الصحافة والطريق الطويل: قدرٌ نسلكه بشغف

11 كانون الأول 2015 | 21:35

المصدر: "النهار"

عالم الصحافة، أو السلطة الرابعة كما تسمّى، هذا المجال الواسع الذي جذب عدداً كبيراً منا فيما تاه آخرون في دوّامته. هو العين الساهرة التي من المفترض أن تراقب، تلحظ، تستبق ومن ثم تنقل ما يشغل الناس ويساعدهم على التقدم. قد يراه كثيرون على أنه السلطة المطلقة ولكنهم لا يعلمون أن ثمة قيوداً عدّة في عالمنا اليوم لا تزال تحدّ من حريّته.

 

منذ اليوم الأوّل وحتّى السنة الثالثة (حاليًا) لتجربتي كطالبة في قسم الإعلام في جامعة سيّدة اللويزة، وأنا أُجابه بردّات فعل سلبيّة لاختياري هذا الاختصاص. "هي مهنة المتاعب" التعليق الأكثر ترددًا. صراحةً لم أفهم يومًا السبب، جُلّ ما أعرفه نصائح قُدمت لي قبيل كتابتي مقالي الأول خارج إطار الجامعة: "ممنوع تجيبي سيرة هيدي الطايفة، بكرا بقوموا علينا، كَفّي بس بلا ما تذكري الدين ولا المناطق ولا الأشخاص ولا...". استذكرت هذه الملاحظات خلال كتابتي هذا المقال أيضًا. شخصيًا حزنت وتلكأت في كتابة 600 كلمة في ذكرى من قدّم حياته في سبيل حريّة الكلمة كما الفكر: جبران تويني. راجعت دستورنا الحبيب، إن كان من يتذكره، حيث تنصّ المادّة 13 منه على: "حريّة إبداء الرأي قولًا وكتابة وحريّة الطباعة وحريّة الاجتماع وحريّة تأليف الجمعيّات كلّها مكفولة ضمن دائرة القانون". وحزنت مجدداً لأني لمست النصّ فيما التطبيق شيء آخر، وأدركت أن المصلحة الشخصيّة أقوى من سلطة الشعب والكلمة بحسب نصّ الدستور.


كانت هذه اللحظة نقطة تحوّل في حياتي الصحافية. انا التي اخترت الصحافة لتغييرِ حياة الناس، اكتشفت أن الصحافة هي التي تحتاج إلى تغيير. فحملت حينها أفكاري ورحت أستنجد بأسماء أعلام لم ترضخ لواقع هذه المهنة الذليل. كان من بين هذه الأسماء، حفيد "الأحرار المصوّرة" وابن "النهار"، شهيد حريّة الصحافة، جبران تويني. لم أعرف الكثير عن جبران، لم يكن لي حظ مواكبته مثل آخرين عرفوه وتمكنوا من العمل معه في "نهار الشباب"، كلّ ما أعرفه هو أنه استشهد من أجل الحريّة وأن دويّ قسمه لا يزال في آذاننا نحن هواة الكتابة والباحثين عن المصلحة العامة والدافعين إليها، أيّ الصحافة الحقيقية.

ولد تويني عام 1957 ولكن ظهر اسمه في صفحة "النهار" الرئيسية لأول مرّة عام 1966 او 1967 حين كان عمره لا يتجاوز العشر سنوات، إذ إنه التقط صورة حادث وقع على طريق الجبل وشاء ان ينشرها في الجريدة، مع العلم أن هذا لم يكن سبب حبّه للصحافة بل شغفه بالحريّة . دافع عن الحرية وكان معروفًا بجرأته بين الحكاّم، وذاع صيته لذلك في الغرب أيضًا.
يروي صديقه تيموثي بالدنغ، أنهما حين كانا إلى مائدة جنرال الجيش الشعبي للتحرير في الصين، وبعد انتهاء الأخير من كلامه، لم يخفِ جبران رأيه بفلسفته التي نعتها بالتافهة، بصوت علا صداه الغرفة.


وكانت صراحته وفصاحته باديتين في المقابلات التلفزيونية أيضًا، بحسب صديقه برانت ساندلر، مدير شبكة السي.أن.أن CNN في لبنان، حين أخبر انه لم يخفْ يومًا من الموت بل لطالما ردّد: "كيفما يكون قدري، سأمشي فيه من دون أسف".
أعلم أن أرواح الشهداء لن تذهب سدى، على رغم كل شيء وكل ما حصل، مع علمي أن للصحافة رفيقي درب ومن دونهما لن تكتمل، وأعني الحريّة والديموقراطيّة. هذه هي الدرب التي شئنا أن نسلكها وهي محفوفة بالأخطار، لكننا سائرون يحضّنا أشخاص كجبران وسمير قصير استشهدا ليضيئا نور الكلمة الحق، وهنا يحضرنا قول الشاعر ناظم حكمت: "إذا لم تحترق أنت. وإن لم أحترق أنا. فمن سيضيء الطريق؟".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard