شخصيات فرنسية اسلامية لـ"النهار": ترقب لاجراءات اغلاق مساجد وسحب جنسية

16 تشرين الثاني 2015 | 17:17

المصدر: "النهار"

انتهى اطلاق النار واحتجاز الرهائن والتفجيرات. فرنسا تلملم جراحها، وتبحث عن دواء يحول دون تكرار الداء، لاسيما أن "الفيروس" لا يزال في الأجواء، متخذاً صورة تهديدات أطلقتها "الدولة الاسلامية"، متوعدة دولاً عدة، منها فرنسا، بـ"أمراض" مشابهة، مما دفع إلى إعلان حالة الطوارئ العامة في البلاد، والتلميح بسلسلة إجراءات، بينها اغلاق مساجد تبعث على العداء ضد الآخر.

"الاسلاموفوبيا" الى الواجهة، ولسان حال مسلمي فرنسا يكاد يقول: "نحب هذه البلاد، ونخاف ان يشملنا الثأر". فالثمن الذي قد يدفعه المسلمون في الدول الغربية سيكون كبيراً. وقد بدأت ملامحه باعلان وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف "حالة الطوارئ"، كي نتمكن بطريقة حازمة وصارمة من طرد أولئك الذين يدعون الى الكراهية في فرنسا، أكانوا منخرطين فعلاً أم نشتبه في أنهم منخرطون في أعمال ذات طابع إرهابي". وأضاف: "بدأت إجراءات في هذا الصدد، وسيناقش مجلس الوزراء حل مساجد يبث فيها الدعاة الكراهية أو يحضون عليها".

 

بين الايجابية والسلبية
تنظيم "الدولة الإسلامية" يتبنى بكل فخر، عبر حسابات جهادية، اعتداءات باريس التي خلفت ما لا يقل عن 129 قتيلا، مؤكداً أن فرنسا على "رأس قائمة أهدافه". ولا شك في ان فاتورة هذا التبني سيدفعها نحو 6 ملايين مسلم من أصل 64 مليون نسمة في فرنسا، اي 10 في المئة من الشعب. هذا ما أكده رئيس المنتدى العالمي للأديان من أجل السلام غالب بن شيخ لـ"النهار" الذي اعتبر أن "انعكاسات الهجمات وتداعياتها ستكون وخيمة وسلبية جداً على الاسلام والمسلمين، اكانوا مواطنين أم أعضاء في الجالية العربية والاسلامية في فرنسا، وحتى في أوروبا". ورأى ان "العرب والمسلمين يجنون ثمار تخاذل الأئمة والمشايخ ورجال الدين ورؤساء الجمعيات الذين توافقوا في خطاب ديني ايديولوجي يكرس العنف، ويقدس ما يسمونه في مفهومهم "الجهاد الأكبر والمقدس"، في وقت نحن في أمس الحاجة الى فكر نيّر أخلاقي متمدن حضاري، يخرجنا من النزق والوحل الذي نتخبط فيه اليوم".

من جهته، رأى عضو المجلس الشرعي الاسلامي الفرنسي الشيخ انيس قرقاح، في حديث الى "النهار"، أن "لهذه الاعتداءات انعكاسات، بعضها سيكون ايجابيا لجهة حماية المواطنين، كاصدار بعض القوانين والمتابعات الأمنية للمتشددين، وبعضها الآخر قد يكون سلبياً، لأنه قد يؤدي الى اغلاق بعض المساجد، وإن كنت اؤيد إغلاق من يبث منها خطابات متطرفة أو متشددة. لكننا نخشى عدم انضباط هذه المسألة، بحيث تصبح مفتوحة ومن دون ضوابط، وتُظلم بها جمعيات ومساجد كثيرة وائمة عديدون".

 

بين التطرف والتعقل
قضية الاسلام والمسلمين في فرنسا ليست عرقية أو اثنية، بل دينية. في تقويم لعلاقة الفرنسيين بالمسلمين في بلادهم، بعد أحداث "شارلي ابيدو" والاعتداءات الأخيرة، شدد بن شيخ على "وجوب التفريق بين المواطنين الفرنسيين الذين يدينون بالدين الاسلامي، والمسلمين الموجودين في فرنسا، من دون أن يكونوا فرنسيين. علاقة الفرنسيين بمواطنيهم المسلمين كانت مذبذبة ومبنية على عدم التفهم، ويشوبها نوعٌ من العنصرية والنفاق. بالنسبة الى الاثرياء من العرب المسلمين، فينبطح بعض الفرنسيين أمامهم...". ورأى ان "العنصرية كانت موجهة ضد العرب في معظم الاحيان. اما اليوم، فقد اصبحت كلمتا عربي ومسلم في الخطاب سيان عند الرأي العام الفرنسي".

وفقا لقرقاح، جاءت تصريحات غالبية السياسيين، خصوصا رئيس الجمهورية، "متزنة ومتعقلة، ودعت الى عدم الخلط بين الاسلام كدين والمسلمين الذين يعيشون في فرنسا، وبين الاعمال الارهابية". ويقول: "لم نلاحظ ردود فعل كبيرة من الفرنسيين، باستثناء اليمين المتطرف الذي استغل الاحداث الماضية، ويستغل اليوم الاعتداءات الأخيرة، خصوصا ان فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية، ويطالب باغلاق المساجد وطرد الائمة".

 

مساجد الى الواجهة
الأمن القومي الفرنسي في خطر، ورجال الأمن أمام معضلة كبيرة. "حالة الطوارئ وإغلاق الحدود إجراءات غير كافية، ونحن في انتظار عمليات إرهابية في الأيام الآتية"، يقول بن شيخ. "الحديث يدور عن 4 آلاف ارهابي، وربما يكون العدد أكبر. وهناك من يطالب بايداعهم في سجون مفتوحة. كذلك هناك 90 مسجداً من 2500 ستغلق أبوابها، لكون ائمتها يدعون من فوق منابرها إلى الكراهية والعنف من خلال خطابات لا تتماشى مع قيَم الاخوة والرحمة والرفق". وشدد على ان "وزير الداخلية الفرنسي مخوّل، لا بل مكفول له أن يتخذ مثل تلك اجراءات، بعد الهجمات الوحشية التي ضربت باريس اخيرا".

هل بدأت اجراءات إغلاق المساجد؟ أجاب قرقاح: "حتى اليوم، لا يزال البلد في مرحلة حداد، ولم يغلق اي مسجد، ولم تحظَّر اي جمعية. لكن قد نشهد ذلك في الايام والاسابيع الآتية. اليوم سيجتمع رئيس الجمهورية بالغرفتين الاولى والثانية في البرلمان للبحث في هذه المسائل". وتدارك: "لا شك في أن هذه الحادثة ستعقبها إجراءات. واليوم هناك إجتماعات على مستوى أوروبا في هذا السياق".

 

تطرف "استهلاكي"
"الاسلاموفبيا الى صعود في الايام المقبلة. وستكون التفجيرات الأخيرة ورقة في يد المتطرفين اليمينين وبعض الفرق التابعة له، اولهم مارين لوبان، زعيمة "الجبهة الوطنية"- الحزب اليميني المعروف بمواقفه المعادية للمهاجرين في فرنسا- التي استبقت نتائج التحقيقات، ونسبت الهجمات إلى ما سمته "الإرهاب الإسلامي". وكتبت على حسابها الرسمي في الفايسبوك: "الإرهاب الإسلامي... غضب بارد يملأ قلوبنا". وطالبت ايضا بسحب الجنسية من المتورطين بالإرهاب بعد احداث كانون الثاني، وتعليق العمل باتفاق "شينغن".

في كل هذه المواقف رأى قرقاح "كلاما استهلاكيا انتخابيا"، قائلا: "كلام لوبان قديم. وكما قال والدها سابقاً: نحب العرب ولكن في بلادهم، وليس في بلدنا. واذا وصلت الى الرئاسة، لا شك في ان تصرفاتها ستكون خطيرة. لكنني اعتقد ان قوانين الجمهورية تمنع ان يصل امثالها الى مقاليد الحكم، وان يتصرفوا في شكل يفسد العلاقات بين فرنسا والعالمين العربي والاسلامي. لفرنسا مصالح ورعايا في كل اقطار العالمين العربي والاسلامي، وهي تراعي ذلك". واشار الى ان "السلطات الفرنسية متنبهة الى مثل هذه الامور. وكما وضعت مدارس ومساجد المسلمين تحت حراسة الشرطة وحمايتها في كانون الثاني الماضي، أعتقد انها ستعمد الى امر مماثل خلال الايام المقبلة".

وعن احتمال طرد بعض المسلمين من فرنسا، قال قرقاح: "قد يحصل ذلك. لكن في اوروبا عموما، لا تتخذ تدابير عشوائية سريعة. كل هذا سيخضع للقانون. كذلك، لن تغلق مساجد ومؤسسات اسلامية ولن يطرد ائمة الا في اطار القانون الحالي او القوانين التي ستشرع في الايام المقبلة".

 

على المحك
اذا امكن إصلاح صورة الاسلام عبر وسائل إعلام إسلامية لا تدعو، على قول بن شيخ، الى "الجهاد والحجاب وتناول الطعام الحلال فحسب، انما ايضا الى تنوير الفكر والأنسنة والآداب والأخلاق وحب الفنون الجميلة والانفتاح على الاوبرا والموسيقى والشعر، وليس التقهقر والتحجر والتعفن الفكري"، فإن الديموقراطية الفرنسية "ستكون امام درس صعب"، في رأيه. "اذا كانت عميقة ومحصنة، فسترد على التحديات التي تواجهها البلاد باستيعاب الآخر. اما اذا كانت هشة، فلن تكون قادرة على تجاوز هذه الظروف، وسيشهد اليمين المتطرف صعوداً، وتكون حال المسلمين والعرب من سيء الى أسوأ".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard