الرقابة تحرم اللبنانيين "ذاكرتهم"

30 تشرين الأول 2015 | 13:59

المصدر: "النهار"

لي قبور في هذه الأرض، ولكم كلّكم قبور فيها أيضاً. أرض ارتوت منذ مئات السنين بدماء أبناء طوائفها، تفرّقوا فوقها وتساووا تحتها، تناحروا وتقاتلوا وفي النهاية جمعهم ترابها. "لي قبور في هذه الأرض" عنوان الفيلم الوثائقي الذي اختارته رين متري، لتأريخ حوادث شهدها العالم.

الثلثاء الماضي كان الموعد المحدّد لعرض يتيم للفيلم على أرض الوطن الذي وثّق قسماً من تاريخه الدموي، لكن شاء مقصّ الرقابة العكس. فبعدما مُنع عرضه في صالات السينما مطلع الصيف الماضي، تدخّل جهاز الأمن العامّ قبل ثلاث ساعات من عرضه مع إدارة الجامعة الأميركيّة في بيروت (AUB)، التي كانت قد أعطت إذناً لعرضه في إحدى قاعاتها أمام نادٍ سينمائي جمهوره محدّد، فألغي في اللحظات الأخيرة، مع العلم أن الإفادة الرسميّة التي تسلّمتها متري من الأمن العام تؤكّد منع عرضه في الصالات حصراً، وفق ما تؤكّد لـ"النهار"، لا في قاعات الجامعات التي تتمتّع بحصانة أكاديميّة.

مسيرة الفيلم لدى الرقابة
خلال ثمانية أعوام من العمل، جمعت متري شهادات من عايشوا الحرب، ذكرت الطوائف كافة لا احتراماً لمبدأ الـ"6 – 6" مكرّر المعمول به في الدولة إكراماً للتوازنات الطائفيّة، بل لأن الجميع معنيّ ومتورّط ولأن الجناة والضحايا من كلّ الطوائف. طوال هذه الفترة قرأت متري كتب التاريخ، واطلعت على الأحداث الموثّقة صحافياً بالصور والمقالات، إلى أن أبصر عملها النور، فتوجّهت إلى مديريّة الأمن العام للحصول على إجازة عرض الوثائقي في الصالات اللبنانيّة. كان ذلك في الخامس من أيار الماضي.

يومها أُبغلت متري أن إجازة العرض تصدر في غضون ثلاثة أسابيع بعد تحويل الملف إلى لجنة الرقابة. مرّ شهر ولم يصلها خبر، اتصلت للاستفسار، فعلمت أن الملف حوّل إلى اللجنة منذ ثلاثة أيّام فقط، إلى أن تلّقت اتصالاً في اليوم نفسه لإبلاغها قرار اللجنة القاضي بمنع عرض الفيلم، من دون تقديم أي أسباب أو تفسير الخلفيّات أو حتى طلب حذف مشاهد معيّنة.

هكذا اتخذ القرار بمحو "ذاكرة الحرب" المفروض منذ نهاية الحرب وإصدار قانون العفو العامّ وتحريم المحاسبة، أمّا السبب فـ"وطني" بحسب ما تؤكّد الرقابة، إذ إن العمل الذي يستعين بأكثر من 200 وثيقة من أرشيف الصحف اللبنانيّة وشهادات لبنانيين وعشرات الأفلام الوثائقيّة والمقابلات التلفزيونيّة تعرض شهادات زعماء الحرب "يثير العصبيّات الطائفيّة والمذهبيّة، ويعكّر السلم الأهلي". كيف لا وهو يعرّي الجميع، ولا يظهر وجهة نظر واحدة، ولا يحمل خطاباً طائفياً، ويطلب من المشاهد المسلم أن يرى الضحية المسيحي، والعكس؟

تحضيراً للوثائقي!
من مشاهد القتل والخطف على الهوية التي درجت طوال فترة الحرب اللبنانيّة، إلى عمليّات التهجير القسري التي استثمرت لأهداف سياسيّة بدّلت الديمفوغرافيا اللبنانيّة، وصولاً إلى التطرّف الطائفي الممعن في تأخير تطوير المجتمع والبلد، انطلقت متري في رسم ملامح عملها. راودتها الفكرة عندما حاولت بيع "قطعة أرض" في ضيعتها "عين المير" في قضاء جزين عام 2008، وأبدى أشخاص من طوائف أخرى رغبتهم في شرائها، فجوبهت بمعارضة الأهل والأقارب محذّرين إيّاها من انغماسها، من دون قصد، في عمليّة التغيير الديموغرافي والتهجير القسري للطوائف.

الحادثة أكّدت لمتري تغلغل الطائفيّة في الحياة اليوميّة للبنانيين الذي يعانون رهاب الآخر المختلف عقائدياً ودينياً وإيديولوجياً، والذي ببيع أرضه قد يفقد الذاكرة والمكان، وجزءاً من تاريخه. فالفتاة التي كبرت مع الحرب اللبنانيّة، حملت في ذاكرتها مشاهد موحشة، عايشت رهاب الطوائف وتنكيلها بعضها ببعض. شاءت توثيق هذه المرحلة استناداً إلى شهادات معاصريها وضحاياها، وتدوين الآثار التي تركتها مشاهد سحل رجل ورميه من على جسر المعاملتين، واحتراق الجثث في تل الزعتر والكارنتينا وحصار المخيّمات، وتصفية مواطنين على جدران الكنائس في الدامور، وذبح الرجال واغتصاب النساء في الشوف، وحواجز القتل والخطف على الهوية، وجرّافات الأحزاب التي أنشأت المقابر الجماعيّة وهدمت البيوت في الجنوب والجبل.

أضاءت متري هذه الأحداث لا لنبش الماضي وتزكية الأحقاد، بل لأن المعطيات والأحداث التاريخية التي وصلت إلى جيل ما بعد الحرب مشوّه ومبتور، ولأن الشعوب لا تتقدّم إلّا بعد معرفة تاريخها، ولأن من قال إن الحرب انتهت كذبَ في ادّعائه، فلا الحرب انتهت على الرغم من سكون أصوات المدافع، فهي نابضة في نفوس ضحاياها، ولا مرتكبيها حُوسبوا أو عوقبوا بل كرّموا ورأسوا المجالس وغرزوا أقدامهم في هرمية السلطة. نطقت متري بلسان جيل لم يتآخَ مع الصمت والخوف، جيل يريد معرفة مكامن الأخطاء ليتفاداها في سبيل بناء مستقبله. جيل لم تقنعه معادلة ارتكاب الجريمة من دون محاسبة أو أقله إنصاف ضحاياها لا جلّاديها. صفحة الحرب لا تُطوى بالتعمية عن الحقائق وطمسها بل من خلال تظهير وقائعها وحوادثها بموضوعية وشفافية للاتعاظ وعدم تكرار فترة أليمة لا أحد يريدها أن تتكرّر.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard