حكم جريء ينصر بشير: ادانة طبيبين افقداه بصره

26 تشرين الأول 2015 | 17:04

المصدر: "النهار"

  • هالة حمصي
  • المصدر: "النهار"

معاناته، مأساته تفوق "تلة" علب الادوية الفارغة التي ضاق بها المكتب. "وهناك مئات منها اخرى في البيت"، يقول بشير. النظر في العينين شحيح اليوم، مشوّش، متعب، لكن افضل من العتمة التي بقي فيها طوال اشهر. غلطة "الحكيمين" التي أعطبت عينيه نهائيا خسّرته كل شيء. الثمن يدفعه كل يوم، والتأقلم صعب جدا. "ما عشته مؤلم جدا... لا احد يستطيع ان يرد لي حقي. وحقي هو عيناي"، يقول لـ"النهار".

قصة الشاب بشير كامل (37 عاما) ليست كاي قصة اخرى. انها ايضا قصة محام شاب، شربل ابو حمد، الذي ابى الا ان يساعد بشير بمجانية، ويناضل من اجل حقه. ويتوّجها حكم قضائي ينصر بشير، حكم نادر لقاضية جريئة، في زمن يسود فيه الاعتقاد ان الطبيب دائما على حق، حتى لو تسبب بموت المريض.

العملية المشؤومة
كانت مجرد مصادفة، في مكان غير متوقع. زوجان غريبان، وصبية تبكي بتأثر كبير، تتكلم الى الهاتف. ما بلغ يومها مسامع المحامي شربل ابو حمد وزوجته حسنة استوقفهما، هزهما في الصميم. انها مأساة الشقيق بشير الذي فقد بين ليلة وضحاها بصره بسبب "اخطاء طبية عدة". ابديا للصبية رغبتهما في المساعدة. "دعوى قضائية" هي الحل الانسب، اقترح المحامي الشاب، ويتولاها بمجانية. ووافق بشير على مضض، "لان المفهوم السائد في البلد هو انه من المستحيل كسب قضية ضد اي طبيب"، على قوله.

في واقع الامور، لم يعد لديه اي شيء يخسره، بعدما خسر نظره، ومن جرائه عمله في الفندق... وحياته كلها. لم يكن يتوقع ان تلك النصيحة الطبية ستقلب حياته رأسا على عقب، ستدمرها. الطبيب طبيبه من 8 اعوام، اختصاصي بأمراض العين وجراحتها، ولديه "المعلومات الوافية عن نظره ودرجات الـMyopie في عينيه"(*). فنصحه باجراء عملية "الليزك" في عينيه للتخلص من كل مشاكل ضعف النظر وقصره التي يعانيها. كان ذلك في ايار 2011.

في اليوم المحدد، حضر بشير الى احد المراكز الطبية ليخضع للعملية. "قبل لحظات من اجرائها، ونتيجة لفحص "بينتا كام" اجري له، تقرر اجراء عملية اللايزر عوضاً عن الليزك، اذ ان العملية الأخيرة تستوجب ان تكون قرنية العين بحالة جيدة جداً، بينما يفضل في الحالة المعاكسة اجراء اللايزر،اذا كانت القرنية تحتمل هذه العملية"(*).

في تقرير المحكمة، الامر واضح: "الطبيب نصح بشير باجراء عملية الليزك قبل أن يُجري له أيا من الفحوص الطبية اللازمة التي تحدّد ما اذا كان يحتمل اجراء هكذا تدخّل طبي أم لا..."(*). من المفترض ايضا ان "يكون على علم بوضع القرنية في عينيه التي تعاني تمخرطا خشن"، خصوصا انه يتابعه من العام 2007.

سوء تقدير طبي اول قبل العملية. وخلالها غلطة ثانية كارثية. العدسات اللاصقة. فمع ان الطبيب يعلم ان بشير يعاني حساسية مفرطة منها، استخدمها، ووضعها له. ثم جاءت "ضربة" اخرى في الساعات اللاحقة"، قطرة الـ"سيبيزين" المحظورة على الافراد وذات المفاعيل المضرة. اوجاع بشير "تفجّرت" في شكل لا يحتمل. كانت "رهيبة". ونتيجتها، ازال العدسات اللاصقة "بعد ثلاثة ايام على العملية. واستبدلها طبيبه بعدسات خاصة بهذه الحالة. عاين مجددا العينين، فوجد ان الجرح فيهما لم يلتئم. غيّر الادوية، ليعود بشير بعد يومين، مع اوجاع متواصلة، من دون اي تحسن يُذكر، وكان نظره مشوشاً. فوضع له الطبيب قطرة بنج موضعيّ (Cebesine)، وافهمه انها تؤخر التئام الجرح، وتوضع عند الشعور بالالم. وسلّمه 4 عبوات منها، علماً أنها تستعمل فقط في العيادات والمستشفيات، وتحظر على الافراد، نظرا الى خطورة استعمالها المتكرر والمكثف"(*).

 

الملف المحكم
بعد 20 يوما على العملية، كان بشير في حالة ميؤس منها. آلام مبرحة متواصلة، تدهور في البصر، وصولا الى انطفاء النور في العينين... و"الضياع كلي". في عتمة الايام، لم يكن يتوقع ان مصادفة ستضع في طريق شقيقته الباكية ميراي، المحامي ابو حمد وزوجته حسنة، وستقوده الى مواجهة محقة: معركة قضائية. القرار اتُّخذ. وفي حزيران 2011، قدّم ابو حمد، باسم موكله بشير كامل، شكوى مباشرة امام القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا. واستعد للمحاكمة بملف محكم طبيا وقانونيا.

تحرّى، ناور، حقق، "استجوب"، اجرى ابحاثا طبية مكثفة، وثّق استشارات طبية، كي يثبت في ملفه الاخطاء الطبية التي وقع وكيله ضحيتها: سوء تقدير الحالة الطبية قبل العملية، العدسات اللاصقة الحساس تجاهها، والافراط في استخدام قطرات موضعية، منها الـCebesine التي "تحظر على المرضى الذين يخضعون للجراحة بالليزر اكسيمر، لانها تؤخّر شفاء القرنية، وقد تؤدي الى تليّف قرني سطحي او عميق يتسبب احياناً بفقدان البصر الذي لا رجعة فيه"(*).

فقدان البصر... اسوأ المخاوف. وحصل. "خلال نحو 7 اشهر، انطفأ النور كليا في عيني"، يتذكر بشير. الظلمة صارت واقعه، ولم يعطه الاطباء اي امل في استعادة بصره، حتى لو سافر الى الخارج للعلاج. "كنت معلقا في حبال الهواء"، يتذكر. "تعصيب" الى حد اليأس. السيجارة رفيقة شفتيه في الايام العادية مُنعت عنه، وايضا ادوية تخفيف الوجع. "موجوع، ومنعوا عني حتى البكاء. لم استطع ان ابكي، او ان اتناول دواء لتخفيف الوجع، او ان "افش خلقي بمجة سيجارة"... كل هذا عدا ادوية الاعصاب التي اضطرت الى تناولها".

 

حالته الحرجة استوجبت اخضاعه لعلميات اخرى تصحيحية، بلغ مجموعها 6. "حسّنت نظري قدر الامكان، بعدما كان تردى الى الصفر"، يقول. كان المراد بها ابعاد شبح زرع القرنية عنه قليلا، لكنها لم تطرده كليا. "رغم التصحيح، فان فقدان البصر الذي لا رجعة فيه هو بنسبة 40% في العين اليُمنى، و50% في اليسرى. وفي حال تعذر التصحيح، قد يضطر المريض الى اجراء عملية جراحية لزرع القرنيتين(*). الزرع هو خشية بشير الكبرى حاليا، "لان نتيجته ليست مضمونة اطلاقا، ولا احد يشجعني عليها نظرا الى دقة وضعي".

 

النصرة لبشير
بعد 3 اعوام على بدء المحاكمة، اتخذت المحكمة قرارها بدعوى بشير كامل في 8 تشرين الاول 2015: ادانة طبيبين مدعى عليهما بوضوح. الحكم جريء من 17 صفحة للقاضية المنفردة الجزائية في بعبدا سمرندا نصار، وفيه ان "المحكمة ادانت المدعى عليهما بجنحة المادة 565، فقرتها الاولى من قانون العقوبات، معطوفة على المادتين 30/2 و18 من قانون الآداب الطبية، وبحبس كل منهما شهرين، مع وقف تنفيذ عقوبة الحبس في حال دفع الالزامات المدنية في مهلة شهر واحد من تاريخ صيرورة هذا الحكم مبرماً". والزمتهما ايضا المحكمة "دفع مبلغ 150 مليون ل.ل لبشير إدمون كامل، كتعويض عن العطل والضرر، وبرد طلب الحكم له بالفائدة القانونية، مع تدريكهما نفقات المحاكمة".

حكم القاضية نصار فريد، اذ من النادر جدا كسب قضية ضد اي طبيب في لبنان. عبرته ان القانون اقوى من حصانة اي شخص، اكان طبيبا ام سياسيا، خصوصا مع فريق ادعاء يتمتع بالجدارة المهنية والتصميم. "صحيح ان العطل دائم في عيني، لكنني اريد ان تكون معاناتي عبرة لغيري، فيتنبه الناس جيدا قبل الخضوع لاي عملية، ولا يخشون رفع دعوى امام القضاء، عند وقوعهم ضحية خطأ طبي"، يقول بشير.

النصرة له، لكن العبء الذي يحمله كبير، نظرا الى الحالة التي اوصلته اليها العملية المشؤومة، مع مصاريف طبية هائلة. "لا احد يستطيع ان يرد لي حقي. وحقي هو عيني"، يقول. العمل تبخر، والنظر مشوّش حاليا، مع وجوب الاستعانة بنظارات سوداء للحماية من الضوء. استعادة النظر بالكامل، يبقى حلمه. صح، خسر كل شيء، لكنه وجد صديقا. "ابو حمد اكثر من شقيق بالنسبة اليّ. وقف الى جانبي من اول الطريق، وتكبد الكثير من اجلي، ولا يزال". انسانية ابو حمد تثلج قلبه. لا يزال في لبنان اصحاب قلوب كبيرة، وسلاحهم "الانسانية والتصميم وعدم الخوف".

 

(*) الحكم الصادر عن القاضية المنفردة الجزائية في بعبدا سمرندا نصار في موضوع بشير كامل.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard