير البنى التحتيّة، النهوض بالاقتصاد واحترام حقوق الانسان.

وفي هذا المجال، يكمن دور الشباب في تشكيل رأي عام يساند السلام ويعلي من القيم الانسانيّة. ويجب أن يتمحور الدور أيضاً حول بناء تيّارات مناهضة للعنف والعنصريّة والتمييز على أيّ أساس كان، بالاضافة الى الانخراط في العمل التطوّعي الذي يخدم الغاية التي من أجلها تمّ العمل على تشكيل الرأي العام. وتحثّ الدراسة الشباب على التعاون أكثر في ما بينهم عبر إنشاء شبكات متنوّعة تساعد أكثر على تفعيل التنسيق بينهم ونشر التعدّديّة الثقافيّة والاجتماعيّة ومحاربة الفقر بالاضافة الى إطلاع مجتمعاتهم على المشاكل الاجتماعيّة العالقة كالإرهاب ومخاطر أسلحة الدمار الشامل والتغيّر المناخي وغيرها ...

من الإيجابيّات التي تتمتّع بها الأجيال الشبابيّة، أملها وإيمانها بالقدرة على التغيير. لكن على ذلك الايمان أن يوظّف بوجهه الإيجابيّ من القادة كي يفعّل في خدمة بناء المجتمعات المسالمة والمزدهرة. من ناحية أخرى، يمكن لهذه الأجيال ألّا تختلف كثيراً عن الأجيال القديمة إذا كان كلّ ما تقدّمه ليس إلّا إعادة تكرار لأفكار قديمة لكن بأسلوب جديد.

وبما أنّ مناهج التعليم في كثير من الدول عاجزة عن مواكبة التطوّر الذي يظهر من جيل الى جيل، وربّما أحياناً داخل الجيل نفسه، كان لا بدّ لمنظّمات دوليّة أن تأخذ على عاتقها القيام بمبادرات جديدة. يدخل في إطارها مثلاً، فهم الشباب والاستماع إليهم، لا مجرّد الاكتفاء بتلقينهم، بالاضافة الى تعليمهم أساليب جديدة للتواصل الفعليّ، عوضاً عن اقتصار هذا التواصل على الوسائل الالكترونيّة خلف الشاشات الصامتة.

هذا التواصل الحقيقي بين شباب تجديديّين، إذا أحسن تطويره والبناء عليه من قبل المنظّمات الدوليّة، وخصوصاً من قبل الأمم المتّحدة، أمكن التفاؤل أكثر بمستقبل الأرض والأجيال القادمة. وإلّا فالسلام لن يأتي بطريقة عاجلة ... ولا آجلة.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard