التدخل الروسي في سوريا: عندما يتشابك التاريخ والدين والنفط والمصالح السياسية!

25 تشرين الأول 2015 | 20:24

المصدر: "النهار"

لا يختلف إثنان على أن التدخل الروسي في الحرب السورية سيشكل نقطة تحول في مجريات الصراع وفي موازين القوى الدولية والإقليمية. غنيٌ عن القول أيضاً إن أحد أبرز أسباب هذا التدخل هو التخبط الغربي عموماً والأميركي خصوصاً حيال الأزمة السورية!


فالرئيس الأميركي باراك أوباما كرر عشرات المرات ضرورة، لا بل حتمية، رحيل الرئيس السوري بشار الأسد لكنه لم يرسم مع إدارته السياسات الكفيلة تحقيق ذلك ولم يتخذ أياً من الخطوات العملية التي تساعد على تحقيق هذا الأمر. وهو أبقى المواقف الأميركية منضبطة تحت سقف عدم التفكير في التدخل العسكري على خلفية محاولته التخلص من إرث سلفه الرئيس جورج بوش الذي خاض حربي أفغانستان والعراق وكانت نتائجهما كارثية على السياسة الأميركية برمتها وليس فقط على آسيا الوسطى والشرق الأوسط والمنطقة العربية.


أوباما، للتذكير أيضاً، سبق أن حذّر من إستخدام السلاح الكيميائي في سوريا واكتفى، بعد حصول ذلك، بعقد صفقة مع موسكو لإخراجه من سوريا، مقدماً من خلال هذه الخطوة خدمة مجانية لحليفته الإستراتيجية إسرائيل التي تتفرج على السقوط السوري المريع بفرح وغبطة وإهتمام! كل هذه العوامل ساعدت على أن تدخل موسكو على خط ملء الفراغ السياسي والعسكري والإستراتيجي ولا سيما أن النظام السوري هو من أبرز حلفائها في الشرق الأوسط بعد إسقاط نظام معمر القذافي في ليبيا من دون التشاور معها، وإسقاط نظام صدام حسين قبل ذلك. معلوم أن تلك الأنظمة الثلاثة (حافظ الأسد، معمر القذافي، وصدام حسين) شكلت المثلث الإستراتيجي لروسيا (وقبله الإتحاد السوفياتي) في المنطقة العربية والشرق الأوسط.
مع إنطلاق المقاتلات الروسية إلى الأجواء السورية ومباشرتها القصف الجوي (الذي كانت باشرته واشنطن والتحالف العربي منذ أشهر من دون جدوى في ما يتعلق بإضعاف تنظيم "الدولة الاسلامية")، توالت التحليلات حول الإستعادة التاريخية للدور الروسي في الشرق الأوسط. لعل المحطة الأبرز كانت إحتلال بيروت في 1772 وما تلاها من حوادث سياسية وعسكرية.


لكن الأهم من التوصيف العسكري لمجريات التطورات هو البحث في الخلفيات الفكرية والنظرية التي يتحرك الكرملين من خلالها والتي ترتكز على إعتبار موسكو حامية الأرثوذكسية المسيحية في الشرق التي تجاهر بأنها ورثتها من سقوط القسطنطينية في العام 1435. لذلك، فإن المنظور "القيصري" الروسي هو ذاك الذي يقدم نفسه على أنه حامي المسيحيين في البلقان والعالم العربي والمناطق المقدسة في فلسطين المحتلة، ومن تلك الزاوية يمكن تحليل وفهم الحرب التي خاضتها كاترين مع العثمانيين في العام 1768. وانتهت بمغادرة الروس المنطقة في العام 1774 بعدما تخلت موسكو عن حلفائها السوريين آنذاك مقابل تنازلات عثمانية في القرم وأوكرانيا.
هذه الواقعة التاريخية تماثل جانباً من الواقع الدولي اليوم حيث توترت العلاقات الدولية بعد أزمة أوكرانيا وشبه جزيرة القرم. اليوم، تعيد موسكو تدخلها في الشرق الوسط من خلال الحرب السورية لتحصل على تنازلات ما في مكانٍ ما، ومن غير المستبعد أن تتخلى مرة جديدة عن أولوياتها الراهنة تحقيقاً لمصالحها في مواقع أخرى.


إن هذه النظرة القيصرية الروسية كانت عبّرت عن ذاتها أيضاً خلال الحرب العالمية الأولى ولا سيما مع اجتياح القوات الروسية آنذاك المناطق الإيرانية والعراق الذي كان تحت السيطرة العثمانية ووصلت إلى مشارف بغداد. وفي العام 1916، شارك وزير الخارجية الروسي سيرغي سميرنوف (في عهد القيصر نيكولاس الثاني) بفاعلية في محادثات مارك سايكس وفرنسوا بيكو لتقسيم الشرق. وكانت الحصة الروسية آنذاك تضم اسطنبول وأجزاء من تركيا، كردستان وقسما من القدس مقابل سوريا ولبنان لفرنسا والعراق وفلسطين والأردن لبريطانيا، لكن الثورة البولشفية أطاحت الأمبراطورية القيصرية وأحلامها وخططها للمنطقة.
الخلاصة أنه ليس المطلوب إعادة تنشيط الذاكرة التاريخية بهدف إعادة سرد الوقائع بقدر ما المطلوب البحث في تلك الحقائق التاريخية لإستخلاص أبرز الأهداف الروسية من هذه الحملة العسكرية على الشرق ولا سيما أن الرئيس الروسي بحاجة دائمة لتظهير صورته داخلياً على أنه الزعيم الدولي القادر على مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا والغرب عموماً، وفي ذلك أيضاً يغطي على حال القمع التي يمارسها نظامه ضد الشعب السوري من خلال إسكات المعارضة والتعرض للصحافيين.


منذ أعوام قليلية، وتحديداً في العام 2008 صدر كتاب للباحث إدوارد لوكاس عنوانه "الحرب الباردة الجديدة: كيف يخدع الكرملين روسيا والغرب؟". يروي الكاتب تفاصيل صعود الضابط الإستخباراتي فلاديمير بوتين إلى رأس السلطة في موسكو وكيف قبض جهاز الإستخبارات الروسي (KGB) على أبرز مفاصلها شارحاً "القيصرية الجديدة" والحسابات الروسية لناحية المال والنفط والغاز ودور هذه الحسابات في علاقاتها الدولية.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فهل يمكن تناسي واقعة أن حافظ الأسد نفسه تلقى تدريبه العسكري في موسكو وهو الذي منحها قاعدة طرطوس عند توليه الحكم؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard