ابحثوا عن جان عبيد

30 تشرين الأول 2015 | 19:21

المصدر: "النهار"

عام 1958 وبعدما انقسم البلد عمودياً بين مَن أيَّد الرئيس جمال عبد الناصر ونادى بالوحدة، وبين من فضّل مبدأ أيزنهاور وحلف بغداد، احتدمت الأمور واشتعل البلد، ولامس الانقسام الجيش والقوى الأمنية، وثمّة مَن طالب بإلحاق طرابلس بالشام، ومَن نادى "المارينز" للنزول الى مياهنا، علّهم يصونون وعدهم والكيان.

بعد كل ذلك، كيف انتهت الأزمة؟ توصّل الاتفاق الأميركي- المصري (روبرت مورفي- عبد الناصر) إلى تزكية اللواء فؤاد شهاب رئيساً للبنان، خلفاً للرئيس كميل شمعون.
اليوم، الكل يعترف أن عهد شهاب كان عهد بناء المؤسسات، على الرغم من المآخذ على المكتب الثاني، وكان عهد الاستقرار وتطبيق سياسة لا غالب ولا مغلوب، حتى بعد الثورة المضادة أو محاولة الانقلاب التي عاجلت العهد بعد نحو سنتين على انتخاب الرئيس.
من هنا وجب علينا أن نسأل أنفسنا: هل كان فؤاد شهاب المسيحي القوي؟ وهل وصل الى السدّة الأولى لأنه الأقوى مسيحياً؟ طبعاً لا، فريمون إدّه كان يسبقه وكذلك بيار الجميل. الرجل أتى، وجلب معه الاستقرار لأنه شكّل ضمانة للأطراف المتنازعين، لأن تاريخه كُتب بالترفّع عن الأنانيات مُذ تسلّم الحكومة الانتقالية بعد الثورة البيضاء، لأنه أدرك حجم عبد الناصر في نفوس عشّاقه اللبنانيين ولأنه قادر على رفض الذوبان في زمن الوَحدة،( لقاء الخيمة على الحدود خير دليل).


نذكر هذه الأمور اليوم لأن في العبرة خلاصاً، فالرئيس القوي هو الذي يمكنه أن يسكب من ماء خبرته وحنكته على نبيذ الصراع السني- الشيعي في بلد التناقضات الهدّامة، هو الرئيس الذي إذا قصد إيران لا تغضب السعودية، ولا تحرد إيران إن هو نحت علاقة لبنان بالدول العربية.
هل تخيّلتم للحظة رئيساً قوياً، بحجم كتلته النيابية، لكنه على عداء مع طائفة، وخصام مع نصف الطوائف الباقية؟

 

هل تنتظرون رئيساً (في هذا الظرف بالذات) تخاصمه السعودية أو دول الخليج؟ أو رئيساً تعاديه إيران؟
قد يسأل البعض لماذا يحق للطوائف الأخرى أن تسمي رؤساءها، فنُجيب: نبيه بري رئيس مجلس النواب لأن أمل وحزب الله متفقان. فليتّفق المسيحيون وليأت من يسمونه، أما إذا كان الاتفاق مستحيلاً، فإلى متى ننتظر؟ ثم نلقي اللوم على الآخرين؟
تيار المستقبل يسمي رئيس الوزراء لأن لا كتلة سنيةً تطالب بعكس ذلك، ثم إن الأمر خاضع لنتائج الاستشارات النيابية التي يجريها رئيس الجمهورية، ولكن، وعلى الرغم من ذلك، بطاقة الـ(one way ticket) كانت جاهزة في لحظة سياسية من عام ٢٠١١، ووصل الرئيس نجيب ميقاتي ليقود حكومة خارج إرادة تيار المستقبل، فسارت الأمور وتألفت الحكومة.
قد يُقال إن المشكلة في قانون الانتخاب الذي يُزوِّر صحة التمثيل، ولكن ألم يرتضِ الأفرقاء هذا القانون في لحظة ما( كلٌّ لأسبابه)؟ ومن يضمن عدم الاعتراض على أي قانون في المستقبل، لا يأتي بنتائج تُرضي هذا الطرف أو ذاك؟ ماذا لو لم يتفق الأطراف المتنازعون، حتى العظم، على قانون واحد (وهذا المرجّح)، هل يبقى الموقع الأول منتظراً؟


تبقى مسألة انتخاب الرئيس من الشعب. لهذه الخطوة محاذيرها التي قد تتظهّر بعد سنوات، وسنقولها بصراحة فظّة: ماذا لو اتفق السنّة والشيعة في لحظة ما وطالبوا بانتخاب الرئيس من الشعب( نتيجة أزمة مستعصية كالتي نمرُّ بها اليوم)، هل يستطيع المسيحي رفض الطلب وهو مَن بادر إلى سابقة من هذا النوع؟
لقد ذكرنا كل ما سبق لإبراز مخاطر التريث أكثرَ في بتِّ مسألة الرئاسة، لذلك نعتقد من موقعنا المتواضع جداً أن على الكتل المسيحية ان تبادر إلى تسمية مَن تتوافر فيه الخصال التي ذكرنا، ليتمكن بخبرته العتيقة وبعلاقاته المميزة داخلياً وإقليمياً من استثمار تاريخه، فيجمع بين طمأنة الشريك وتطبيق الشراكة.
من هنا نقول بكل جرأة: ابحثوا عن جان عبيد حتى تبقى لنا جمهورية في محيط يلفظ حمم براكينه على حدودنا، انتخبوا جان عبيد حتى نمرِّر أسوأ مرحلة بأفضل الرجال، اقترعوا للعقل بدل أن تشتغل فينا العواطف في زمن العواصف، إلاّ إذا كان وراء الأكمة رسمٌ أقرب إلى نظام جديد أو كيان مختلف، عندئذٍ على المسيحي أن يتذكّر جيداً مَن يسدِّد الفواتير وبأي ثمن.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard