عقد على الجريمة الكاملة... جبران الصوت المدوي والقسم التاريخي لا قصاصة في ملفه !

12 كانون الأول 2015 | 00:00

لعلها المفارقة المفجعة اياها التي تلازمك منذ عقد تماماً ان تتقصى عن أي طارىء جديد، ولو مجرد تفصيل، في ملف اغتيال جبران تويني ولا تعثر عليه، فيما لا يعوزك أي ضنى في الاغراق في مزيد من ابراز صفحات من سيرة الرجل الضاج في غيابه اسوة وربما اكثر منه في حياته وحضوره. هذه المرة، هذه السنة، هذا الموعد، سيكون الوقع أشد ثقلاً لأن للسنوات العشر دوياً استثنائياً. الوقع الزمني في حالة الشهيد يكتسب مرارة اشد لأنه يضعك أمام أزمة ضمير كأنك تفاتش نفسك هل ثمة زاوية بعد لم تدخلها في ثنايا حياته ولم تقم باللازم الذي يحرضك على فلش كل ما كان عليه جبران. ثم ان الانحطاط العام في لبنان الذي لسنا الا جزءاً منه مهما تنصلنا من تبعاته ورفضناه وقاومناه باسم ما يمثل جبران وسائر الشهداء الذين سقطوا على دروب قضية تنازع الاحتضار، يثقل علينا اكثر مهما حاولنا إرضاء النفس بأننا "صمدنا" ولم ندع ذاك القاتل يكمل فصول جريمته الكاملة بالإجهاز على كل ما حفز إرهابه وإجرامه ودفعه الى تصفية جبران.
انها السنة العاشرة تحل ثقيلة مضنية حاملة كل الاسى والخشية بل والقلق الكبير من ان تكون سير الشهداء وفي مقدمهم جبران، صاحب القسم الذي تحول لهبة ثورة الأرز ورمز إنعتاق اللبنانيين من ربقة الوصاية وفتنة الانقسام، وحدها باقية على العهد فيما كل ما فينا وحولنا يتهددنا بالهبوط والتفكك والانهيار مهما حاولنا تجميلاً وتخفيفاً وتقليلاً من هذا الواقع.
لا يمكن تالياً في ذكرى مرور عقد على استشهاد جبران الا اعادة صياغة الوقائع والظروف التي واكبت اغتياله ما دام التحقيق القضائي اللبناني أعجز عن ايجاد فتات حقيقة مثبتة واحدة يجهر بها أمام رأي عام ومجتمع وناس في ملف الاغتيال، وما دامت دماء الشهيد وكل ما أفضى به الى جعله هدفاً لارهاب منظم أمانة في اعناق الذين قطعوا العهد والأمانة والقسم أيضاً على أنهم ساروا ويسيرون وسيسيرون مدى العمر على هدى ما استشهد من أجله جبران وشهداء القيم الذين سقطوا على دروبها قبله وبعده.
اذا صح الحديث عن جديد في ملف جبران في السنة الحالية فهو يتمثل في انكشاف الكثير من الوقائع والظروف والملابسات التي سبقت اغتياله وواكبته على ألسنة شهود بارزين أمام المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري. اكتسبت هذه الشهادات دلالات بالغة الأهمية من زاويتين اولاهما انها أعادت اثبات الإطار المترابط للظروف المتدرجة التي كان فيها جبران تويني قد صار احد الأسماء المتقدمة على "بنك الأهداف" في لائحة الاغتيالات التي ضربت حربها المنظمة الاجرامية صفوف رموز قوى ١٤ آذار حتى منذ ما قبل نشوء ثورة الأرز أي بالعودة الى حقبة الصراع الحاد الذي اشتعل عام ٢٠٠٤ في مسألة التمديد للرئيس أميل لحود. في العودة السريعة الى شهادات هؤلاء الشهود تتكرر نمطياً، بما يعني هنا ان الوقائع جاءت متطابقة تماماً، وقائع الاجتماع الشهير الشديد الاحتقان والتوتر بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس رفيق الحريري والذي أثار فيه الأسد موضوع شراكة الحريري في ملكية أسهم في "النهار" الأمر الذي دفع بالرئيس الحريري بعد عودته ليلا الى بيروت في اليوم نفسه الى الاجتماع بجبران وإبلاغه انه قرر بيع أسهمه في "النهار" تحت وطأة الكلام العاصف الذي سمعه من الأسد. في مطلع خريف ٢٠٠٤ نجا مروان حمادة من الاغتيال، فكانت الرسالة متعددة الهدف لان الرجل يحمل بحيثياته الشخصية والسياسية عناصر تركيبة ثمينة للغاية، وكانت "النهار" التي كان يحمل بطاقتها في عنقه وتضرجت بدمائه على ما أبرزته "النهار" في صفحتها الأولى غداة محاولة الاغتيال، أحد العناوين الكبيرة الاساسية للجريمة. ثم كان الزلزال في اغتيال الرئيس الحريري وانفجرت ثورة الأرز وكان يوم ١٤ آذار ٢٠٠٥ وما تلاه من تاريخ جديد كتب في لبنان.
في حزيران كانت الرسالة الدموية التالية الى "النهار" باغتيال سمير قصير. في الاسبوع الأول من آب ٢٠٠٥ تبلغ جبران بالواسطة أولاً الانذار الصريح من لجنة التحقيق الدولية بان حياته مهددة. وبدأ رحلة الذهاب والإياب بين باريس وبيروت وسط إجراءات ذاتية صرف ما كانت تنصرم معها فترة أيام أو أسابيع قليلة من اقامته السريعة في باريس حتى يحزم حقائب العودة الى بيت مري ويبكر كعادته في الحضور الى "النهار". اندفع بقوة جارفة اكثر من اي وقت سابق في تحدي الخطر على تعاظمه وهو القائل قبل دقائق من اعلان قسمه أمام الحشد المليوني في ١٤ آذار انه متيقن من "أنهم سيقتلوني في يوم". ليس ثمة ما يثبت تماماً ان اختيار الموعد القاتل كان متعمداً لتزامنه مع اصدار رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس تقريره الاول في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكن المفارقة المذهلة جاءت لتحدث هذا التزامن. كان جبران قد عاد من باريس مساء الاحد ١١ كانون الاول ٢٠٠٥ عقب حضوره احتفالاً مهيباً في الخارجية الفرنسية قلد فيه والده عملاق الصحافة والديبلوماسية غسان تويني وساما فرنسيا رفيعا. عبثا حاول عميد "النهار" يومذاك اقناع جبران بالبقاء في العاصمة الفرنسية حتى من طريق "اغرائه" بالشوكولا! أليس عظيما ومؤثراً ان يكشف غسان تويني بنفسه هذا لاحقاً كأنه يدغدغ بكره ابن الـ ٤٨ عاماً بما يرضي الطفولة فيه. أخذ جبران "لوح الشوكولا" وقبل جبين والده القبلة الأخيرة وقفل متجها الى مطار شارل ديغول عائداً الى بيروت. وصل في رحلة السابعة مساء أو ما يزيد قليلاً وتوجه فوراً الى بيت مري. في تلك الأمسية الاخيرة أجرى جبران اتصالات هاتفية عديدة من بينها نحو خمس مكالمات تقريباً مع كاتب هذه السطور. كانت المرة الأخيرة التي سمعت فيها صوته خمس مرات متعاقبة وهو الذي لم يسافر مرة الى أي مكان في العالم إلا ويظل صوته رفيقي الذي لا يغيب ولا يمل من الاتصال في أي لحظة لمتابعة أي تفصيل أو خبر أو للالحاح في جمع المعلومات الصحافية عن حدث أو خبر أو حتى لابراز ما يراه مهماً وبارزاً في المانشيت مع اسباغ لمساته عليها. في اليوم التالي، كان ١٢ كانون الأول تاريخ اغتيال جبران بعد دقائق قليلة من الساعة التاسعة صباحاً. اغتالوه على الطريق الداخلية المؤدية الى المكلس والتي كان سلكها متفادياً الطريق العام نحو وسط بيروت. ليس في التحقيق بعد سوى مواصفات سيارة رينو رابيد محملة بالحشوة المتفجرة التي ركنت على مفترق وفجرت "من بعد" فقذفت السيارة التي كان فيها جبران ورفيقيه الى الوادي المقابل.
عشر سنوات ولا قصاصة بعد في ملف جبران، صاحب "الصوت والقسم".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard