تجربتي مع السرطان: أقف... أصرخ... انتصرت!

30 تشرين الأول 2015 | 14:17

كم اكره جملة "بعد صراع طويل مع المرض" كأن الجميع يخاف ان يلفظ كلمة سرطان من دون ان تحضر شياطين الاوجاع التي تنتهي بالاستسلام. من يطهر الافواه الغاضبة لانها تعاند قدرها وتقاوم وتنهزم لانها فقدت ايمانها بان الحياة تستحق المجابهة مهما كانت الاثمان التي تدفع من اعصاب ودموع وتلوي من الاوجاع؟ الان اقف واصرخ: انتصرت انا ملكة!
منذ اليوم الاول الذي عرفت انني مصابة بسرطان في عنق الرحم اصبت بالذهول. لم اصدق. لم اكن اشعر بانني مريضة رفضت ان ارضخ قلت لنفسي انه من غير الممكن ان يصيبني هذا المرض انه يصيب الآخرين فقط.
لم اقبل بان افقد الحق في الحلم بالغد.
قررت ان من سيخضع للعلاج هو البديل مني.
هل فكرنا مرة في ان من يعاني من مرض السرطان يشعر بالخجل امام الاصحاء، وكأنه فقد حقه في تحدي الحياة؟ يقرأ في عيونهم شفقة لا يحاولون اخفاءها، حتى ان احدى الزميلات قربت كرسيا من طاولتي في المكتب وسألتني: بماذا تشعرين؟ وكأنها تسألني كيف امضيت يوم عطلتي في الجبل وانا "صاغ سليم" قلت بعصبية: لا احب ان اتحدث عن الموضوع. حملت حقيبتي وتركتها في حيرتها.
لم اكن يومذاك في حالة، قبول للواقع، ثرت. ابعدت عني شبح الجلسات التي اخضع فيها للـ"راديو تيرابي"، واين اذهب؟ الواقع يطبق عليّ ويفرض علي بروتوكولا جديدا يحدد تحركاتي وتصرفاتي وضوابط جسدية لم استمع اليها من قبل. لا اعرف كيف يجب ان اتعامل مع الموضوع. غريبة هي الحياة. كدت اقف يوما في الكافيتيريا لاقول للجميع: انظروا الي هذه الحلقات السود التي تكحل عيني، انها من مزايا السرطان الذي احتل جزءا من بيت رحمي. رأيتهم يضحكون: انك تمزحين. اسمعهم يضحكون تراجعت عن الفكرة. وتابعت مزاحي مع الموجودين. تفاديت المجابهة، وهم تابعوا احاديثهم من دون ان يلمحوا الى مرضي. انا خجلة وغاضبة في الوقت نفسه.

"الراديوتيرابي"
كل يوم اذهب الى مستشفى اوتيل ديو. انطوان يرافقني دائما نصل الى الطبقة الثالثة تحت الارض. انزل من السيارة احمل زجاجة مياه مثلجة تزيدني شجاعة وتمنع الجفاف عن فمي. ادخل الى بطن المبنى. هنا مركز "الراديوتيرابي" منى تستقبلني. ومن ثم يصل انطوان بعدما يركن سيارته في الموقف. كل شيء منظم حتى الاشتراك المخفض لمن يعالج في الداخل. شيء مضحك بطاقة ممغنطة تفسح لنا المجال للدخول والخروج بسعر زهيد. هذا السيناريو يتكرر خمس مرات في الاسبوع.
المرة الاولى وقفت امام الباب. شعرت بانني لا استطيع ان اتنفس قلت لنفسي انه علي ان اتنفس مثلما تتعلم الحبلى في الافلام السينمائية عندما تشعر بالطلق الاول. اتنفس بصعوبة. اخاف. ارتجف اختنق تحت الارض. لماذا دائما تكون العيادات الخاصة تحت الارض؟ الا تكفي رهبة الوقوف بحيرة في مواجهة عدد لا يحصى من العقول التي تريد ان تعرف سر رحمي النازف؟
في رعبي الداخلي الذي يجفف اللعاب في حلقي اكتشف شباكا من الخشب لونه اخضر. كم انا سعيدة. استطيع ان اهرب اذا طبق السقف فوقي. لكنني ابقى حذرة. يوجد فخ في مكان ما. يجب أن اجده، قبل ان اتنفس الصعداء.
يستقبلني رجال يلبسون البرانس البيض واسماؤهم مطرزة على صدورهم بخيط ازرق. انهم طوني قطان طونين نخول ناجي خليل، امير كرم، فادي حسون. في البدء كنت اخلط بينهم، ثم فكرت في انني سأجلب معي شيئا لنقيم حفلة معا قبل ان اغادرهم نهائياً.
بدأت في الدخول الى الحمام لاستحم من دون ان افكر بوجوب ان نكون في المستشفى عند التاسعة صباحا. صرت ارندح احيانا الالحان التي احب. ابتسم لنفسي. ارضيها بكلمات مليئة بالامل. ولكن الحال لم تدم هكذا. التفاعلات الجسدية قضت مرارا على تفاؤلي. واختصرت وجبات الطعام على البطاطا المسلوقة، المعكرونة المسلوقة، الرز المسلوق، الجزر المسلوق. رضة ملح عصير حامض، وموزة اذا كان الاسهال الحاد يسمح بذلك. لا انسى الفيليه المشوية او صدور الدجاج.
افيق في الصباح. ابتلع الادوية. اذهب الى المطبخ اقف امام البراد اعود الى غرفتي حاملة 2 توست في صحن كبير افكر بأنني سأضيف ايضا البندورة الجبلية والخيار واللبنة المكبوسة بزيت زيتون وبعض الحبات من الزيتون الاسود. اكل بقرف. لا اكل بل اقرقش التوست الفارغ من اي شيء. اشرب السفن اب. اقرأ الصحف. اهدأ وابدأ يومي وكأنني شاهدة ولست فاعلة.

الخبر الصاعقة
كل شيء بدأ ببعض "المشحات" من الدم. اعتقدت بانني ساستعيد شبابي. وسأحمل من جديد. اخبرت عددا من الزملاء فمزحنا ثم نسينا. نسيت الامر. لكن المرة التالية كانت اكثر جدية، خصوصا انني اخاف رؤية الدم. فقررت ان اراجع طبيب العائلة. نصحني باستشارة اختصاصي في الامراض النسائية. ووصلنا هنا الى طبقة ثالثة تحت الارض. بعد فحوص وركض من اختصاصي الى آخر وانا في حال انفصال عن ذاتي، لا اصدق ما يجري. كأنني شاهدة مفرغة من كل إحساس. وجوه أوراق. دهاليز. مراكز متخصصة. ممرضات وممرضون. اوراقي، اسمي. بطاقة الهوية. بطاقة التأمين الطبي. وجوه من حولي تأمرني بخلع ثيابي. لالبس البرنس. لادخل الى مكان صغير ولأخرج منه الى ممر فسيح تهجم منه موجة من الصقيع الذي يقزز الاسنان. من جديد اوامر: اخلعي. قفي. ارفعي يدك. لا تتنفسي. تنفّسي طويلا. انتظري قليلا. شكرا. البسي. سلامتك. يقولها وهو يفكر بالرقم التالي. كم الساعة؟ لا يهم. يردد الاوامر كالببغاء. الرغبات. لكل من يدخل الى مملكته المصقعة.
الاختصاصي في الامراض النسائية يعلمني بالتطورات بالتقسيط. يقول لي: يجب ان افحصك. يجب ان اقوم بـ Frotti ستنزفين قليلا. لا تخافي. كل شيء تحت السيطرة اجيبه: بما انك تقول ان كل شيء يتم كما يجب فانا لن اجادلك ومرت ايام.
اول طريق الجلجلة بدأ مع النتيجة. لم اعتقد ابدا بان السرطان ينتظرني في نهاية المطاف. وعندما خضعت لـ Mamographie وقيل لي ان الوضع طبيعي اطمأنت لكن طلب الـ Biopsie اخافني. عرفت بان هناك مشكلة جدية... وكرت السبحة: الدخول الى المستشفى والبنج العمومي. والمكوث 24 ساعة، واشياء صغيرة اشارت الى ان هناك مفاجآت غير سارة.
وجاءت النتيجة: هناك ورم في عنق الرحم؟ يطلبون IRM.

المجابهة الأولى
الى اوتيل ديو. تسجيل. انتظار. انا وانطوان لا ننظر الى بعضنا البعض. يقول لي فجأة نحن مؤمنون. الله كبير. اجيبه بصوت خافت: ايه، الله كبير.
الساعات تمر ونحن على كرسيّينا. الناس يدخلون. يطلبون نتائج صورهم. يسجلون اسماءهم للتصوير. عالم جديد غريب عجيب. اتابع بعيني حركة مستديمة. ونحن على كرسيّينا. بلا اكل. بلا شرب. بلا شراع. لا نعرف اين تقلنا سفينة قد تأتي. افكر كيف تعيش كل هذه الوجوه. هل هم يتوقعون الاسوأ؟ يخافون مثلي. ترتجف يدي. احاول ان اخفي هلعي. انطوان يعرف جيدا انني مرتعبة. لا يجد الكلمات التي تهدئني. اعتقد بانه مرعوب. مرعوب يمكن اكثر مني. الرجال رأسهم يشتغل بسرعة كبيرة عندما يكون الحدس قد تجاوز لديهم حال الاستنفار. انا اكيدة الآن انه يعرف نتائج الصور قبل ان اخضع لها. لوريس غريب يقول احدهم. انهم ينادونني بهذا الاسم الذي تخليت عنه منذ سن المراهقة. مدام لوريس تفضلي. انطوان يمسك يدي. ليته يستطيع ان يزيل البلاطة التي تضغط على رأسي. من هنا مدام لوريس. ادخلي الى هذه الغرفة. اخلعي ثيابك. البسي برنس. اخرجي واغلقي المقصورة. ستدخلين بعد لحظات. اسمع الصوت الصغير الذي لا اعرفه وهو يسأل: ادخل اين؟ يدلني البرنس الابيض باصبعه على المكان الذي سأدخله. هل الوضع مخيف؟ اتمنى من كل قلبي ان تقول لي: لا، مزعج قليلا. تصل طبيبة وتقول لي انني سأخضع للتصوير مرتين زفي كل مرة تستغرق الصورة من نصف ساعة الى 40 دقيقة للحوض و20 دقيقة لمنطقة البطن. انظر الى انطوان. يبتسم وهو يقول لي: انا هنا.
ادخل. في وسط الغرفة شبه سرير ضيق. احدهم يقول لي اجلسي. استلقي. انظر الى الوحش المبروم الذي سيدخلونني اليه ببطء. اصرخ: لن ادخل الى هذا التابوت. احدهم يقول لي. "اغمضي عينيك. لن ندخلك كثيرا. يجب ان نصور حوضك. يجب ان نعرف وضعك. مضطرين". ثم يناولني كبسولتين ويقول لي "ضعيهما في اذنيك" ويخرج.
اتنفس بسرعة. احاول ان اعد من الواحد الى المئة، ثم المئتين، لم اعد استطيع تحريك شفتي. اصغي الى صوت السرير وهو يدخل ببطء تحت الوحش. لا ازال ارى جزءا من السقف. اتحمل. اعاود العد.
يفتح الباب. اسمع صوت انطوان. أهدأ.
لم تكن التجربة الثانية سهلة ابدا. رفضت ان يدخلوني اكثر في التابوت. صرخت حتى دخلوا وحاولوا ان يهدئوني. لكنني رفضت. قلت لن اخضع. اريد ان اوقف كل شيء. لن اتابع. لم يقنعني انطوان الذي دخل هو ايضا. قلت له بصوت غاضب: "لا تحاول ان تقنعني فلن ارضخ. اريد العودة الى البيت". عندها وعدوني بان انطوان سيبقى معي، يمسك يدي، يملس شعر رأسي وكأنني طفلته التي تتعمشق به لتستمد منه القوة لمتابعة المقاومة.

السند العاطفي يصنع العجائب
وجاءت النتيجة. اولا انطوان الذي بقي من دون صوت، اجهشت بالبكاء، نظر الي طويلا وقال لي: "الله كبير. ستشفين". ومسح دموعي. رأيت في عينه دمعة لم تسقط.
مازن انهبل. قلت له على الهاتف: معي سرطان. عندي يمكن ست اشهر لأعيش. يجب ان تأتي الى البيت لننظم الامور. قال بصوت خافت. "سأجلب معي مسجلة". قلت له "سأبكي ولكن ساقول كل ما اريده حتى لو بكيت انت". قال: "سنبكي معاً".
رلى في مونتريال قررت المجيء حالا. ثم قالت لي: اريد ان ترسمي لي صورة تتحدثين عنك، عني منذ صغري وعن تيا. ارتفعت معنوياتي. اخذت افكر هل سيمنحني السرطان الفرصة لانجاز الطلب؟
وليد في الجزائر صعق. لم يصدق.
دارت الاتصالات بين بيروت والجزائر ومونتريال. الاولاد يتهاتفون ليطمئنوا بعضهم البعض. يتصلون بي وبانطوان. للمرة الاولى انا احتاج اليهم. للمرة الاولى احتاج للجميع. يقولون لي حافظي على شجاعتك. كل شيء يتعلق بالمعنويات. انت قوية وستشفين.

جولات بين الاختصاصيين
من اصدق؟ من هو الافضل؟ نحمل الملفات ونركض من موعد الى موعد ومن طبيب متخصص الى آخر. مازن يرافقني لان انطوان يصور مسلسلا تلفزيونيا يضطره للسفر، يستمع الى الشروح. لم نعد نعرف ماذا نفعل؟ الشيء الوحيد الذي يعلق في الذهن هو ان العملية غير واردة لان الورم يبلغ 5 سنتمترات. اذاً الحل يتلخص بجلسات راديوتيرابي وشيميوتِرابي. ومن ثم يقرر ما اذا كانت العملية ضرورية. هذا القرار من البروفسور جورج شاهين رئيس قسم الايماتولوجي والانكولوجي في اوتيل ديو الذي وجدته يناسبني. الوجه الذي ينظر الي ويريحني. كلامه يقنعني. شاهد الصور وقال: انا اعمل مع فريق الدكتور ايلي نصر. حمل سماعة الهاتف وقال للمتلقي: ارسل اليك لوريس الغريب. اهتم بها. ثم شرح لنا العلاج. قال ان سرطان عنق الرحم وسرطان الثدي من الممكن الشفاء منهما نهائيا. اول مرة اسمع كلمة شفاء. لم اهتم كثيرا للشروح الطبية. لكنني تأكدت بان الشيميوترابي لن تتسبب بسقوط شعري. شعري المنكوش دائماً، سيبقى على حاله. "ستخضعين اسبوعيا الى جلسة خفيفة طيلة فترة جلسات الراديوتيرابي. خرجنا انا ومازن. نسينا اننا انتظرنا في العيادة اكثر من ساعتين قبل ان نقابله. جاء القرار نهائياً: سأخضع للعلاج مهما كان. سأستعيد حقي في الحلم بالغد.

التجربة
الاثنين 12 تموز قابلت البروفسور ايلي نصر. فحصني. قال ان وضعي جيد، واذا تجاوبت مع العلاج سأشفى. ثم قال تحتاجين الى 25 جلسة من الراديوتيرابي. نبدأ الاربعاء بالمرور بجلسة "السكانر" وبجلسة "سيمولاسيون" لنأخذ القياسات للمنطقة التي ستخضع للاشعة ثم بجلسة تجربة نهائية اسمها MEP الجمعة قبل ان يبدأ العلاج الفعلي الاثنين التالي.
لم اعرف ماذا كان ينتظرني.
اول جلسة "راديو تيرابي" كانت تشبه الافلام الخيالية. شباب باللباس الابيض يدورون من حولي. اوامر. تمنيات. ترتيبات. وحدة قاتلة على سرير ضيق يعلو ويهبط بحسب الطلب. انا وحدي تحت آلة ضخمة تدور حول حوضي المشرع على الصقيع والاشعة. لم اعد املك حرية التصرف بأحشائي. شباب يلمسون بطني. يسمعون ارقاما. مرجعهم هو حبات من الرصاص زرعت عند الحدود التي ستخضع للاشعة. انها كالوشم في منطقة واسعة من الجزء الاسفل من حوضي الامامي. يحركون اجزاء من بطني. يأمر صوت. لا تتحرك. انظر وانا مستلقية على ظهري الى السقف. هناك خطوط افقية في السقف كالخطوط الحمر التي تزيح الاوراق المهيأة للهدايا. اسمع انينا من شيء يدور حول حوضي العاري. قلت في سري الحمد لله انني مصابة في رحمي وليس في رواياي لكان هذا الغول دار حول عنقي و"طحن" رأسي وصدري. غريب كيف المصائب تصبح نسبية! انا محظوظة. اصابتي تبعد عني المواجهات المباشرة التي تقتل الاعتزاز بالنفس. كم ان النسبية تريح العقول. اتنبه الى الاصوات. اصلي. اعد وانا اتنفس بصعوبة من واحد الى 300 واتوقف. انتظر. يدخل أحدهم. يغير اسطوانة. يخرج. هذا فيلم مستقبلي. سأراه في الحلم او في الكابوس.
يضاء المكان. اسمع صوتاً يقول: سلامتك. يساعدني على الجلوس. اخرج. جاء دور غيري. هكذا طيلة النهار. معي ومع هؤلاء الذين اراهم جالسين في صالة الانتظار. يقول احدهم الى الغد. وادخل مقصورة. اخلع البرنس. البس ثيابي. اخرج. الى الغد تقول منى. ونخرج انطوان وانا ومعنا "قنينة المي" التي لا تفارقني لانها ترطب حلقي في لحظات الشدة.
وستمر خمس اسابيع على النمط نفسه. اعتقد انني محظوظة لانني لم اكن قد جربت الشيميوترابي. وهنا بدأت الكوارث. ولم تنتهِ بعد مفاعيلها بعد. منذ الاسبوع الاول اصابني اسهال حاد وحتى اليوم لم يتوقف نهائيا. اسهال مصحوب بأوجاع في المصارين لا تحتمل. لكنني لم افهم في البداية انه بسبب "الشيميوتيرابي". كنت اعتقد بان كل شيء يمر من دون تفاعلات جانبية. كانت" الكريزة" الاولى مساء الجمعة. تحملت الوجع. بكيت. تذمرت. انطوان ينظر الي وانا اتلوى من الوجع. اقول له: لماذا هذا الوجع؟ لا اعرف ان كنت سأتحمل حتى نهاية العلاج. وهو يشجعني ويقول "فكري انهيت الاسبوع الاول ولا يبقى سوى اربعة. فقط اربعة". ما يتحمله يوازي ما اتحمله تقريبا. يعاني مثلي. اشعر بانه سيختنق. اصمت. اقول له: سأرسم. ادخل الى محترفي. يرتاح. يستطيع ان يدخل الى غرفته. وانا امسك بيدي اليسرى بطني وارسم باليد اليمنى. ارسم واتوجع واشتم الاطباء والعالم كله. أتساءل كيف يتحمل جميع الذين يتبعون هذا العلاج اوجاعهم. وفجأة عرفت لماذا يستلقون على الاسرّة عندما يخضعون لجلسة "الشيميو". خصوصاً هؤلاء الذين يتحملون جلسات عدة في الاسبوع وبنسب اكبر بكثير مما يسري في عروقي في الجلسة الاسبوعية الواحدة.
ثم اعتدت على كل شيء.
ذات يوم اردت مقابلة الدكتور نصر لاسأله كيف علي ان اعالج مشكلاتي. كان في اجتماع. استقبلني بابتسامته المعهودة وقال لي: كيف الاسهال؟ انه في مانشيت الصحف هذا اليوم. كان جوابي مضحكا للغاية. من كان في العيادة من اطباء فهموا انني أمزح. ليتني استطيع ان امزح كما كنت افعل دائما.
انتفاضتي افادتني. قررت التحكم بكل شيء رغم الواقع الذي اعيش. ولم افقد عقلي ولم استسلم لليأس وتصرفت وكأنني في حال منفصلة عن واقعي لدرجة اني كنت، عندما اشاهد احدهم وانا اخرج الى العلاج ويسألني بطريقة روتينية: كيف حالك؟، أجيبه انني بخير في شكل طبيعي ليس فيه اي خبث.

الأسبوع الأخير
لم يغب عن فمي في الاسبوعين الاخيرين طعم شيء ميت في فمي. لا اتحمل اي رائحة. امضي وقتي في الابتعاد عن الناس. رائحتهم تقتلني. اشعر بان الغثيان سيبقى مسيطرا علي مدة طويلة. اضع قطع الثلج في فمي. اهدأ قليلا. افكر باشياء جميلة ولكن الواقع اقوى. احاول ان انام بلا جدوى. لم اعد انام في الليل سوى ساعات قليلة. ولكنني في قرارة نفسي اعرف الآن انني سأشفى. فحصني الدكتور نصر وقال لي "ستشفين". تجاوبت في شكل جيد مع العلاج. اسأله: ممكن نلغي آخر جلسة من الشيميو؟ اجابني: غدا تقابلين الدكتور بريحي الذي سيفحصك لانه هو الذي سيقرر كيفية ومدة المكوث في المستشفى حيث سيضع المادة المشعة مباشرة داخل الجهاز الذي سيزرعه في رحمك جراح متخصص. سنأخذ رأيه.
رغم ان الفحص اظهر ان الورم صغر كثيرا، فانه فضل ان اخضع للمرة الاخيرة لـ"الشيميو".
ودعت الجلسة، انا التي اكره ان اتصور، بصور لي ولطاقم "الراديوتيرابي" امام الوحش الذي كان يرعبني. وصورة ايضا وانا اجلس وفي عروقي تجري المواد التي تنقط نقطة مدة 3 ساعات. وضحكت مع الدكتور شاهين وتصورت معه وفي ذهني المحترفة التي تقول في داخلها سأستعمل هذه الصورة في مقالي (هذا الذي تقرأونه).
واليوم قبل ان اذهب للمرة الاخيرة الى "الراديوتيرابي" قرأت في "باري ماتش" بان الممثل الفرنسي - البلجيكي برونو كرامر "المفتش ميغري" الشهير قد توفى على اثر سرطان اصابه وافقده صوته، حتى اضطروا للاستعانة بصوت آخر ليسجل الحوارات في آخر حلقة من المسلسل الذي استمر 14 سنة. حزنت. كنت احبه كثيرا واتابع كل حلقاته بشغف. لم ينل الحظ الذي نلته. انا مرتاحة. استطيع من جديد ان اخرج من البيت من دون ان اخاف ان يفاجئني إسهال يشلني ويرعبني. غيري يحمل في حقيبته قلم حمرا، علبة ماكياج، علبة دخان وقداحة، انا احشي حقيبتي بعلبة مليئة بالادوية التي احتاجها في حالات عدة واضيف محارم ومساعدات صحية واقية. كلما اصل الى مكان، اذا اضطررت للذهاب اليه، ابحث عن موقع المرحاض لاستريح. كم هي كبيرة كلمة استطيع. كم تفتح امامي ابواباً من جديد؟ سأعود الى العالم.
قبل ان اقلب الصفحة اشير الى انني، رغم كل شيء، بقيت ارسم، اكتب، اقرأ، اطبخ، اهتم بشؤون البيت والعائلة وان بنسب متفاوتة. تختلط على طاولتي التي ارسم عليها علب الادوية مع الاقلام والريش والخيطان والاشرطة والخرز وبسرعة اجد ما ابحث عنه. رأسي مسكون بعقلين، الاول يهتم بالامور المرئية والثاني يخطط ويباشر في اعادتي الى اتزاني كل مرة يميل عقلي الاول لدفعي الى الانزلاق نحو الاستسلام والبكاء والتذمر.
غدا ستعود الامور الى طبيعتها تدريجيا.
لن افكر بالعملية الآتية.
اكتفي بشعوري بانني نجوت، والباقي تفاصيل. هكذا يجب ان يكون.
هذه الشهادة لتحقيق الحق. السرطان ليس مرضاً معيباً يجب التستر عليه وكأنه من المحرمات التي تستوجب الوشوشة عندما نذكره او نقول عنه "هيداك المرض". ولنعرف ان المصابين به يستحقون الاحترام نظرا الى ما يعانون من آلام نفسية وجسدية لا تحتمل الا بشجاعة فائقة. السرطان ليس البرص. فلنكف عن ادارة ظهرنا كلما نشاهد طفلا ملفوفا بشرشف ابيض، رأسه يلمع تحت الضوء وعيناه مطفأتان. انه الصورة الخارجية لمرض ملعون. محظوظون الذين يسلمون. انا لا اصدق انني نجوت.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard