ليلة تحوّل والداه شبحَين أمام عينيه في غرفة الجلوس

19 تشرين الأول 2015 | 13:10

الجوّ هادئ. عاد الطفل من #المدرسة وانصرف الى إتمام واجباته المدرسيّة. يحلّ المساء باكراً، فيكسر السكينة. يبدأ الخلاف بين الأب والأم بكلمة، او بحركةٍ استفزازيّة. السبب قد يكون وجيهاً، أو أنه يختصر بالمزاجيّة التي تحبّذ أحد أفراد العائلة على إطلاق العنان لعنفٍ كلاميٍّ أو جسديّ. "بدّي أعمل مشكل"، عبارةٌ لاواعية يدفع ثمنها الأولاد الذين ينتقلون من حلّ معادلةٍ حسابيّة، الى دور الحَكَم بين والدين أضحا شبحين. هي كوابيسٌ حقيقيّة، تتحوّل الى أحلام ليليّة مزعجة. حيث يخال الطفل أنَّ شبح والده سيخطف أمّه حتماً هذه الليلة. يطلع الفجر، فيستفيق الجميع كأن شيئاً لم يكن. أما هو، فسيكون على موعدٍ متقطّعٍ مع الأشباح... كلّما جاء في بال مؤسّس العائلة أن يصرخ بصوتٍ عالٍ. المشكلة الحقيقية تكمن في تجذّر هذه الحالات بشكلٍ هائل في المجتمع اللبناني، حيث إن 90% من الأولاد يشهدون على شجارات أهلهم، نتيجة حصولها بعد عودة الوالدين من العمل تزامناً مع انتهاء الدوام المدرسي.

 

30 الى 60% من الأولاد يتأثّرون

نقل موقع safe horizon الأميركي وفقاً لدراسة أجرتها وزارة الخارجيّة الأميركيّة للإسكان والتطوير الحضري أن #العنف_المنزلي يعتبر العنصر الثالث الذي يساهم في تشريد الأسر، إذ إن واحدة من أصل 4 نساء سوف تشهد العنف المنزلي خلال حياتها. وأشار الموقع الى أن 60% من حوادث العنف المشاحنات الزوجيّة تجري في المنزل بين الساعة 6 مساءً وحتى السادسة صباحاً، أي أثناء وجود الأولاد في البيت بعد عودتهم من المدرسة. وأضافت الدراسة أن النساء اللواتي تراوح أعمارهنّ بين 18 و 34 سنة هنّ الأكثر عرضةً لخطر الوقوع ضحايا للعنف المنزلي، حيث إنّ أكثر من 4 ملايين مرأة سنوياً يعانين من العنف المنزلي على أيدي شركائهن. وفي الإطار نفسه، تلفت الدراسة الى أن أكثر من 3 ملايين طفل يشهدون العنف المنزلي في منازلهم كلّ عام، كما أن 30 الى 60% من الأولاد الذين يترعرون في ظلّ أجواء عائليّة سيّئة، يعانون هم أيضاً سوء المعاملة والإهمال.

أشباح وكوابيس ليليّة

غالباً ما يقنع الطفل نفسه أن تلك المشاكل العائليّة لا وجود لها، لأنّه لا يريد أن يصدّق ما يجري. تلك المعادلة، هي أولى الانعاكاسات التي يتلقّاها نتيجة العنف الأسري. فيؤكّد الاختصاصي في مشاكل النوم، الدكتور جورج جوفيليكيان، ان "الولد حين يشهد حالاتٍ كهذه، يخاف على أمّه لكّنه لا يستطيع التدخّل لأنه يخال نفسه السبب في النزاع، ويحمّل نفسه المسؤوليّة. لذلك، يتظاهر أنه نائم، وهو في الواقع مستيقظ وخائف ما ينتج لديه مشكلة التبوّل الليلي". ويشير الى ان "تلك الأحداث سترمي بثقلها على حياته الليليّة، حين تراوده كوابيس وأحلام مخيفة مبهمة، فيصرخ ويبكي أثناء النوم ويستيقظ لاحتضان أمّه من شدّة الرهبة". وفي تشخيصٍ دقيق للكوابيس التي تراود الأطفال في هذه الحالة، يقول: "الحلم يأتي في غالب الأحيان على هيئة حدثٍ إجراميّ تقع خلاله أعمال عنفيّةٌ مخيفة، في اطارٍ شبيهٍ لمشاهد العنف الأسري الذي يشاهدها، وهي نتيجة حتميّة لما شهده من مشاحنات قبل نومه".
وحول التأثيرات الجسديّة التي تصيبه نتيجة التأخر في توقيت الخلود الى الفراش، يلفت الى ان "هذا المشهد سيؤدّي الى التأخّر في التحصيل العلمي وانعكاسات على الصحّة الجسديّة. الاطفال والمراهقون هم أكثر حاجةً الى النوم، حيث يراوح عدد الساعات المرجوّ بين 9 و12 ساعة في اليوم الواحد لدى المراهق، في حين أن صغار السن يحتاجون إلى ساعاتٍ اضافيّة أيضاً".

قلقٌ مدى الحياة

لو أن انعكاسات العنف الأسري على #الأطفال تنحصر بليلةٍ واحدة، لكانت المشكلة أقلّ ظلاميّة. الا ان الضريبة التي يدفعها الأطفال في هذا السياق تكون مدى الحياة، وتتجلى أولى ملامحها على مقاعد الدراسة. فتشير المعالجة النفسيّة، الدكتورة غانيا كبّارة، الى ان "الأطفال الذين يأتون من بيئة مضطّربة يعانون أداءً أكاديمياً ضعيفاً في المدرسة، وربما ينخرطون في سلوكياتٍ سيئة، وغالباً ما تنعكس آلامهم في تصرّفاتٍ عدوانية". وتلاحظ أن "الكثير من الأطفال الذين لديهم مشاكل في التأقلم يأتون من بيئة منزلية عنيفة". وتلخّص المعالجة النفسيّة الدكتورة أنيتا توتيكيان الأبعاد النفسيّة التي تنتج من مشاهدة الولد أحداث عراكٍ جسديّة وكلاميّة بين والديه بالتالي: "سيفقد الطفل الثقة بكلّ ما يدور حوله وسيتملّكه القلق مدى الحياة. المشكلة الأساسيّة تكمن أن العنصر الذي يمكن أن يلجأ اليه كي يحمي نفسه، هو ذاته الذي يفقده الشعور بالأمان، ما يرمي بثقلٍ كبير حول امكانيّة ايجاد حلول".

"كيف يحمي الطفل نفسه إذاً؟ وكيف تستطيع الأم المعنّفة حمايته من مشهد العراك اللئيم؟". سؤالٌ طرحناه على الدكتورة توتيكيان التي تعتبر ان خطوات كثيرة يمكنها قلب المعادلة لصالح تفادي الاولاد لمشاهد العنف الأسريّ من خلال:

• على الولد أن يكسر حاجز الخوف ويخبر المرشدة النفسيّة والمعلّمة في مدرسته بمظاهر العنف التي يشاهدها في المنزل. بهذه الطريقة سيتمكّن من مشاركة قلقه مع عنصرٍ إضافي، يخفّف الحمل عنه ويسقط نظريّة مسؤوليّته في ما يجري، بعد إقناعه أنّه ليس سبباً في تلك المشاكل.

• تعمد الأم أحياناً الى إخفاء ما يحصل معها عن أولادها. تعتبر تلك الاستراتيجيّة جيّدة رغم صغر نطاق المنزل. الا انه، في حال كان يعلم بما يجري دون علمها، من الأجدر لها مصارحته أن لا علاقة له بالمشكلة ولن تؤذيه.

• دور الأقارب قد يكون فعّالاً من خلال احساسه بالأمان ومشاركته هواجسه للتخفيف منها.

• دور الجمعيّات الأهليّة ومؤسّسات حماية النساء كبير، حيث يمكن لها أن تجد خلاصاً للأم والطفل على حدٍّ سواء.

في زواج الاولاد مستقبلاً

سؤالٌ يطرح نفسه: "ماذا في مستقبل نظرة الولد الى #المؤسّسة_الزوجيّة؟ كيف سيعامل أبناءه وزوجته؟". تؤكّد الدكتورة كبّارة ان "الأفراد الذين يأتون من خلفية العنف المنزلي، يميلون إلى مواجهة صعوبات مع شركائهم تعيقهم من بناء أسرة صالحة. الأجواء التي عايشوها في صغرهم تدفعهم نحو تكرار السيناريو نفسه مع عائلتهم الجديدة. الشعور بالذنب والإيذاء قد يختلجهم ما يؤثر سلبا على العلاقة مع شريكتهم".

من ناحية أخرى، تعتبر الدكتورة في علم النفس التربوي مي مارون ان "الطفل عادةً ينظر الى أبيه كقدوة، خصوصاً اذا ما وجده العنصر المنتج في المنزل. رغم مشاهد العنف التي يراها، الا انه لن يكره أباه، بل سيعيش ضمن ازدواجيّةٍ بين الكره والمحبّة في آن. عند زواج الأبناء، الصورة تتأرجح بين تكرار مشهد العنف الذي تلقّنه دون وعيه من والده، او قد تساهم صعوبة مرحلة طفولته في تنشئة اولاده المستقبليين وفق مبدأ الصداقة والحوار والتفاهم التام، إضافةً الى تدليل الزوجة واعطائها الحنان الذي كان يفتقده في صغره".


لا شكّ في أن مشكلة العنف الأسري وانعكاساتها على الأطفال اجتماعياً ونفسياً، ظاهرة عالمية التوجّه. في ظلّ #التطور_التكنولوجي، اتخذت هذه الظاهرة بعداً أكثر سهولة. في حال قرّرت المرأة المواجهة، يكفي بها أن تتصل بإحدى المؤسّسات التي قد تضمن حمايتها. الطفل يمكن له السير في قارب الأمان نفسه. لكنّ المعضلة تكمن في حال كان العراك على شكل "غنج"، ينصرف بعده الأبوين الى صلحةٍ بعيدة من أعين طفلهم... حينها يصحّ بهما حقاً صفة "الأشباح".

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard