آلان بورير لـ "النهار":الإستعمار الأنغلوساكسوني سيؤدي الى اندثار الفرنسية بسرعة فائقة

6 تشرين الثاني 2015 | 19:44

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

وصَفت صحيفة "لو موند" آلان بورير في مقال نشر أخيرا بـ "حارس اللغة الفرنسيّة"، ذلك انه رصد في مسيرته التأليفية وَهَناً أصابها واستبّد بها في الأعوام المنصرمة، في حين لم يتوانَ عن التنبيه منه ومما يستتبعه على المستويات السياسية والثقافية والحضارية. غير أن الباحث في منجز الكاتب الفرنسي بورير لا يسعه سوى أن يتمهّل عند موقعه كأحد أبرز المُتخصصين في تجربة الشاعر الإستثنائي أرتور رامبو، وهو لحق به إلى أماكنه ليغوص في أغوار قصيدته مستخرجا أكثر من مشروع سلكت وجهات عدة تأليفية وسينمائية وإذاعية.

على هامش "معرض الكتاب الفرنكوفوني" في بيروت إلتقت "النهار" آلان بورير وحَدّثته في تحدّيات الفرنسية وفي الشرق الذي اجتذب رامبو وفي الصور الذهنية المتنوعة المرتبطة بالشاعر الملعون:

 

أنت مؤلّف ومسافر وباحث وروائي وكاتب مسرحي وناقد فني ومتخصّص في منجز الشاعر أرتور رامبو والحال انك كرّست له ثلاثين عاما من حياتك. بعد هذه الفترة من القُرب، هل يمكن المرء أن يجزم انه استطاع الإحاطة باللغز الأدبي الذي شكّله رامبو لاسيما انه كتَب في رسالة إلى بول ديموني في 1871 "أنا هو آخر" آتيا بمفهوم فريد للابتكار الفني ومشيرا الى انه يتفرّج على تفتّح فكره وينظر إليه ويصغي اليه ومتحدّثا عن عدم تحكّم الشاعر بما يجري التعبير عنه في دواخله.

 

أتعلمين أن رامبو رغب في أن يبيع، وفي بيروت، شراشف سودان (بإسم مدينة سودان الفرنسية)؟ من اللافت في هذا الإطار أن نتنبّه الى ان شراشف سودان التي أراد بيعها شكّلت إحدى الأفكار الكثيرة التي روادته على مرّ حياته وإنه، وبغض النظر عن الطبيعة السياسية والأدبية والإقتصادية، شكّلت بالنسبة له إحدى الإمكانات التي بحث عنها لكي يبدّل الحياة. ظلّ هذا الرجل وخلال حياته برمتها - حياته الوجيزة ذلك انه توفي في السابعة والعشرين- يبحث عن ذلك. ندرك ذلك ليس في إطار سؤالك العميق جدا والمنتمي الى المنجز الأدبي فحسب، وإنما أيضا في إطار وحدويّة الشخص. تُثَبّتُ هذه الوحدوية في كل رسالة كتبها وفي كل جملة من كل رسالة، حيث كرر مستعجلاً انه يريد أن يجد المكان والصيغة. المكان أي الـ "أين" والصيغة أي الـ"كيف"، أن يجد أي الـ "ماذا"، ناهيك بالإستعجال أي الـ"متى". يطرح المراهقون هذه الأسئلة خصوصا، بينما يجيب عنها البورجوازيون. توفّي رامبو بينما كانت لا تزال هذه الأسئلة مفتوحة ومن دون جواب. كان لا يزال يبحث عن مكان، مكان الأبديّة في الحياة، علما ان لا وجود له في المحصلة. رامبو شخص بحَثَ، على مستوى الوقت والمكان وأسلوب التصرف، عن شيء من نسق الأبديّة في الحياة.


*في السابعة عشرة تولّيت إدارة مجلة طلاب في جنيف بهوية "المركب السكران" وفي السابعة والعشرين لحقت برامبو إلى أثيوبيا، بعد سبعة وتسعين عاما على مجيئه إليها. وبدءا من هذه الإقامة إستنبطت فيلم "سارق النار" وحكاية "آلان بورير يروي أرتور رامبو" فضلا عن كتابين صدرا في 1984 "السيد رامبو يُعرّف عن نفسه كتاجر" و"رامبو في الحبَشة". هل "رامبو في الحبشة" من نوع قصص الرحلات أو هو رواية فلسفيّة أو بحث، أو هو الثلاثة معا؟


في الواقع انه الثلاثة معا، ذلك انه بيّن عن التزام الواقع فضلا عن الذاتيّة وإنما ليس كاستعانة بل كحاجة. ها هنا نبحث عن شيء من ذاتنا ونصطحب معنا شيئا من ذاتنا. علما انه لطالما جرى إبعاد هذه المقاربة من تاريخ النقد الأدبي الفرنسي وأعني بذلك بُعد السيرة أو الذاتيّة وفي حين أُدخلت في النقد الأميركي او الأنغلوساكسوني جرى تحييد النقد الذاتي. أظن انه، وفي حال رامبو، اي حين تكون الحياة كما الشعر على المحكّ، وفي الوقت عينه، يتحقّق لقاء يجعل كتابا ما مشروعا يتعذّر تصنيفه.

 

تكتب في "رامبو في الحبشة" انه وفي رسائل الشاعر التي بعث بها من افريقيا والحبشة تسود أفعال تعبّر عن بدء الحركة من نسق "يغادر" و"يذهب" وأن "رامبو في الحبشة موجود في بلاد اليوتوبيا". تعاينه ليس كـ "رامبو واحد، وإنما كشخص عظيم مرّتين: عظيم على مستوى الشعر وعظيم على مستوى الصمت". تقدّمه بملامح الأبله بالمعنى الإغريقي idiotikos أي الهامشي، في تعارض مع politikos رجل الدولة. تصف رامبو المُنسحب من السياسة ليعرف مصيرا إستثنائيا. كيف يجري التعبير عن ذلك؟


من خلال عملية تهميش الذات أولا، وعلى مستوى الثياب حتى. أرتور رامبو في افريقيا هو شخصية غريبة، يخيط ثيابه ويعتمر قبعات خارجة على المألوف، ولأنه طويل القامة أمكن الجميع رؤيته بدءا من كل الأماكن. رامبو شخص على فرادة كبيرة، وهو يمثّل في رأيي ومن خلال فرادته، إستباقا للشخصية الحديثة. في حال كُنّا في ميناء عدن في 1880 فلرأينا الجنود والمستوطنين والكهنة والدبلوماسيين يغادرون السفن التي تجيء وتؤب بين محطتي مرسيليا وبين المحيط الهندي، غير انه وفي أحد الأيام جاء شاب لا ينتمي الى أي من هذه الفئات ليبحث عن العمل في افريقيا! يمثّل الشاب حالة غريبة وكأنه مركبة فضائية! انه idiotikos بهذا المعنى. وهو يمهّد لـ politikos أيضا ذلك انه يُنكره مسبقا، ويعبّر عن خيبته منه سلفا ولا يتوقع منه شيئا.


*في 1991 تسرد في "رامبو في الجزيرة العربية" الأسفار المختلفة التي قام بها الشاعر على مرّ حياته، وتشير الى أنه بحث في الشرق عن مكان استثنائي عن "مكان مهجور يبتعد عنه كلما فرّ صوبه". أرَدتَ تخيّل واقع رامبو واعادة تكوينه عبر القراءات والأسفار في أقرب نحو ممكن من الحقيقة، هل كان ذلك هيّنا في حال شاعر لم يفصل الشعر عن المعيش واللغة والوجود والعالم؟

 

انه موضوع أدبي جدا وصعب للغاية. انا مفتتن بفكرة رامبو في الجزيرة العربية لأن الشاب هو idiotikos وعاطل عن العمل ولا يحمل مشروعا سياسيا. ليس موجودا في هذا المكان من باب الصدفة. يتكلّم العربية بطلاقة - وإن ليس في 1880 وإنما بعد نحو خمس إلى ست سنوات - ويبقى وحيدا وهو على معرفة بالقرآن ويفتتن بالمدن العربية وطقسها. يبحث عن الدفء، وهذا الأمر على صلة بفكرة الإحتراق. يفرّ من أوروبا القديمة الطراز التي يسمّيها في قصيدته "المَركب السكران": "أوروبا الحواجز القديمة". إنها الجزيرة العربيّة كأرض لم يطأها أحدٌ بعد، الجزيرة العربية كمشروع. هذه صورة مذهلة حقا. تسنّى لي حظ المرور بجميع المدن العربية في هذه المنطقة والقيام بعمل أدبي تماما لم يتعلّق بفكرة تخيّل الحيوات، بل بإعادة تكوينها بدءا من التفاصيل الصغيرة على نسق المهندس الفرنسي فيوليه لو دوك والذي قام بترميم الكاتدرائيات في القرن التاسع عشر. ومن أجل تحقيق ذلك يجب القراءة بإطراد والحال ان ثمة كتبا كثيرة منوطة بالحبشة والجزيرة العربية خلال تلك الحقبة. وجدتُ تفاصيل سمحت لي بأن أرى الأمور بشكل أوضح. أحيانا عثرتُ على أكثر، على أسماء ناس إلتقاهم رامبو وعلى تفاصيل بسيطة شكّلت شيئا من الواقع. لا يزال رامبو يتنصّل مني، لكني اقتربت منه بعض الشيء. بهذا المعنى، يسلك الكتاب طريق الإنسحاب أو الإختفاء.

 

نشرتَ في 2014 "بأي حبّ مجروح، تأمّلات في اللغة الفرنسية" الذي نلت بفضله "جائزة فرنسوا مورياك" وهو يقترض عنوانه من تراجيديا راسين "فيدرا". تصغي في الكتاب إلى النواقص التي تشوب الفرنسيّة وتصف مصاب اللغة وتستنتج إنحدارها بعدما باتت أكثر انفصالا عن جذورها واستسلمَت لاجتياح الإنكليزية- الأميركية. صحيح ان المرء يلد في سياق لغة محددة لكنها أيضا منتج اجتماعي وثقافي. انها بناء إنساني يتطوّر مع الزمن ومع التقاطعات والإقتراضات. هل يمكن الفرنسية تاليا أن تظل واحدة أو انه لا مناص من أن تصير متنوعة؟


صحيح أن اللغات تتطور، لكن وكما يقال يمرّ النهر ويجري الزمن، المسألة هي في أن نعرف في أي اتجاه. يجب ادراك خصوصية اللغة وفرادتها وشخصيتها، ان اللغة الفرنسية باهرة لأنها فريدة، ولا أقول متفوقة. أما فرادتها فتقوم على انها لغة تُكتب، أي ان التدقيق بها يجري في المكتوب بينما يواكب التدقيق بمعيّة القواعد، اللغة الشفوية، ليسمح لها بدقة استثنائية. هذا ما أسمّيهvidemus باللاتينية، أي نحن نرى بمعنى نستطيع أن ندقّق، وهذا الجانب في خطر وسيندثر أمام التقنيات الحديثة. أخشى ذلك وفي حال صدقتُ سيندثر برنامج اللغة الفرنسية وسيندثر تأثيرها وقدرتها أيضا. في العمق ستتبدّل مسألة الأنثربولوجيا. من ناحية أولى، حين أتكلم الفرنسية أتصوّر أمامي مُخاطبا أو مُخاطبة محددين. المخاطبة قريبة مني - كما نحن الآن - لأن اللغة توجّه لإذن حساسة، وتفترض الدقة أن تفهمي المعنى والحال اني أقوم بهذا الجهد. ومن ناحية ثانية يشير مكان الفعل في الجملة إلى انه يسعك ان تقاطعيني في أي لحظة، لأنك ذكيّة مثلي. هذا الجانب المتصل بالأنثروبولوجيا قيّم للغاية في الفرنسية وليس موجودا في جميع اللغات.

 

ثمة مسألة أخرى هي وجود استعمار أنغلوساكسوني يتطوّر ضمن مشروع هيمنة في كل المجالات. الانغلوساكسونيون هم أصدقاؤنا ولكن يمكن أن نجد شوائب عند أصدقائنا أيضا. المسألة خطيرة فعلا، لأن هذه الهيمنة إرادية وتؤدي الى اندثار ثقافي وحضاري للآخرين علما أن الأنغلوساكسونيين يجهلون انهم يتكلّمون اللغة الفرنسية بنسبة 63%. أظن الاستعمار الأنغلوساكسوني سيؤدي الى اندثار الفرنسيّة بسرعة فائقة. خلال قرون عدة كان ثمة تبادل، كأنها لعبة كرة المضرب - علما ان كلمة "تنس" (كرة المضرب) فرنسية وتعني "أمسكوا" بالكرة. كان ثمة تبادل خصب وفي الإتجاهين بين هاتين الحضارتين الجارتين لكنه انتهى بفعل السيطرة الأميركية. أُدرِّس في الولايات المتحدة الأميركية وأنا لست عدوانيا. أنا أصف ظاهرة فحسب. أدرَكتُ ان مشروع الهيمنة ينسحب على جميع المجالات ويقابل من الجهة الفرنسية بـcollaboration (تعاون) فعلية. كلمة collaboration خطيرة جدا لأنها تدلّ في فرنسا (خلال حقبة الإحتلال النازي) إلى العار. لا نجد قبالتنا اليوم نازيين كما في الأربعينات من القرن المنصرم، ساعدنا الأنغلوساكسونيون على التحرر منهم حتى، لكن التعاون في سياق الإجتياح الأنغلوساكسوني أكثر دهماً لأنه سيؤدي إلى نهاية الحضارة الفرنسيّة، في الأمد القريب. توقفنا عن الإبتكار بالفرنسيّة ورحنا نبدّل كلمات فرنسية بأخرى إنكليزية، ليحصل تبدّل على المستوى السمعي حتى كأن نعمد إلى إبدال فعل vérifier بـ chéquer ، وهذا تبدّل جمالي أساسي وأنثروبولوجي أيضا. يجب ان نتّهم الحكومات الفرنسية المتعاقبة ومنذ أربعين عاما. لا ينبغي لنا أن ننتقدها أو أن نتحسّر على "قانون فيرازو" الذي سمح بتعليم الإنكليزية في الجامعات الفرنسية فحسب. إن جميع الحكومات الفرنسية المتلاحقة، منذ ولاية جيسكار ديستان ووصولا الى هولاند، هي حكومات متعاونة ومشروعها هو جعل أوروبا ناطقة بالإنكليزية في جميع المجالات، وبنتيجة ذلك يمكن توقّع الإندثار السياسي والحضاري واللغوي في الأمد القصير.


لاحظ السياسي والفيلسوف والمؤرخ والكاتب جوزيف دو ميستر أن الإعلان عن أي تدهور فردي أو وطني يجري من خلال تدهور المخاطبة. المخاطبة هي الاستخدام الإنساني والشخصي للغة وتتصل على نحو وثيق بالتفكير والذكاء والتصورات الذهنية. نحتفل في 2015 بمئوية ولادة رولان بارت الذي كان أحد المتخصصين الكبار بالمخاطبة والقائل "في العمق، قمتُ وعلى مرّ حياتي باستثمار وحيد، وهو المخاطبة". هل نشهد إذا تدهورا في المخاطبة أيضا؟

لم أكن أعرف اقتباس دو ميستر. أهنئك! عرفتُ بارت جيدا وأنا أقدّره كثيرا والحال انه أبتكر punctum آخر المفاهيم باللاتينية في مسألة التصوير. يتموضع بارت زمنيا قبل بدء التدهور علما انه استشرفه. ظلّ مفتونا باللغة الفرنسية وكان أحد العالمين البارزين بها. ميّز بارت بين اللغة والمخاطبة ويجب أن نميّز بين الإبتكار واللغة أيضا، لأن الابتكار وغبطة العيش ليسا على المحك. أتمنّى أن لا يتوقف الابتكار الذي ننسُبه إلى الجيل الشاب الذي بات يبتكر بالإنكليزية. يبتكر ضمن اندثار لغته. سيكون هذا الجيل سعيدا وإنما من طريق لغة أخرى وحضارة أخرى ونماذج أخرى. تشكّل هذه النماذج خسارة فادحة لأن اللغة الفرنسية - وكان بارت ليوافق على ذلك تماما، وأنتِ أيضا - هي في المقام الأول وكما يقول فرنسوا تشينغ، كنزٌ للإنسانية وأضيف أن خسارتها توازي خسارة تدمُر، في مجال اللغة. ثمة خسارة لكنز وطريقة لرؤية العالم وقدرة على استفهام الفكر وعلاقة خاصة بين الرجل والمرأة. في الملخّص ثمة اندثار لشكل حضاري.

 

"بأي حبّ مجروح، تأمّلات في اللغة الفرنسية" هو قصيدة في حبّ الفرنسية، ويحاول أن يعاين قيمة هذه اللغة. ما الذي تحتاجه الفرنسيّة اليوم في رأيك، أتحتاج لوعي جماعي لمصلحة إنتشارها، وهل يمكن البلدان الفرنكوفونيّة أن تلعب دورا في هذا المجال؟

 

دورها أساسي طبعاً ذلك أن اللغة الفرنسيّة تقدّم بديلاً حضاريّا على استعمار العالم من قبل الأنغلوساكسونيين، وهذا بديل مُرتجى ليس من قبل الأكثرية بل من قبل رجال ونساء إنسانويين في العالم برمته، في حين يقوم السياسيون بالتخلّي عن هذه القدرة التي كان ينبغي لهم تطويرها. يجري التخلي عن البديل وهذا مؤسف. نحن موجودون الآن في عاصمة للفرنكوفونية، غير ان الفرنكوفونيّة لا تشكل استراتيجيا أساسية بالنسبة للحكومات الفرنسيّة التي تتراءى في هذا المجال جاهلة، ولا تعرف نفسها، وهي انتحارية أيضا وتتحمل مسؤولية كبيرة في انعدام التبصّر السياسي.

 

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard