قرر إنهاء حياته بيده... لكن لماذا؟

19 تشرين الأول 2015 | 17:39

المصدر: "النهار"

يتخذون أصعب القرارات، يضحون بأغلى ما يملكون يرمون بأنفسهم إلى المجهول ويرحلون. هم في نظر العلم مرضى نفسيون وفي نظر الدين ضعيفو الايمان، وفي الحالتين هم منبوذون من مجتمع ينظر الى الانتحار على أنه جريمة وإلى من يقدم عليه على أنه " كافر أو مجنون"، لكن في الحقيقة ووفق غالبية مقاربات علم النفس لا يصل الانسان الى سلوك هذا الطريق الا بعد يأسه من حياته ونزف دموعه فيعمل على وقف معانته بقرار قد يعتبره البعض جريئاً والبعض الآخر يراه صادراً عن عقل مريض.

نيكول عساف، حسن جابر، ايلي لحود، رامي كيروز، أحمد منانا وغيرهم كثيرون، أسماء سلّط الضوء عليها في الآونة الأخيرة بسبب الوفاة غير الطبيعية. منهم من وقع من شرفة مبنى أو مستشفى، ومنهم من أوصلته رصاصة الى العالم الآخر. منهم من عُرف الدافع لوفاته ومنهم من رحلوا وسرهم ملكهم. اصابع الاتهام وجهت بداية الى المتوفي بأنه أقدم على قتل نفسه لكن أكثرية الأهل يرفضون هذه الفكرة ويصرون على اجراء تحقيقات دقيقة واضعين علامات استفهام حول ما حصل مصرين على أن أولادهم لا يمكن أن يرتكبوا هكذا "جريمة"، ليبقى الأكيد ان نسبة الانتحار ارتفعت في اذ لا يكاد يمرّ أسبوع من دون ان نسمع بمثل هكذا خبر.
كيف ينظر علم النفس الى الانتحار؟ وما حكم هكذا خطوة في الديانتين الاسلامية والمسيحية؟

 

أسباب عدّة
في السابق كنا نسمع عن الانتحار لأسباب اقتصادية لكن بين من أقدموا على الانتحار في الأشهر الاخيرة اشخاص مرتاحون مادياً، فما هي الاسباب التي أدّت الى تغلّب فكرة الموت على غريزة البقاء؟

يستعرض دكتور علم النفس العيادي نبيل خوري عدداً من الأسباب المؤدية الى الانتحار، ففي الاسباب الاجتماعية النفسية هناك أدوار بارزة " للعائلة المفككة وحالات الطلاق والانفصال والتسلط والاخفاق العاطفي من الأب المتسلط، وهناك حالة سوء التواصل بين الأب والأم من جهة والأولاد من جهة ثانية".

ويركز خوري على مشاكل الطفولة التي يجب ان لا تهمل، فعوامل كالتعيير والسخرية في الصفوف الابتدائية وفي الصفوف المتوسطة والثانوية تخلق عند الانسان مركبات نقص وعقد نفسية الى حد أنه يخشى من المجتمع وما يخبئه له وبالتالي يفضل عدم المواجهة فينسحب ويتقوقع بالحد الادنى وينهي حياته بالحد الأقصى".

 

المنظومة الكاملة

ويغوص خوري في فكرة ان "الانتحار منظومة متكاملة يجب ألا تؤخذ بسطحية وألا يُنظر اليها وكأنها ظاهرة مجتمعية سخيفة لا تستحق أن نتوقف عندها"، مضيفاً ان "الأسباب الموجبة للانتحار في مجتمع مكتظ تكنولوجياً، وتفوّق على ذاته في عالم الروبوتات الذي أزعج منسوباً عالياً من المواصفات الانسانية التي نسعى لتكاملها في نمو شخصية الانسان وبلورة ثقافته في فترات الطفولة والمراهقة، إلى حد أنه وصل إلى درجة أصبح عبداً بالحد الأقصى أو مدمناً بالحد الأدنى للتكنولوجيا الحديثة التي اجتاحته، وبالتالي حدث خللٌ ما بين تركيبته الهرمونية العضوية اي هرمونات الدماغ واحتياجات المجتمع، من زواية اذا تمكن من مواكبة احتياجات العصر تكنولوجياً يعتبر من البشر الناجحين، واذا لم يتمكن من مواكبة هذه الظاهرة يصنف من البشر الفاشلين، ما ينعكس سلباً على نفسيته وعلى ادائه الانساني والاجتماعي، وقد يوصله الى الاضطرابات العصابية او الذهانية".

 

بين "الجبن والشجاعة"
ويرى الخوري ان " الأسباب المذكورة هي من العوامل التي تؤدّي إلى حالة كراهية الحياة وعندما نكره حياتنا نسعى بكل الوسائل المتاحة إلى الخلاص منها إما عن طريق الانزواء أو انهائها بشكل فعلي وهذا يتطلب حالة أساسية يختلف عليها العلماء، فهناك من يقول #الانتحار هو فعل جبن وخوف من مجابهة معترك الحياة، وهناك من يقول انه يقوم على مبدأ شجاعة كبيرة متناهية"، وفي المحصلة "كل حديث عن الانتحار يجب ان يؤخذ بجدية، وكل من يقول إنه سينتحر وإن كان من باب التمثيل أو من باب استدرار العاطفة يجب أن يؤخذ على محمل الجد، وألا يهمل ويساعد".

 

طريق الخلاص
العلاج النفسي هو المحطة الأولى والأسلم بحسب خوري لتفادي الوصول الى هذه الخطوة فـ"عدد كبير من الحالات تحتاج لمواكبة علاجية بأدوية خاصة يصفها الطبيب النفسي هدفها إلغاء حالة الاكتئاب أو على الأقل تطبيع العلاقة مع الاحباط، تمهيداً لإضعافه وإعطاء الشخص حوافز لحياة أفضل ونظرة الى الامور بشكل ايجابي أكثر مما هو سلبي. المزج بين علاج الادوية التي يصفها الطبيب والعلاج النفسي الذي يتولاه اختصاصي علم النفس العيادي هو الحل الانسب وعدم الاهمال هو المحطة الأولى".

 

دراسة حول الانتحار

وكانت منسقة الدعم للصحة العقلية في الجامعة الاميركية في بيروت فرح يحيى تحدثت في وقت سابق لـ" النهار" عن حملة "أكيد رح فيق" التي اطلقها العام الماضي صندوق "امبرايس" مع وزارة الصحة، وقالت "في السابق لم نكن ندرك حجم المشكلة وعدد حالات الانتحار، فأعد القسم الطبي دراسة استند فيها إلى محاضر قوى الامن الداخلي التي تسجل حالات الوفيات من طريق الانتحار، وحصلنا على ارقام منذ العام 2008 الى عام 2014، فتبين اننا في العام الواحد نفقد نحو 120 شخصا بسبب الانتحار معظمهم رجال (مقابل كل رجلين تنتحر امرأة) وهذا يعني انتحار شخص كل 3 ايام. ويستخدم الرجال وسائل عنيفة للانتحار مثل السلاح اولاً يليه الشنق، لذلك ينجحون اكثر في محاولاتهم، اما النساء فيخترن وسائل اقل عنفا مثل المواد السامة او الادوية المخدرة، وهناك 90 في المئة من حالات الانتحار تكون بسبب الامراض النفسية". فيما اعتبرت الاختصاصية في علم النفس العيادي الدكتورة ميرنا غناجة، ان الانتحار هو " انهاء الحياة لأن المريض وصل الى مرحلة اكتئاب شديدة، واصبح غير قادر على اعطاء معنى لحياته، وغالبا ما يكون وحيدا، فالانتحار قد يكون لحظة واحدة تمرّ على الشخص وهو بمفرده ويعاني حالة يأس شديد". وابرز النصائح للوقاية من الانتحار هو ان يكون الشخص "محاطا بمحبيه، ومن يعتني به، لأن المحيط مهم جدا، وكذلك دور العائلة والاصحاب، ومن الضروري المتابعة الصحية والنفسية مع طبيب نفسي ومعالج نفسي لاعطائه العلاجات المناسبة، وكذلك متابعته على الصعيد النفسي".

 

 

المسيحية: موضوع شائك
في الدين المسيحي يعتبر " الانتحار موضوعاً شائكاً كونه ينطلق من ثلاث طرق للتعاطي مع الموضوع، التعاطي الحقوقي والانساني والرعائي "، بحسب الاب جورج برباري الذي قال: "فيما يتعلق بالتعاطي الحقوقي لا نتسامح مع الانتحار لأنّنا بذلك نفتح مجالاً لكل انسان مزعوج من أمر ما ان يلجأ الى هذا الهروب. الاعتبار الثاني هو الانساني الذي ينطلق من شخصية الانسان المنتحر. فغالباً يقول العلم الحديث ان الانسان الذي يصل الى هذه المرحلة يكون في حالة يأس قصوى وهذا الشيء لا يرتبط بحرية الارادة لديه، يكون في كآبة شديدة تؤدي الى هذا الحل، لذلك ننظر الى الموقف بإنسانية ونتعاطى معه برحمة".

التعاطي الثالث مع الموضوع بحسب برباري من الناحية الرعائية، فـ"الكنيسة ترعى محيط الشخص المنتحر، وعندما ينتحر شخصٌ ما، يتألم المحيط ضعفاً، فهناك اولا خسارة حبيب بحاجة إلى ان يبقى بينهم، الالم الثاني ينبع من نظرة المجتمع التي تحاول جرح المحيط بنظرة دونية لأهل المنتحر، وتحاول الكنيسة ان تخفف من الألمين الموجودين لدى الاهل، لذلك نصلي حالياً على المنتحر بعدما كان الأمر مرفوضاً ونرميه برحمة الله ونقول لا نستطيع ان ندين انسانًا، فإن لديه من يدينه ويديننا أيضا".

 

الاسلام: شروط تعجيزية
يعتبر قتل النفس في الاسلام قتلاً لجميع الانفس بحسب المدير العام السابق للاوقاف الاسلامية الشيخ هشام خليفة الذي لفت إلى أن " الله يقول في القرآن "ومن قتلها بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا" وهذا يطبق على قتل الآخر وعلى قتل النفس تحت حجج واعتبارات لا دعم لها في الشرع والدين".
ويقول ان "الانتحار محرم في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي الشريف وبإجماع الأمة شارحاً: "هو من الكبائر التي يعاقب عليها الشرع في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا في حال أنه لم يمت بانتحاره فللحاكم أن يُعذره اي يؤدبه بالعقوبات التي يرتئيها، واما عقابه في الآخرة كما ورد فانه يبقى يقتل نفسه بنفس الاسلوب الذي قتل نفسه به في الدنيا زيادة في العذاب إلى ما شاء الله، وهذا من أشد انواع العقاب والعذاب لمن يتجرأ ويزهق روحه التي هي ملك الله، وليست ملكاً لانسان ليتصرف بها كيفما يشاء".


ويضيف ان "المنتحر في الأصل يدل على أنه قد رفض حكم الله وقضاءه وقدره، هذا ان كان انتحاره نتيجة يأس أو معاناة من أمر من أمور الدنيا، لذلك لا يصلى عليه عند جميع المذاهب الا الاحناف اعتبروه جناً فانتحر، أما ظاهرة الانتحار بحجة انها باب من ابواب الشهادة فهذا ايضا لا يجوز بإجماع الأمة الا باستثناء واحد فقط، وهو أن يكون ذلك بقرار من حاكم عادل، عاقل، عالم، مع اتخاذ هذا القرار بناء على فتوى من المرجعيات التي تجيز ذلك استثنائياً في مواجهة العدو المجمع على عدائه وليس العدو المزاجي اي التابع لآراء فئات ترى الآخر هو العدو، بل عدو كالعدو الصهيوني حيث هناك اجماع على عداوته، بالتالي ضن هذه الشروط وبشرط آخر ألا يؤدي هذا الانتحار الى قتل الأبرياء والآمنين والكبار والصغار والنساء وألا يؤدي الى الاضرار بالممتلكات، اذا هي حالات مقيّدة بشروط شبه تعجيزية".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard