"معزوفة الأوتار المزمومة" لإبراهيم الكوني: أنثروبولوجيا الطبيعة

23 تشرين الثاني 2015 | 19:04

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

هناك إيقاعان يتنازعان "معزوفة الأوتار المزمومة" للكاتب الليبي #إبراهيم_الكوني المنقول إلى عشرات اللغات والذي اختير أخيرا ضمن القائمة القصيرة لجائزة "مان بوكر الدولية" 2015. هذان النبضان كافيان للفّ النص في كُليّته بتَأمّل محموم يؤرق الكاتب، حين يتمهّل عند الطبيعة وتماسها مع الناس ونواميسهم وعند الأفكار ومفاعيلها، من دون أن يُهمل في هذا السياق المرور بالأدب وما يدور في فلكه.

والحال ان مؤلَّفَه الصادر حديثاً لدى "دار سؤال" يقع في قسمين، قسم أول يُقرض الكتاب إسمه وقسم ثان بعنوان "الفردوس السويسري"، وما يجمع بين الدَفّتين حال واحدة مُشبعة بالإحالات الثقافية والفلسفيّة واللغوية فيحلّ إشتقاق الأفكار وسيلة لمحاولة فهم العالم الذي قُدر لنا أن نكون من ضمن نزلائه. أما ما يفرق بين هاتين الدفتين - على مستوى الشكل في الأقل- فاقتصاد في التركيب في الفسحة الأولى أو "زمّ" إذا استلهمنا العنوان، في حين تترُكُ الفسحة الثانية مكانا لبوح أكثر رحابة ليتّخذ شكل النصوص النثرية المتمدّدة والمتكوّرة حول ذريعة جغرافية واحدة هي سويسرا "وطننا الحقيقي" ومرتفعاتها الألب "مسقط رأسنا البديل لمسقط رأسنا"، على ما نقرأ في خاتمة النصوص.

يستقدم الفرع الأول من المؤلّف مجموعة من الخواطر المقطوفة والمُنظّمة ضمن أربع نوافذ لا تسمح بالإسترسال سوى نادراً. رُتّبَت ثلاث نوافذ منها وفق التسلسل الرقمي في حين أضيف إلى هذا التسلسل، في النافذة الرابعة، ما يشبه الرأسيّة ترشدنا في كل مرّة إلى المسألة المطروحة، أكان الموضوع هو المعرفة أو السلطان أو الإيماء أو عبادة الأصنام أو الجمال.
في المُستهل ثمة استفهامٌ للحقيقة والميثولوجيا والهوى والحرية والوجع والنبوءة وغيرها يتكوّم تحت مسمّى "تجلّيات شاهد عيان" كأن نقرأ مثلاً أن "زيّ المرأة جسد إصطناعي، لحجب جسد طبيعي، لتسويق جسد محتجب". والحال ان المثال يأخذنا إلى فحوى نص الكوني الذي يذهب غالبا أبعد من طبقة القول الأولى يقشّرها ليبحث في الثانية وصولا إلى الثالثة وأبعد. فها هي فكرة الجسد ها هنا تخرج من ثنايّة مكرورة تتعلق بالباين والمحجوب إلى ثلاثيّة الإصطناعي/الطبيعي/المُحتجب أي عمليّا إلى المزيف/الحقيقي/المُتحايل، واستكمالاً إلى الموروث الإجتماعي الشديد الإرتباط بهذا التوزيع.
أما النافذة الثانية بعنوان "تجسيد لأنفاس النزع الأخير" فترصُد تجلّيات الطبيعة في تهاويها وتلحق بنبض العلامات المناخيّة محاولة تفسيرها بعين الطقوس الآدمية. كأن ثمة إرادة لإعلان ان الإنسان لا يزال كائنا طبيعيا. فها هنا "مسوح الحداد، بناموس الطبيعة، لونها أصفر!" و"إصفرار أوراق الأشجار- تجسيدٌ لأنفاس النزع الأخير!" وها هو الثلج "كفن الخريف، وشيب الشتاء"، وها هنا أيضا يبدو الإنسان الذي تطوّر في عالم ثقافي ميّال لجعل علاقته مع الطبيعة خاضعة لمقاربات ثقافية، وها هنا خصوصاً، لا يقدّم المرء نفسه كمختلف عن الطبيعة، وإنما كمنصهر بها.
في القسم الأول استدعاء للعهد والحكمة والمعرفة وما بينها من فروق صغيرة ولفتة صوب مزاوجة اللغة العربية بين الإبداع والأخلاق في كلمة "أدب"، تقود الكوني إلى التأكيد أن لا وجود لإبداع في غياب أخلاق وأن لا وجود لأخلاق في غياب إبداع. يتقرّب الكاتب أيضا من أندريه موروا وألبير كامو وإدغار آلان بو ومن التجربة الروائية التي خاض غمارها من طريق "عشب الليل" و"التبر" وسواها، ليعدّها مغامرة غيبيّة لأن "الواقع فيها حرف ينفي، والبعد المفقود فيها روحٌ تحيي". الرواية عنده تمرين تأليفي معتقل بين حالتَي إنسحاب.
يأتي القسم الثاني في هيئة نصوص نثريّة يجمعها إسم "الفردوس السويسري" وتتقدّم في سويسرا التي منحت الكوني "جائزة الدولة الإستثنائية الكبرى". في أرض الحياد السياسي يسرد الكوني حكاية صدام حضاري بين الجنوب والشمال، أي بين الراوي الآتي من "فراديس جنوبنا" وبين طبيعة ينعتها بـ "الباردة" و"الصارمة" و"المعادية" و"الطاردة". وفي حين يسود في القسم الأول من الكتاب منحى عموميا وحيث تبدو الطبيعة متراصّة وفي هيئة واحدة إزاء إنسان من نسق واحد، تغيّر عند هذا الحدّ جلدها لتتراءى طبيعة أخرى لاسيما في تعاملها مع الوافد إليها.
يحاول الراوي- الكوني ترويض الراين وبحيرة "تون" والشجر، فيستدرجه ذلك إلى الإستفهام حول الطبيعتين الشمالية من جهة والجنوبيّة من جهة ثانية. والحال ان الآتي إلى هذه الرقعة الجغرافية سيستغرب أطوارها على نسق مواطن الكوني الكاتب الطيّب صالح الذي بادره بالتعجّب من قدرته على مخاواة "الربع الكئيب". يُنقّب النص في الأمثولة التاريخية طمعاً في جواب مبرر، فيقصد هيرودوت زائر ليبيا في القرن الخامس قبل الميلاد والمُتحدّث عن الصحراء كنقطة تماس بين نقيضين، لم تلبث أن جعلت العداوة "قرانا قدسيا بناموس النقائض".
يجول الكوني في مخزون صوره السحيقة فيستخرج منه الشجر والصقور وغيرها ولا يلبث أن يمزج هذه الشذرات مع الذكريات والصور الحديثة، ليكتب في الزمن المستقطع بين الماضي المركون في علب الرؤوس والحاضر الواعي أن "البُعد دوما فردوس مفقود سواء أكان في الزمان أم في المكان والدليل أننا نضطهد الحاضر ولا نعترف في أحلامنا سوى بالماضي أو بالمستقبل".
في "معزوفة الأوتار المزمومة" ليس ثمة تشكيك في الواقع المحسوس، وليس ثمة فصل عقيم بين الإنسان ومحيطه، هناك امتلاك مادي ورمزي على السواء لما يوفّره النطاق البيولوجي.
"معزوفة الأوتار المزمومة" إصغاء متأنٍ للطبيعة وللمرء وكيف يصير أحدهما مرآة عاكسة للآخر.
في متناولنا، كتاب في أنثروبولوجيا الطبيعة.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard