هذا بعض ما سترونه إذا فشل مؤتمر باريس للمناخ

30 تشرين الثاني 2015 | 22:01

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

خلال القرنين الماضيين، وبعدما استلم البشر الكوكب الأزرق بكلّ حسناته وثرواته، لم يفكّروا في توريثه الى الأجيال القادمة بنفس الحالة التي ورثوه هم فيها، فكانت الثورة الصناعيّة نقطة انطلاق خراب الأرض مناخيّاً وبيئيّاً.

فبعد تلك الثورة، عمد الإنسان بشكل مكثّف الى جعل الوقود الأحفوري مصدر الطاقة الأوّل في الصناعة. وبات معلوماً أنّ حرق هذا الوقود ينتج غازات الدفيئة ومن بينها ثاني أوكسيد الكربون والميثان. ويعمل هذا الغاز في الغلاف الجوّي بشكل يشبه ما تفعله الخيم البلاستيكيّة والبيوت الزجاجية، من حبس لحرارة الشمس داخلها، ممّا يؤدّي الى احترار الأرض بشكل مطّرد.

ودخلت عمليّة ارتفاع درجات حرارة الأرض مدار التجاذبات السياسيّة المدفوعة بتكديس الثروات على حساب الاهتمام بالبيئة والتوازن الطبيعي. فاعتبر كثيرون الاحتباس الحراري ناتجاً عن عمليّات مناخيّة دوريّة يمرّ بها كوكب الأرض كلّ فترة زمنيّة معيّنة مستندين الى سجلّات سابقة تشير الى تكرّر هذه الحالة على مدى ملايين السنوات الماضية.

ومع أنّ هذا الادّعاء يحمل جانباً من الحقيقة، إلّا أنّه يسقط من الحساب أنّ تغيّر معدّل حرارة سطح الأرض يستغرق عشرات الى مئات آلاف السنوات بين العصور الدافئة والعصور الجليديّة. أمّا ارتفاع الحرارة منذ حوالي مئتي سنة فقط وبنسبة تقارب درجتين مئويّتين فيطرح علامات استفهام جدّيّة على مدى تشكيل هذه الظاهرة "حدثاً طبيعيّاً". ومن جهة أخرى، لم تكن الفروقات في المعدّلات الحراريّة ناتجة عن تدخّل الانسان، إلّا أنّها كانت بفعل عوامل طبيعيّة محضة، كتغيّر مدار الأرض حول الشمس، ثوران براكين عملاقة، نشاط البقع الشمسيّة، حركة الصفائح التكتونيّة ...

 

وكانت الخلافات السياسيّة كبيرة في هذا المجال ولأكثر من سبب. فالولايات المتّحدة، الدولة الثانية في إطلاق غازات الدفيئة، يتنافس على قيادتها الحزب الجمهوري الذي يميل الى التقليل من أهمّية الاحتباس الحراري بشكل كبير، والحزب الديموقراطي الذي يولي تلك المسألة اهتماماً ملحوظاً. هذا بشكل عام. وتبرز مشكلة الأميركيّين مع #الصين الملوّثة الكبرى للغلاف الجوّي التي لم تكن تلتزم سابقاً بتخفيض انبعاثاتها الصناعيّة على حدّ تعبير مسؤولين كثر في الولايات المتحدة. بالاضافة الى ذلك، إنّ دولاً صناعيّة أخرى لا تلتزم بالكثير في هذا المجال، ومن بينها الهند التي تشكّل رابع الدول من حيث انبعاث غازات الدفيئة بعد الصين وأميركا والاتحاد الاوروبي تباعاً. لذلك لم تخرج قمم المناخ السابقة بنتائج إيجابيّة. فهل يتغيّر الحال في قمّة باريس؟

اليوم الاثنين افتتح المؤتمر الدولي حول المناخ وحضره 150 رئيس دولة وحكومة. وبحسب وكالة الصحافة الفرنسيّة "أ.ف.ب" إنّ الرئيس الأميركي #باراك_أوباما دعا الدول كي "تتحمّل مسؤوليّة التحرّك" بعد لقائه الرئيس الصينيّ #شي_جين_بينغ. أمّا الأمين العام للأمم المتّحدة #بان_كي_مون فشدّد على أهمّيّة أن يعطي قادة الدول "تعليمات الى الوزراء والمفاوضين للعمل من أجل التوصّل الى تسوية"، تفادياً لفشل المؤتمر على غرار ما حصل في كوبنهاغن عام 2009". وقالت الوكالة أنّ العالم شهد حوالي 2000 مسيرة داعمة ل"اتفاق قويّ حول المناخ" نهاية الاسبوع الماضي، وذلك قبل انعقاد المؤتمر الذي يشارك فيه 10000 مندوب ومراقب وصحافي ليكون بذلك "أكبر مؤتمر للأمم المتّحدة حول المناخ وأكبر تجمّع ديبلوماسي في تاريخ #فرنسا".

ونقلت عن الأمير تشارلز قوله:"عبر تغيير المناخ نكون نحن من رسم دمارنا بأنفسنا". وأشارت الى أنّ المفاوضات ستكون صعبة بسبب "الخطوط الحمر" التي تضعها الدول المشاركة والتي لا تريد تجاوزها في ما يخصّ تخفيض الانبعاثات.

"مجلس العلاقات الخارجيّة" يتوقّع أن ينتج #مؤتمر_باريس_للمناخ "اتفاقاً قويّاً" بشأن خطوات لاحقة لمكافحة التغيّر المناخي، "على عكس المؤتمر المخيّب في كوبنهاغن سنة 2009". ومع ذلك يرى أنّ هناك مطبّات كثيرة ستواجه المؤتمر. فالكوكب في طريقه الى الاحترار بأكثر من درجتين مئويّتين، العتبة التي يعتبرها معظم العلماء "آمنة" الى حدّ ما. الأمر يتوقّف أوّلاً على التزام الدول بتخفيض انبعاثاتها الكربونيّة بالدرجة الاولى، علماً أنّ مقدار التخفيض نفسه إشكالي وتشمله "الخطوط الحمر" التي وضعتها الدول. من جهة أخرى يتحدّث الموقع عن تمويل الخطط التي تهدف الى الحدّ من الخسائر الناجمة عن التغيّر المناخي أو التي تهدف الى التكيّف معه.

أنشأت الدول لهذه الغاية صندوق المناخ الأخضر الذي بدأ العمل به منذ ثلاثة أسابيع تقريباً، حيث صدّق على ثمانية مشاريع بقيمة 168 مليون دولار. لكنّ التمويل "ما زال بعيداً جدّاً عمّا وعدت به الدول". 16 مليار دولار هي إجمالي المبالغ التي تحوّلت الى الصندوق من بينها 10 مليارات كتعهّدات، في حين أنّ الدول كانت وعدت بوصول التمويل الى 100 مليار دولار سنة 2020. وينقل الموقع أنّ أهمّ الاستثمارات في هذا المجال أتت من القطاع الخاص، ذاكراً في الوقت نفسه أنّ الاستثمار في مجال اقتصاد الكربون المخفّف يفوق بكثير الاستثمار في مجال التأقلم مع التغيّر المناخي.

وفي هذا السياق، لا تتوقّف سلبيّات الاحتباس الحراري على جعل فصول الشتاء أكثر دفئاً وفصول الصيف أكثر حرّاً. ويبدأ هذا التأثير في خلق مناخ أكثر تطرّفاً فالسواحل التي تشهد أعاصير بمعدّل معيّن ستعتاد على التعرّض لمزيد من هذه الأعاصير كمّاً ونوعاً(من حيث شدّة الرياح وغزارة الامطار المرافقة لها). وستتّسع مع الوقت رقع الصحارى حول العالم لتطال مناطق جديدة. ويتوقّع أن يستمرّ الغطاء الجليدي في القطبين بالانحسار الشديد، فيما ستشهد مناطق عدّة جفافاً قاسياً تعقبه أمطار ديميّة عنيفة تؤدّي الى فيضانات جارفة وأضرار بالمزروعات وانزلاقات طينيّة تهدّد قرى بكاملها.

أمّا بالنسبة الى موجات الحرّ التي ستضرب دولاً مختلفة حول العالم، فإنّ الموجة التي ضربت أوروبّا سنة 2003 مثلاً والتي كانت الأقوى منذ سنة 1540 على الأقل بحسب منظّمة الأرصاد الجويّة العالميّة، والتي أودت بحياة حوالي 70000 أوروبّي، فستعدّ نسخة مصغّرة عمّا سيعاني منه سكّان الكوكب في السنوات والعقود المقبلة اذا استمرّ التدهور على ما هو عليه. ونظراً لتغيّر الأقاليم المناخيّة، فإنّ زراعات عديدة ستتقلّص أو ستتّجه شمالاً منها زراعة الزيتون في الدول المتوسّطيّة. وستتراجع المساحات الخضراء بفعل الانزلاقات في التربة والأمطار الحمضيّة والحرائق الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة، ما يعني إطلاق حلقة مفرغة من التلوّث والتلوّث المضاعف. بالاضافة الى تدمير الشعاب المرجانيّة والحياة البرّيّة والبحريّة قاضية بذلك على جزء كبير من السلسلة الرئيسيّة التي يتشكّل منها النظام البيئيّ الى جانب ضرب قطاعات اقتصاديّة متعدّدة.

 

وسيساهم ذوبان جليد القطبين في ارتفاع منسوب البحار والمحيطات، الأمر الذي سيهدّد ملايين السكّان حول العالم الذين يقطنون في جزر صغيرة أو بالقرب من السواحل. وفي هذا الاطار، يترقّب العالم أزمة "لاجئي مناخ" في المستقبل القريب، بدأت مؤشّراتها فعلاً بالظهور اليوم. ويورد "مجلس العلاقات الخارجيّة" مثلاً يرتبط بسكن مئة مليون شخص اليوم في مناطق ترتفع فقط متراً واحداً فوق سطح البحر وأقل. وأورد خبراً يتعلّق بالسلطات الرسميّة في جزر المالديف وكيريباتي والتي تحاول إجلاء السكّان الى مناطق أعلى. وعلى امتداد المحيط الهادئ لا تبدو الأحوال أفضل. فارتفاع مستوى مياه المحيط يتوقّع له أن يدفع كثيرين الى النزوح عن مناطقهم. وتقدّر الاعداد بين 665000 و1.7 مليون متضرّر ولاجئ بحدود العام 2050.

هذا المؤتمر سيشكّل جزءاً واحداً من التصوّر الأكبر الذي تتطلّبه مكافحة الاحتباس الحراري. والأجواء بشكل عام تميل الى بعض الإيجابيّة بالنسبة لما يتوقّع أن يصدر عن المجتمعين في تلك القمّة. لكن يبقى مبكراً إصدار أحكام في هذا الشأن خصوصاً أنّ المفاوضات ستستمرّ حوالي أسبوعين.

ونقلت هيئة الاذاعة البريطانيّة "بي بي سي" أنّ نصّ الاتفاق "يبلغ أكثر من 50 صفحة مكثّفة، مليئة بعلامات خطّيّة تدلّ على الخلاف". وأضافت أنّ هناك أملاً "في التوصّل الى مسوّدة اتفاق جديد، مع نهاية الاسبوع، تكون جاهزة للعرض على وزراء البيئة لبحثها خلال الجزء الثاني من المؤتمر". ومن بين المسائل الخلافيّة قضيّة "التمييز" بين الدول على مستوى "متقدّم أو في طور النموّ" للمساهمة في تحمّل عبء تخفيض الكربون، وهذا ما ترفضه الولايات المتّحدة والدول الغنيّة الكبرى.

ومن هذه النافذة حاولت الهند مراراً التحدّث عن "العدالة المناخيّة" إذ على حدّ تعبيرها، تعتبر هذه العدالة غائبة عندما تكون الانبعاثات في الدول المتقدّمة نسبة الى نصيب الفرد منها، تتراوح بين 7 و 15 طنّاً في حين أنّها في #الهند بلغت حوالي طنّ ونصف سنة 2010.

لكن لا يمكن للهند أن تسبح كثيراً ضدّ تيّار الاتفاق الدولي المرتقب لأنّها من أوائل متضرّري التغيّر المناخي: حرارة قاربت الخمسين درجة مئويّة هذا الربيع جعلت إسفلت طرقاتها يذوب، مخلّفة 2500 قتيل في مختلف أرجاء البلاد، مثل بسيط ومحصور.

كان الإرهاب موضوعاً متقدّماً في افتتاح مؤتمر باريس للمناخ، خصوصاً بعد الاعتداءات التي طالت دولاً عدّة حول العالم، على رأسها الدولة المضيفة. لكن للتغيّر المناخي "إرهابه" الخاص أيضاً، فهو كلّف وسيكلّف البشريّة ملايين القتلى والمشرّدين ومليارات الدولارات من الخسائر الاقتصاديّة. ويبدو أنّ "للإرهاب المناخي" أسبابه الخاصّة لكن المعروفة لدى الجميع. ويبقى انتظار ختام أعمال المؤتمر لمعرفة مدى جدّيّة الدول في وضع استراتيجيّة بنّاءة لمكافحة إرهاب سيقضي على الأخضر واليابس ... هذا إذا ترك الانسان أصلاً أيّ أخضر أو يابس.

أفليس هو أصل الإرهابَين؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard