الفرنسي جان رولان يقول لـ "النهار" عن روايته "الحوادث": "أستعير بعض الصور مما رأيته خلال حرب تموز 2006"

13 تشرين الثاني 2015 | 17:17

لا يبدو الكاتب الفرنسي جان رولان من طينة الكتّاب الذين يسأمون من مساءلة التاريخ والمصائر الفرديّة والجماعيّة والحال انه وفي سياق روايته الأخيرة "الحوادث" (بالفرنسيّة لدى منشورات "بي أو أل") يواصل البحث من طريق استدعاء فكرة خارجة على السياق وغير محتملة في الراهن وتتعلّق بحرب أهليّة فرنسية. وفي حين يتراءى مباغتاً عدم اهتمام رولان في نصه، وهو كبير المراسلين السابق الذي جال في ساحات قتال كثيرة، في دوافع هذا الصراع، لا نلبث أن ننساق إلى منطِقِه المتكوّر على التفاصيل البسيطة البشريّة والطبيعية على السواء، في مناخ من الأناقة النثرية التي تحيّد فظاعات الحروب.على هامش "معرض الكتاب الفرنكوفوني" في بيروت إلتقت "النهار" الروائي جان رولان فكان الحديث عن الإستشراف الروائي وعادية الحروب ودور المثقّف:

جرى تقديم روايتك "الحوادث" كـ "وصف لحرب أهليّة في فرنسا" ووضِعَت في سياق حكايات الموسم الأدبي الآتية بسيناريوهات كارثية لفرنسا في نمط "خضوع" لميشال ويلبيك التي تخيّلت وصول أحد الأحزاب الإسلامية إلى السلطة في فرنسا. لكن أسلَمَة المجتمع الفرنسي ليست في نواة مشروعك الروائي الملقى في حاضر غير محدد. بالنسبة للروائي المكان هو مساحة وزمن أيضا، فكيف يسعك أن تتفادى أن يقرأ نصك في منظور إعتداءات كانون الثاني 2015 الإرهابية في فرنسا؟

ليست مهمتي أن أتفادى أن يقرأ نصي على هذا النحو. في فرنسا اليوم أقليّة مسلمة كبيرة العدد. في حال كنتُ ألّفتُ كتابي في سن العشرين لما كان يمكن أن نجد، على سبيل المثال، حزبا إسلاميا معتدلا في المرتفعات الوسطى في فرنسا، وفرعا محليا من تنظيم "القاعدة"، في إقليم بوش دو رون. الأسلَمة ليست موضوع الكتاب ناهيك بأني لم أقدّمه كرؤية للمستقبل. كتاب ويلبيك يستبقي تاريخا، أظنّ المرحلة التالية للإنتخابات الرئاسية ما بعد المقبلة، أما في كتابي فليس هناك أي عنصر إستباقي وفرنسا التي أصفها تبدو كأنها موجودة اليوم، على الأقل في ما يعني جانبها المادي، يتراءى كتابي كأنه يحصل اليوم. ربما كان ليخدمني أن تجري الإشارة إلى نصي الى جانب ويلبيك نظرا الى النجاح الكبير الذي حقّقه كتابه. قورن كِتابانا نادراً، وإلى حدّ ما كانت المقارنة لتبدو في مكانها خصوصا أن ثمة جزءا وجيزا من كتاب ويلبيك شبيه بكتابي، وتحديدا حين يغادر الراوي باريس تحت ضغط الحوادث ليجد ملاذا في الريف. في كتاب ويلبيك يحتلّ هذا الجزء نحو ثلاث إلى أربع صفحات، بينما يُشكّل الجزء الأكبر من كِتابي الذي يتضَمّن تَقدّما من الشمال الى الجنوب ووصفاً لمسار ومشاهد طبيعيّة فرنسية كما تبدو اليوم. تجري الرحلة خلال مواسم عدة تبدو على حالها راهنا ومثلما يحتمل أن تتأثّر بسبب الحرب.

تتصوّر في "الحوادث" حربا أهلية حيث يسيطر على الأرياف الفرنسية "الحزب" وهو حزب إسلامي "يقال انه معتدل" ويقيم اتفاقا مع ميليشيات اليمين المتطرف. تذكُر في نصك أيضا قوات الأمم المتحدة العاملة في فرنسا "فينوف" وتتألّف كما تكتب "وبحصص متساوية من الجنود الغانيين والفلنديين أي المُتحدرين من بلدين حامت حولهما بعض الشيء تهمة التدخل في نزاعاتنا الأهلية". نظرا إلى جميع هذه التفاصيل، يبدو من غير الجائز عدم إقامة تقارب بين ما تصفه وبين لبنان. هل يظلّ لبنان ديكورا خلفيّا ضروريا، واعيا أو غير واع، حين يُكتب عن حرب أهلية؟

هناك بعض العناصر اللبنانية طبعا، ذلك ان الصحافي في داخلي والذي كُنته لأعوام طويلة لا بدّ غذّى الكُتب التي أؤلفها. في حين ثمة عناصر جرى اقتراضها من تاريخ لبنان الحديث، أشير خصوصا في نصّي إلى الحرب في البوسنة والهرسك، وإن ليس بطريقة مباشرة، لكني أعرف هذه الحرب على نحو أفضل من الحرب اللبنانية. زرتُ لبنان خلال الجزء الثاني من الحرب الوجيزة في 2006 وفي "الحوادث" أستعير بعض الصور مما رأيته آنذاك، لكني بقيتُ لفترة أطول في البوسنة إبان الحرب وزرتها على نحو متكرر، لذلك شكّلت مصدر وحي لي - ربما ليس بغية وصف نقاط التفتيش أو مشاهد المعارك الموجودة قليلا صوب نهاية الكتاب فقط - وإنما بغية وصف عمليات طرد الناس خصوصا. شهدتُ أول حال حرب في إيرلندا الشمالية في نهاية الستينات من القرن العشرين (..). أشَرتِ إلى "فينوف"، طبعاً هناك قوات "يونيفيل" العاملة في لبنان ولكن كان هناك "يونبروفور" (قوات الحماية التابعة للأمم المتحدة في البلقان) أيضا، كان يهمّني التعبير عن التهكم إزاء قوات الأمم المتحدة وخصوصا على خلفية عدم تدخلها في البوسنة والحال اني كنتُ شاهدا على ذلك (...) لا أدري كيف هي الحال تماماً مع قوات "يونيفيل" في لبنان. أظن الوضع مختلفا.

تقترض مصطلح "الحوادث" من الحرب الجزائرية وفق الأسلوب الذي اعتمده الرسميّون الفرنسيون لوصف هذه الحرب تفاديا لتسميتها. بعيدا من هذه الرغبة السياسية الدقيقة جدا والواضحة في الحال الجزائرية، أليسَت كل حرب، ودوما، نكرانا بالنسبة لأولئك الذين يصنعوها من جهة والذين يختبروها من جهة ثانية؟ هل تستخدم لهذا السبب أسلوبا يظلّ على السطح ووصفا في تخوم الحوادث ناهيك بجمل مديدة تجمع بين الكآبة والتهكم؟

ليست المسألة مسألة نكران وإنما عدم اكتراث خصوصا من جهة الراوي الذي لا يجد نفسه معنيّاً بهذا الصراع. إنه لا ينتمي الى أي جهة وهذه هي الحال في حالات كثيرة خلال الحروب الأهلية ذلك ان معظم الناس العقلانيين لا يؤيّدون أي طرف. والحال ان الراوي هو جزء من الناس الذين يجهدون لمحاولة الفرار من الحرب. ثمة في الكتاب عنصر يتماهى مع أحداث الساعة وإنما في الوجهة المعاكسة ويتعلق باللاجئين، والحال ان هؤلاء في الكِتاب فرنسيون يتجمعون عند ساحل المتوسط آملين بلوغ جزر الباليار. أما الراوي فهو جزء من الناس الذين يحاولون، وعلى نسق عدد لا بأس به من السوريين، الفرار من الصراع. لا رأي للراوي في شأن الحرب وهو يلتقي من طريق الصدفة بشخص يعرفه صار زعيم ميليشيا قومية، علما انه ليس مؤيدا لهذه الحركة في المحصلة. حسنا، في النهاية يسمح لنفسه بأن يظهر بعض التعاطف مع الفوضويين، وهناك في النص إشارة إلى دوفوتي الذي كان زعيما فوضويّاً إبان الحرب الأهلية في اسبانيا.

*أنت لست غريبا عن وصف الحرب في فرنسا المعاصرة وسبق أن تخيلتها في نص بعنوان "شيربور الشرقية- وشيربور الغربيّة...
أجل في هذا النص الإحالة إلى بيروت أكثر وضوحا...

*نعم وعلى ما أشرتَ للتو إقتربتَ من الحرب ماديّاً حين عملت ككبير المراسلين خلال الصراع في يوغوسلافيا السابقة. في رأيك أي جانب من الصراعات يمكن أن يصير مادة روائية؟ هل يسع الكاتب أن ينقل "عاديّة" الناس الذين يعيشون الحرب؟ تكتب مارغريت دوراس في "نهارات في الشجر" ان "الحرب حتى هي يوميّة".

أنا لست مُحاربا، إن ما يثير اهتمامي في الحرب اليوم وما أثار اهتمامي كصحافي هو معيش الناس الذين لا يصنعون هذه الحرب، وإلى أي حدّ تنقلب حياتهم اليومية والعادية وتتحول بسببها، وكيف تبقى على حالها، في الوقت عينه. إهتممت لهذه القدرة الهائلة على الإستمرار في العيش والتي تظهر في أوقات الهدنة وهذا أمر يعرفه اللبنانيون جيدا وكان لافتا جدا في بيروت والحال انه قيل الكثير في شأن أناقة النساء وفي شأن إقامة الفنانين الذين بقيوا في البلاد حفلة غنائيّة ما أن ساد بعض الهدوء. أذكُر افتتاح أحد المعارض في ساراييفو في أحد أيام 1993 أو 1994 بينما كان القصف ينهمر بعنف على المدينة. خلال الإفتتاح، إلتقَت الطبقة البورجوازية الثقافية في المدينة والموجودة في معظم مدن العالم المتطوّر وتضمّ أشخاصا يكرهُ أحدهم الآخر بأسلوب لائق. كانوا يثرثرون كما كانوا ليفعلوا في باريس أو في أي مكان آخر، في حين كنّا نسمع في الخارج أصوات انفجار قذائف الهاون المنهمرة على الحي. لكن ذلك لم يؤثر أبدا في تصرّفات الناس العادية، فكان أحدهم يحاول إغواء إمرأة بينما تحدّث آخر عن سواه بالسوء. إستمرّت الحياة وإن عنى ذلك أن يأتي المرء مهرولاً الى مكان المعرض ويخرج منه مهرولا أيضا. في العمق هذا ما يثير الإعجاب، استمرار الحياة في أوضاع الصراع وفي جوانبها الأكثر سطحية حتى.

* يفرّ راويك (الذي يفسح أحيانا لآخر) من باريس متوجّها الى مرسيليا في السيارة ثم سيرا مخترقا فرنسا التي يسودها الركام....
أجل تتعطّل سيارته في المرتفعات الوسطى وينبغي له بعدذاك أن يواصل مساره بطرق أخرى.

*ثمة تأنٍ كبير في وصف الأماكن التي يجتازها الراوي، ها هنا مناطق المعارك ومخيمات للاجئين يديرها الصليب الأحمر ومدن تعاني النقص في كل شي. لا يصف الراوي الحوادث في المقام الأول وإنما المناظر الطبيعية والنبات والحيوانات والطرق والجسور والمباني. نظرا إلى هذا الجانب الواقعي، هل تظلّ "الحوادث" رواية أو تذهب في منحى التقرير التخييلي؟

أجل انها الإثنان. حسنا حين يكون التقرير تخييليا ندخل في سياق الرواية حُكما. صحيح أن ثمة أمرين مهمين حاولت أن أربطهما في هذا الكتاب. وصفتُ من جهة الشكل الذي قد تتخذه أي حرب أهلية في فرنسا ووصفت من جهة ثانية دورة المواسم والنبات والطيور والحال اني شديد الإنتباه لهذه التفاصيل وأنا في حال دهشة دائمة إزاءها. يغبطني الإنتقال من الشتاء الى الربيع، وربما يصير ذلك أكثر إلحاحا حين يقترب المرء من موته، ذلك انه يغدو حساسا جدا إزاء هذه الأمور، في حين لا يهتم لها البتة وهو في سن الشباب. قمتُ مرارا بهذا المسار عبر المُرتفعات الوسطى ولاحظتُ الإختلافات بحسب الإرتفاع عن سطح البحر. يصل الربيع إلى بعض الأماكن قبل أماكن أخرى. ثمة أماكن تحتفظ بهيئة الشتاء تماما، بينما تبرز الزهور في كل مكان، في مناطق أقل إرتفاعا. هذه أمور مذهلة حقا وأردت أن أتحدّث عنها في الكتاب، خصوصا أنه وفي البلدان حيث تسود الحرب، تستمر دورة المواسم، وهذا أمر لفتني في يوغوسلافيا السابقة ولاسيما عودة طيور السنونو لتبحث عن أعشاشها فلا تجدها أحيانا لأنها دُمّرت. لم أهتم كثيرا لتفاصيل الحرب الصربيّة- الكراوتية لأني كنت مُنهمكا بأمر آخر في تلك الحقبة، غير اني زرت مدينة فوكوفار التي تَعَرّضت لتدمير شبه كامل ورأيتُ كيف عادت طيور اللقلق في الربيع وبعد المعارك إلى الأعشاش حيث تركتها. عادت الى مبنى لم يبقَ منه سوى مدخنة بحثا عن عشها في أعلى هذه المدخنة، كأن هذه الطيور لم تلاحظ ان المبنى الذي كانت المدخنة تعلوه اختفى ولم يبقَ منه سوى الركام. كان ذلك لافتا فعلا.

*سَألَت وسائل الإعلام الفرنسية في الشهور المنصرمة عن دور المثقفين راهنا بعدما جرى اتهامهم بالإنحياز. في مقابل المثقف الكوني الذي آمن سارتر بأن عليه "التدخّل في ما لا يعنيه"، أتى فوكو في السبعينات من القرن المنصرم بمفهوم المثقّف الخصوصي الذي يتدخّل في مجال اختصاصه. هل يجري اليوم الخلط بين المثقفين الحقيقيين وبين الشخصيات المولعة بالجدال؟ وهل يتحمل النظام الإعلامي مسؤولية في هذا الإلتباس؟

أحترم فوكو كثيرا، وهو يصنّف دوما كمثقف خصوصي في حين انه تدخل في مسائل كثيرة لم يكن يعرف عنها شيئا وكتب أمورا غير معقولة في خصوص الثورة الإسلامية في إيران مثلاً. أميل الى القول بأن المثقف لا يؤتمن على دور محدد ذلك انه وفي تاريخ فرنسا الحديث أخطأ المثقفون كثيرا، مع بعض الإستثناءات طبعا. كان من المبرر تماما أن تجري معارضة حرب الجزائر على سبيل المثال، من دون أن يعني ذلك الإلتحاق بـ "حملة الحقائب" (شبكة دعم في فرنسا وأوروبا خدمة للقضية الجزائرية) لمصلحة "جبهة التحرير الوطني". كانت معارضة حرب الجزائر أمرا جيدا وشجاعا ولكن هل كان الإلتحاق بـ "حملة الحقائب" أمرا جيدا أيضا؟ لا أعلم تماما. بعيدا من هذه المسألة وبدءا من ثلاثينات القرن المنصرم، كان نصف المثقفين فاشيين والنصف الآخر مؤيدا لستالين وهذا ليس أمرا رائعا. طبعا يسعنا أن نستقدم أمثلة من جميع الأنماط. في فرنسا، يُعتبر نص زولا "أتّهم" أول مداخلة لمثقف في المجال العام وهذا مثال إيجابي طبعا، وإن لم يكن دقيقا، فماذا عن فولتير مثلاً؟. في وسع المثقفين أن يتلفّظوا بجميع أنواع الحماقات طبعا، وهذه حال الكثير من مثقفي اليمين قبل الحرب والكثير من مُثقفي اليسار بعد الحرب، وهؤلاء جميعا لم يبيّنوا عن تبصّر استثنائي. أنا ضد العرائض وأنساقها ذلك انها تتعلّق وفي أحيان كثيرة بموضوعات يعرفها الناس قليلا أو لا يعرفوا عنها شيئاً، بينما لا أرى مشكلة في التزام المثقّف، في لحظة معينة وعلى نحو فعلي. يمكن المثقّف أن يفعل أكثر من التوقيع على عريضة والحال اني انخرطتُ بنشاط معين كمناضل وتَنبّهت إلى فصله عن مهنتي كصحافي وإلى عدم التسبّب بالأذى لأحدهم. تعاونتُ مثلاً مع مركز ثقافي بوسني في ساراييفو ققمت وبمساعدة بعض الأصدقاء بتأمين المواد الضرورية بغية مواصلة نشاطات المركز، يسعنا أن نفعل أمراً من هذا القبيل، نحن لم نؤمّن الأسلحة أو الذخائر. لا أتّخذ موقفا حاسما أو غير قابل للنقاش في مسألة الهجرة في فرنسا مثلا، أظنّها مسألة شديدة التعقيد. يقول اليسار في الإجمال انها أمر رائع وفرصة لفرنسا، أما اليمين وتحديدا اليمين المتطرّف، فيقول انها كارثة. أظنّها ليست فرصة أو كارثة، إنها الإثنان معا. غير انه لا يمكن المرء في فرنسا أن يتّخذ هذا الموقف، إذا قلتُ انه أمر مؤتمن على نواح إيجابية وعلى أخرى سلبيّة فسأقابل باستفهام من قبيل: أقُلتَ سلبية؟ هذه آراء عنصرية! من المزعج حقا أن يجري اختزال النقاش على هذا النحو، علماً اني أتعاطف كثيرا مع أولئك الذين يقدّمون الغذاء ويوفرون الطبابة للمهاجرين في مدينة كاليه.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard