النفايات من كارثة إلى أخرى

27 تشرين الثاني 2015 | 14:09

المصدر: "النهار"

الصورة عن صفحة "الدفاع المدني" في "تويتر" وتظهر أعمال اطفاء حرائق النفايات.

من المؤسف أن يتحوّل لبنان، الذي طالما تباهى أبناؤه بتصدير الفكر إلى العالم، مصدّراً للنفايات. مجرّد طرح الفكرة وصمة عار على الذين أخفقوا عبر السنين في إدارة هذا الملف، وخصوصاً الذين وضعوا مواعيد محددة لإقفال مطمر الناعمة من دون أن يخبروا الناس، خلال سنتين، أنهم عجزوا عن إيجاد حل بديل.
هلّل اللبنانيون حين أقر مجلس النواب قبل أسبوعين قوانين مالية اعتبروا أنها أنقذت البلد من الوقوع تحت طائلة المقاطعة والعقوبات الدولية. وإذا كان للوضع المالي مصرف مركزي يسهر على رعايته، يبدو أن الوضع البيئي متروك لمصيره. فالنفايات غير المفرزة تصنَّف نفايات كيميائية خطرة، ويكفي وجود بطارية أو مصباح فيهما بعض الزئبق لتعتبر كذلك. ونقل النفايات الخطرة عبر الحدود عملية مكلفة جداً تحكمها قوانين ومعاهدات، وتتطلب أذونات مسبقة. عادة تصدّر كميات محدودة من النفايات الخطرة، من بلدان لا تمتلك تجهيزات ملائمة لمعالجتها إلى بلدان تقبل استقبالها وتستطيع أن تثبت لهيئات الرقابة الدولية أن لديها المعدات اللازمة للمعالجة السليمة. أما تصدير ثلاثة آلاف طن من النفايات البلدية والمنزلية والصناعية يومياً، أي أكثر من مليون طن في السنة، فهو فعلة شنيعة غير مسبوقة.


الوسطاء، من المسترزقين والمرتزقة، يتسابقون اليوم لتقديم عروض تصدير النفايات إلى بلدان سائبة لا تخضع لقوانين دولية. وهذا يضع لبنان في خانة الدول المارقة، ويعرّضه لعقوبات لا تقل عن تلك التي حاول تجنبها في القطاع المالي والمصرفي. فهل يدرك ذلك الذين يروّجون لهذا الخيارحلاً؟
بعض الذين يدعمون خيار التصدير يطرحون فرز النفايات قبل تصديرها لسحب المواد الخطرة منها. لكن أمام هذا عقبات، فالفرز الصحيح يكون في المصدر، ويتطلب فترة لتعويد الناس عليه، كما يتطلب ترتيبات لجمع المكوّنات الخطرة، مثل البطاريات وفضلات مواد التنظيف وعبوات الطابعات الفارغة والأدوية وغيرها. وإذا سلّمنا جدلاً بأنه يمكن إنجاز هذه الترتيبات وفرز النفايات قبل تصديرها، فلماذا التصدير بعد الفرز، حين تصبح معالجة النفايات محلياً سهلة وسليمة وبلا مخاطر؟


والأدهى بدء بعض البلديات بإقامة محارق صغيرة للنفايات، هي أشبه بمواقد، لأن المحارق ذات المواصفات الحديثة التي تحدّ من الانبعاثات تتطلب تجهيزات متطورة وكبيرة الحجم، مخصصة لاستيعاب كميات ضخمة من نفايات المدن. وهذه لا تقام في كل قرية، إذ تعرّض هواءها للتلوث. قبل خيار المحارق، هناك حلول أسهل وأنظف وأرخص للمناطق الريفية، خصوصاً حين تتعاون بلدياتها في إطار اتحادات.
كيف دخل البلد في هذا النفق المسدود، وتحوّل مكبّاً كبيراً للنفايات؟
في غياب خطة وطنية للنفايات، افتُتح مطمر الناعمة عام 1998 كحل موقت لبيروت وضواحيها وقسم من جبل لبنان، مع مركز فرز ومعالجة للنفايات العضوية في الكرنتينا. كانت الفكرة إقامة مراكز فرز ومعالجة في جميع المناطق، ضمن خطة وطنية لإدارة النفايات يتم وضعها وتطبيقها. لكن هذا لم يحصل، وظلت المعالجات محصورة بخطط طوارئ، فيما بقي مركز الكرنتينا للفرز وتسبيخ النفايات العضوية لإنتاج "كومبوست" ومطمر الناعمة وحيدين في نطاق عملهما. ولم يتم توسيع قدرة معالجة النفايات العضوية بالتسبيخ ولا البحث عن بدائل لمطمر الناعمة منذ عام 1998.
في شباط 2014 وعدت الحكومة، تحت ضغط الأهالي، بإقفال مطمر الناعمة في تاريخ أقصاه كانون الثاني 2015. في التاريخ الموعود، ولما لم تكن حصلت أي استعدادات لايجاد بدائل، حدّد وزير البيئة يوم 17 تموز 2015 تاريخاً نهائياً لإقفال المطمر. في اليوم المحدد، اكتشف الأهالي أن لا خطة ولا بديل، فأغلقوا الطرق إلى المطمر وبدأت موجة الاحتجاجات. تحت ضغط الشارع وجبال النفايات المتراكمة، دعت وزارة البيئة المتعهدين على عجل إلى مناقصة لإدارة النفايات، مقسّمة لبنان إلى مناطق، وتاركة للمتعهد اختيار طريقة العمل ومواقع مراكز المعالجة.
على روائح النفايات، تم فض العروض في 24 آب، ثم أعلن الوزير عن الشركات الفائزة في المناطق المختلفة، واصفاً المناقصة بأنها الأكثر احترافية وشفافية في تاريخ لبنان. وما لبث أن أعلن في اليوم التالي أنه طلب إلغاء المناقصة لعيوب شابتها، وذلك بلا تفسير أو اعتذار.
من دون الدخول في التفاصيل، نسأل الذين حددوا 17 تموز موعداً نهائياً لإقفال مطمر الناعمة: حتى لو سارت أمور المناقصات على أفضل وجه، ما هي الخطة التي كانوا سيعتمدونها للفترة الفاصلة بين إقفال المطمر وإيجاد المتعهدين الجدد لحلول ومواقع بديلة؟ وما هي التحضيرات التي قام بها المسؤولون في الفترة التي سبقت تاريخ الإقفال الموعود؟ ولماذا لم يصارح الناس بواقع الحال قبل أن تغمرهم النفايات؟
صحيح أن هناك مصالح مختلطة بالسياسة تعرقل الكثير من البرامج، بما فيها ما يتعلق بإدارة النفايات. لكن الصحيح أيضاً أن هناك وجوهاً عدة من التقصير في مجالات لا علاقة للخلافات السياسية بها.
فأيٌّ من الأحزاب عارض، مثلاً، منع القناني البلاستيكية، المستخدمة حالياً للمشروبات الغازية والمياه والحليب، بأخرى زجاجية أو من أنواع بلاستيك يمكن إعادة استعمالها، بعد فرض سعر على العبوات الفارغة يسترده الزبون بعد إعادتها إلى السوبرماركت؟ وأي فريق سياسي عارض برنامجاً لمنع توزيع أكياس النايلون مجاناً في السوبرماركت وفرض سعر عليها، لدفع الناس إلى الاستعاضة عنها بحقيبة تبضُّع؟ كان من شأن هذين التدبيرين فقط تخفيف عبء معالجة النفايات بنحو 20 في المئة.


وحين تم اقتراح إرسال نفايات بيروت مسافة مئة كيلومتر لطمرها في عكار أو البقاع، وبصرف النظر عن مدى ملاءمة المواقع، هل أخذت اللجان في الاعتبار المبدأ الأساسي في إدارة النفايات، الذي يمنع نقلها للطمر مسافة تزيد عن 30 كيلومتراً من موقع إنتاجها؟
يبدو أن ما نواجهه ليس خطة سيئة، بل انعدام أي خطة من الأساس، بخلافات سياسية أو من دونها.
آن الأوان للخروج من النفق المسدود الذي تم وضع البلد داخله، والبحث عن حلول بديلة تلائم ظروف لبنان، وهي متوافرة. فالمطامر والمحارق وغيرها قد تكون جزءاً من الحل، وفق الوضع الخاص بكل منطقة. لكن الإدارة المتكاملة للنفايات تتطلب، قبل الوصول الى هذه الخيارات، تخفيف الكمية والفرز في المصدر. فالأنماط الاستهلاكية غير الملائمة هي أساس المشكلة، وأي حل قابل للاستمرار يستدعي تغييراً جذرياً في طريقة استهلاكنا للموارد وإنتاجنا للنفايات. لكن الواقع أنه لا يمكن استرجاع 22 شهراً أُضيعت منذ وُعد الناس في شباط 2014 بإقفال مطمر الناعمة.


فلنصارح الناس: الحل الوحيد المتاح حالياً هو تمديد استخدام مطمر الناعمة لأقصر فترة يتطلبها تحضير بدائل، وهي شهور وليست أياماً. ولكن على نحو جدي هذه المرّة، مع خطة زمنية يحاسَب عليها. فعلى الرغم من جميع المحدوديات، لا يزال مطمر الناعمة الموقع الوحيد المهيّأ اليوم.
المطلوب وقفة شجاعة تمنع صائدي العمولات من رهن البلد لسنوات طويلة في معالجات سيئة تنقله من كارثة إلى أخرى، بكلفة أعلى، تحت ضغط جبال النفايات. فمن الأفضل استخدام مبالغ العمولات، التي يسعى إليها وسطاء تصدير النفايات، من أجل تنمية القرى المحيطة بمطمر الناعمة، وتنفيذ برنامج عملي لإدارة متكاملة للنفايات خلال 12 إلى 18 شهراً. لكن هل نتوقع أن يقبل الناس وعوداً جديدة من المجموعات نفسها التي خذلتهم على مرّ السنين؟
من يوقف هذا الجنون؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard