هذه خريطة الاستقلال الجديدة... فهل من يجرؤ؟

20 تشرين الثاني 2015 | 15:21

المصدر: "النهار"

  • ف. ع.
  • المصدر: "النهار"

لا يظنّن أحد ان الوضع السياسي في العام 1943 الذي حدد مصير الجمهورية اللبنانية كان افضل حالاً من الوضع الراهن. فالانقسام السياسي آنذاك كان لا يقل حدة عما هو حاصل اليوم. والتدخل الاجنبي حينها كان متغلغلاً بين الأحزاب والقوى السياسية وصورة طبق الأصل عن التدخل الأجنبي الذي تتخبط به القوى السياسية الحالية وترزح تحت وطأة التزاماتها الخارجية التي تمنع السير بأي حل من دون أي ضوء أخضر خارجي. لكن في الماضي، ورغم الانقسام تمكنت القوى السياسية الاستقلالية من التوحد على صيغة مشتركة، اخرجت لبنان من الانتداب الفرنسي، وحتى الساعة لم تتمكن القوى السياسية الحالية من الاتفاق على مخرج لأزمتها السياسية. في وقت يعتبر البعض أن العودة الى الطائف هي الحل الأنجع للأزمة، لأنه يحمي التنوع الطائفي والفكري ويحافظ على وحدة المجتمع. فماذا بقيَ اليوم من استقلال 1943 ؟


الظاهرة الاستقلالية لم تنته
الاكيد أن الظاهرة الاستقلالية لم تختف من نفوس اللبنانيين على رغم الانقسامات الموجودة في بنية الدولة اللبنانية والفراغ الذي يشلّ مؤساساتها وإداراتها وفي طليعتها رئاسة الجمهورية. الكاتب والباحث في العلاقات الدولية والإقليمية د. رغيد الصلح لم يبلغ مرحلة اليأس من الوضع الراهن الا انه يستصعب تحرر القيادات السياسية الحالية من التزاماتها الخارجية لمصلحة الكل. وقال لـ"النهار" إن " الظاهرة الاستقلالية لم تختف وما زالت موجودة، وما يحصل اليوم على صعيد التدهور الذي تشهده البلاد على الصعد كلها، كان موجوداً ايام الاستقلال حيث كان التدخل الخارجي حاضراً في الحياة السياسية ويؤدي دوراً مؤثراً في انتخاب رئيس الجمهورية، كذلك كان يؤثر في الوضع الاقتصادي والاجتماعي".

 

الوضع في 1943... كان اسوأ
ورغم الانقسام الحاد الحاصل في 1943 وجدت القوى السياسية أرضية مشتركة بنت عليها الاستقلال، لكن اليوم الارضية المشتركة غير موجودة بعد او لم يُتفق عليها، ويعتبر البعض ان الخارج يضطلع بدور كبير في منع اي تسوية داخلية قبل التسويات الخارجية. ورأى الصلح انه "على رغم الالتزامات السياسية للاطراف اللبنانيين مع الخارج، يبقى هناك هامش تحرك يسمح للقوى الحاكمة بالتفاهم على الامور الداخلية كما حصل في 1943. ففي الماضي حتى القوى التي وجدت لالغاء الآخر كحال حزبي "الكتائب" و"النجادة"، وضعا خلافاتهما جانباً وتوحّدا لدرجة أن البعض شعر انهما اندمجا وباتا حزباً واحداً، ونشهد اليوم شيئاً مماثلاً كالحوار الحاصل بين "المستقبل" و"حزب الله"، فهذا مثل يمكن البناء عليه وتطويره".


القيادات الحالية تخاف المغامرة
في العام 1943 تمكن السياسيون من الاتفاق على استقلال لبنان الذي ساهم في تأسيس الجامعة العربية وتأسيس الامم المتحدة، لكن ما يمنع اليوم بلد الارز من استعادة استقلاله الداخلي ودوره على صعيد الدولي.
لا يستبعد الصلح اعادة احياء الاستقلال مجددا، كما فعل القادة السياسيون آنذاك، الا انه اعتبر ان " القيادات السياسية غامرت في العام 1943 وكانت الخسارة واردة ومحتملة وملموسة، خصوصاً بعد اعتقال الحكومة والوزراء ورئيس الجمهورية ترددت اخبار تشاؤمية انهم قد يقتلون، لكن اليوم تعلم القيادات ان ثمن الوفاق الوطني كبير وثمة خسائر، وهي حتى اللحظة برهنت انها غير مستعدة لتحمل الخسائر التي قد تترتب على وفاقها".

 

الاستقلال يبدأ من لبنان
غير صحيح ان خريطة الطريق الاستقلالية مركزها الاساسي ليس لبنان، فالبداية الاساسية هي من هنا، ومن ثم العمل على تكييف المناخات الاقليمية مع هذا التغيير الجديد. وفي رأي الصلح انه " في 1943 كانت  ثمة ضغوط بريطانية لإجراء المفاوضات مع فرنسا في انكلترا بدلاً من فرنسا، الا ان الوفد اللبناني برئاسة حميد فرنجية رفض الانصياع للضغوط ووافق على التفاوض في فرنسا، واليوم المطلوب هو التحرر من الضغوطات الخارجية والابتعاد عنها لمصلحة الداخل وليس معاداتها".
في المقابل، يرى البعض ان شعار "لبنان اولاً" أصبح شعاراً لجميع اللبنانيين ولا تتبناه طائفة أو حزب أو تكتل سياسي معين، لقد تحوّل مشروعاً استقلالياً موحداً.


الممانعة تتناقض مع الاستقلال
 النائب السابق سمير فرنجية رأى إن "تمسك اللبنانيين بصيغة الاستقلال اليوم اقوى من اي وقت مضى، واليوم نشهد نهاية مشروع الانخراط في معسكر الممانعة الذي تقوده ايران ويتناقض مع منطق الاستقلال وباتت ايامه معدودة مع التطورات في سوريا، وكنا في السابق شهدنا ايضا نهاية مشروعين سياسيين يتناقضان مع منطق الاستقلال، هما القومية العربية والقومية السورية".

 

الصيغة عادت الى الحياة
في السابق صمدت الصيغة التي توافق عليها اللبنانيون في 1943 الى لحظة انطلاق شرارة الحرب الأهلية في لبنان حيث دفنت، وحلت مكانها صيغة الغاء الآخر. لكن هذه الصيغة أعيدت اليها الحياة في اتفاق الطائف لكن سوء تطبيقه دفنها مجدداً. واعتبر فرنجية ان "الصيغة اللبنانية أعيدت اليها الحياة في اتفاق الطائف الذي طورها وجعلها قابلة للحياة، لكن اهمال بعض السياسيين له وامعانهم بعدم تطبيقه، يعود لعدم ادراكهم لأهميته وأهمية العيش المشترك الذي كان في اساس هذا الاتفاق".


اتفاق الطائف هو الحل
ولا يرى فرنجية اي خلاص للبنان من دون العودة الى لب اتفاق الطائف وهو التنوع من دون القضاء على الوحدة الوطنية. واعتبر ان "ما يجري في المنطقة والغرب يؤكد على ضرورة العودة إلى الطائف وما يمثله من حماية للتنوع واضفاء الروح الديموقراطية التعددية في الحياة السياسية مع المحافظة على وحدة المجتمع واعطاء الدور الاساسي للمواطنة".

 

الغرب بحاجة إلى الطائف
وتابع :"هذا الاتفاق لم يعد مهماً للبنان فقط، بل ايضاً لبعض الدول العربية التي تعاني من عدم قدرتها على ادارة التنوع، فهذا الاتفاق قادر على ايصال رسالة الى الغرب بأن التنوع ليس فقط مصدر خطر، بل هو ايضاً مصدر غنى".

وفي انتظار أي انفراج حقيقي في الجوار الاقليمي، هل من يجرؤ في الداخل اللبناني على ملاقاة الآخر الى منتصف الطريق، ويطرح تسوية لبنانية - لبنانية، تعيد استقلالية القرار الى اللبنانيين وتتقبله القوى الخارجية؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard