ما أتوقعه من مؤتمر تغيّر المناخ في باريس

25 تشرين الثاني 2015 | 14:29

المصدر: "النهار"

خلال فترة ولايتي أميناً عاماً، التي ناهزت تسع سنين، سافرت في أرجاء العالم إلى الخطوط الأمامية لتغير المناخ، وتحدثت مراراً مع قادة العالم ورجال الأعمال والمواطنين عن ضرورة التصدي العاجل لتغير المناخ على الصعيد العالمي.
لماذا أهتم كثيراً جداً بهذه المسألة؟


أولا، شأني في ذلك شأن كل جدٍّ، أود أن يستمتع أحفادي بجمال كوكب معافى وبثرواته. وشأني شأن كل إنسان، يحزنني أن أرى الفيضانات والجفاف والحرائق تزداد سوءاً، وأن دولاً جزرية ستختفي، وأن أنواعاً لا تحصى من الكائنات ستنقرض.
وكما ذكّرنا قداسة البابا فرنسيس وغيره من الزعماء الدينيين، تقع على عاتقنا مسؤولية أخلاقية تقتضي أن نعمل للتضامن مع الفقراء والفئات الأكثر ضعفا، الذين كانوا هم الأقل إسهاما في تغير المناخ وسيكونون أول من يعاني، أسوأ معاناة، لآثاره.


وثانيا، كرئيس للأمم المتحدة، أعطيت الأولوية لتغير المناخ، لأنه ليس في وسع أي بلد أن يتصدى لهذا التحدي وحده. وإن تغير المناخ لا يحمل جواز سفر؛ فالانبعاثات الناجمة عن أي مكان تسهم في المشكلة في كل مكان. وإنه خطر على الأرواح وسبل كسب العيش في كل مكان. ويتعرض الاستقرار الاقتصادي وأمن البلدان للتهديد. وليس في وسعنا أن نتصدى على نحو جماعي لهذه المسألة العالمية في جوهرها إلا من خلال الأمم المتحدة.
وقد كانت عملية التفاوض بطيئة ومعقدة، لكننا نرى أن ثمّة نتائج. فاستجابة لدعوة الأمم المتحدة، قدم الآن ما يزيد على 166 بلدا، تستأثر مجتمعة بنسبة تزيد على 90 في المئة من الانبعاثات، خططا مناخية وطنية ذات أهداف محددة. وإذا ما نُفِّذت هذه الخطط الوطنية بنجاح، فإنها ستقلل منحنى الانبعاثات إلى ارتفاع في درجة الحرارة على صعيد العالم بمستوى يُتوقّع أن يبلغ نحو ثلاث درجات مئوية بحلول نهاية القرن.


هذا تقدم كبير، لكنه لا يزال غير كاف. والتحدي الآن هو التحرك بسرعة أكبر من ذلك بكثير للحد من الانبعاثات، لكي نحافظ على ارتفاع درجة الحرارة عند مستوى يقل عن درجتين مئويتين. ويجب، في الوقت نفسه، دعم قدرة البلدان على التكيف مع العواقب التي لا مفر منها والماثلة أمامنا بالفعل.
وكلما أسرعنا في التصرف، زادت المنافع على الجميع: مزيد من الاستقرار والأمن؛ ونمو اقتصادي أقوى وأكثر استدامة؛ ومزيد من القدرات على مواجهة الصدمات؛ وهواء ومياه أكثر نظافة؛ وتحسين في الصحة.


ولن نحقّق ذلك بين عشية وضحاها، والمؤتمر المعني بتغير المناخ في باريس ليس نهاية المطاف، بل يجب أن يمثل عتبة لطموحنا، لا سقفه، ويجب أن يكون نقطة تحول نحو مستقبل يتسم بانخفاض الانبعاثات والقدرة على التكيف مع المناخ.
وفي كل أرجاء العالم، ثمة قوة دفع متنامية؛ حيث تعمل المدن والأعمال التجارية والمستثمرون والزعماء الدينيون والمواطنون على الحد من الانبعاثات وبناء القدرة على الصمود. وتقع المسؤولية الآن على عاتق الحكومات لكي توقع اتفاقاً مُجدياً وملزماً في باريس، ينص على قواعد واضحة للسير في طريق تعزيز الطموح العالمي. وتوخياً لهذه الغاية، يحتاج المفاوضون إلى توجيهات واضحة من القمة.


وأعتقد أن هذا الأمر آت، وقد أبدى قادة مجموعة العشرين، الذين اجتمعوا في وقت سابق من هذا الشهر في أنطاليا بتركيا، التزاماً قوياً للعمل المناخي. وأكد ما يزيد على 120 من رؤساء الدول والحكومات مشاركتهم في باريس، على رغم الشواغل الأمنية العالية عقب الهجمات الإرهابية.
وإني أرى أن هناك أربعة عناصر أساسية لنجاح مؤتمر باريس، هي: الاستمرارية والمرونة والتضامن والصدقية.


أولاً، الاستمرارية - يجب أن يقدم مؤتمر باريس رؤية طويلة الأجل بما يتفق والمسار الرامي إلى خفض المستوى إلى أقل من درجتين، وأن يرسل إشارة واضحة إلى الأسواق مفادها أن التحول المنخفض الكربون في الاقتصاد العالمي أمر لا مفر منه ومفيد ويجري تحقيقه بالفعل.
ثانياً، يجب أن يوفر الاتفاق المرونة اللازمة التي تحول دون الحاجة إلى إعادة التفاوض في شأنه باستمرار. ويجب أن يكون قادرا على استيعاب التغيرات في الاقتصاد العالمي وتحقيق التوازن بين الدور القيادي الذي تضطلع به البلدان المتقدمة النمو والمسؤوليات المتزايدة للبلدان النامية.


ثالثاً، يجب أن يشمل الاتفاق التضامن، بسبل منها توفير التمويل ونقل التكنولوجيا إلى البلدان النامية. ويجب أن تحافظ البلدان المتقدمة النمو على تعهدها توفير مبلغ 100 مليار دولار سنويا بحلول سنة 2020 من أجل جهود التكيف والتخفيف على حد سواء.
رابعاً، يجب أن يثبت الاتفاق صدقيته من حيث التصدي للآثار المناخية المتصاعدة. ويجب أن يشمل دورات منتظمة مدة كل منها خمس سنوات لكي تُقوّم الحكومات خططها الوطنية لمواجهة تغير المناخ وتعززها، بما يتسق ومتطلبات العلم. كما يجب أن يتضمن اتفاق باريس آليات قوية وشفافة لقياس التقدم المحرز ورصده والإبلاغ عنه.


وتقف الأمم المتحدة على أتم الاستعداد لدعم البلدان في تنفيذ اتفاق من هذا القبيل.
التوصّل إلى اتفاق مناخي مُجدٍ في باريس سيؤدي إلى بناء مستقبل أفضل، اليوم وغداً. وسوف يساعدنا على إنهاء الفقر، وتنظيف محيطاتنا وحمايتها، وتحسين الصحة العامة. وإيجاد فرص عمل جديدة وتحفيز الابتكارات الخضراء. وسيعجل في التقدم صوب تحقيق كل أهداف التنمية المستدامة. وهذا ما يجعلني اهتم بتغير المناخ اهتماماً عميقاً جداً.


ورسالتي إلى زعماء العالم واضحة: إن النجاح في باريس يعتمد عليكم. وقد حان الآن الوقت للمنطق السليم والتراضي والتوافق في الآراء. لقد حان الوقت للتطلع إلى ما وراء آفاقنا الوطنية وإلى وضع المصلحة المشتركة في الصدارة. إن سكان العالم - والأجيال المقبلة - يعتمدون عليكم لبلورة الرؤية والتحلي بالشجاعة اللازمتين لاغتنام هذه اللحظة التاريخية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard