فرنسز ماكدورمند تتذكّر وجويل كووين تجربتهما: قال لي "خذي السكّين واطعنيه"

18 تشرين الأول 2015 | 20:11

المصدر: "النهار"

من اللقاءات الساحرة في مهرجان روما السينمائي (١٦ - ٢٤ الجاري) الذي تبنّى مرة جديدة في مناسبة دورته العاشرة تسمية "عيد" (هكذا كان بدأ العام ٢٠٠٦)، لقاء الجمهور العريض بالزوجين السينمائيَيْن الأميركيَيْن جويل كووين وفرنسز ماكدورمند. منذ ٣١ سنة يعملان معاً، بتواطؤ وشراكة وتضامن يندر العثور عليها في الأزمنة الحديثة، وهذا ما أكدّه لنا حديثهما الذي شمل كلّ أشكال التعاون بينهما. طوال ساعة ونصف الساعة، مدة اللقاء مع السينيفيليين الرومانيين الذين ملأوا صالة "سينوبولي" بالكامل، تناول الزوجان العلاقة التي ربطتهما طولاً وعرضاً، من دون التأخر كثيراً عند الشؤون الشخصية. روت ماكدورمند البالغة الثامنة والخمسين من العمر (مواليد شيكاغو)، كيف تعرّفت إلى جويل كووين العام ١٩٨٤ (وهو أكبر الأخوين السينمائيين عمراً)، يوم كان يستعدّ لتصوير باكورته الروائية، "دم بسيط". آنذاك، كان الأخوان يبحثان بلا جدوى عن ممثلة تضطلع بدور آبي، زوجة رجل من تكساس يتّهمها بالخيانة فيكلّف تحرياً خاصاً لمراقبة تحركاتها. أراد جويل وايثان إسناد الدور الى الممثلة هولي هانتر، الى أن أطلّت عليهما فرنسز ذات يوم فجأة للمشاركة في الكاستينغ.

 

بدمّها الخفيف وميلها الى الدعابة، تذكّرت ماكدورمند كيف حصلت على الدور الذي كان من المفترض أن تحظى به هانتر، وكيف أنّ الممثلتين تشاركتا في هاتيك الأيام شقة واحدة في نيويورك: "عندما وصلتُ الى المكان، كانا يدخّنان سيجارة تلو أخرى. أعطياني بعض المَشاهد لأمثّلها. ثم طلبا مني العودة في الساعة الثانية بعد الظهر، فقلتُ لهما إنني لا استطيع، لأن صديقي يشارك في تصوير مسلسل، وعليّ أن أكون برفقته. لاحقاً، علمتُ من جويل إنه بسبب قولي "لا"، برز عنده اهتمام تجاهي، فأراد اسنادي الدور. اصراري كشف أيضاً كم أنا مخلصة تجاه مَن أحبّ".

عرفت السينما عبر التاريخ العديد من الأزواج الذين بدأت حكايتهم في السينما قبل أن تنتقل الى الحياة المشتركة تحت سقف واحد. من هؤلاء: برغمان / روسيلليني، رولاندز / كاسافيتيس، آردان / تروفو، كارينا / غودار، مسّينا / فيلليني، بونهام كارتر / برتون، إلخ. استرجع اللقاء مقاطع من الأفلام التي جمعت الزوجين، هو خلف الكاميرا مع شقيقه ايثان، وهي قبالتها، وبلغ عددها الى اليوم ثمانية أعمال، لعلّ أشهرها وأهمّها دور الشرطية الحامل التي اضطلعت به فرنسز في "فارغو" العام ١٩٩٦ ونالت عنه جائزة "أوسكار" أفضل ممثلة. أمام هذا الفيض من الصور التي اجتاحته فجأة، صرّح جويل إنه نادراً ما يعود الى أفلامه السابقة، بيد أنّه حاول مشاهدة "دمّ بسيط" قبل بضع سنوات، ووجد أنه لا بأس به. فهو تعلّم منه الكثير، على حدّ تعبيره، خصوصاً في ما يختصّ بالمونتاج. وختم جويل رأيه بالفيلم قائلاً: "اليوم، قد اقتطع منه خمس دقائق". هذا التصريح استفزّ فرنسز، فتوجّهت إليه بالقول إنه شاهد "أو براذر" قبل فترة وجيزة، وكان راضياً عنه. عموماً، يقول كووين إنّه لا يمانع إعادة إخراج "دمّ بسيط"، في حين لا تخفي فرنسز إنّه تستهويها فكرة أن تؤدي الدور مجدداً، وبطريقة مختلفة هذه المرة.

في سياق الحديث عن سيرتها، أصرّت فرنسز، المتخرجة من مدرسة "يال" للتمثيل، على القول إنها تحمل شهادة من معهد الفنون الجميلة، "رغم أنّ أحداً لم يسألها عنها عموماً". كانت تنبغي رؤيتها وهي تقلّد تفاصيل وجهها يوم وقفت للمرة الأولى أمام كاميرا الأخوين. "اقتصرت وظيفتي حينها على عدم القيام بأي شيء". هنا، يتذكّر جويل: "في لحظة من اللحظات، قلتُ لها: خذي السكين واطعني به هذا الرجل. ماذا، ألم يعلموكِ كيف تطعنين رجلاً في معهد التمثيل؟".

انفجرت الصالة ضحكاً، وعندما عاد الكلام إلى فرنسز، اعترفت أنّها لم تكن تعرف شيئاً عن السينما وكانت تجهل ماذا تعني عبارة "بوف" (اختصار لوجهة النظر بالإنكليزية)، وكانت تمثلّ حتى عندما كانت الكاميرا تلتقط يديها فقط. وتعترف فرنسز أنه صعبت عليها العودة الى وظيفتها عاملة صندوق في أحد المتاجر بعدما تعرّت في الفيلم، فاتصلت بجويل مستنجدة به بغية نيل بعض التطمينات، فردّ عليها بالقول: "لن نبيعه كفيلم جنس، سنبيعه كفيلم عنف" (!). "منذ ذلك اليوم"، تقول الممثلة الكبيرة: "بتُّ أثق به، للأفضل والأسوأ".
عندما بدأ جويل كووين ينجز الأفلام، كان جميع مَن يحوط به من المبتدئين، بدءاً من فريق العمل وصولاً الى فرنسز التي تقول: "كنا متحمّسين! مع "دمّ بسيط"، رفعنا جدار الطموح عالياً. عرفنا كيف نطوّع العلاقة التي بيننا في خدمة الفيلم. جويل تعلّم كيف يوّجه التعليمات الى الممثل وأنا تعلّمتُ الإصغاء. عندما عملتُ مع سينمائيين آخرين، كان يسألني دائماً كيف أنجزنا هذا المشهد أو ذاك؟".

عن الممثلة الإيطالية الأسطورة آنّا مانياني، مثالها الأرفع في التمثيل، تقول ماكدورمند: "حضورها على الشاشة يكشف الكثير عن حياتها. هذا الشيء غير متوافر عند الممثلات الأميركيات. أجدها مشوّقة كامرأة. أخيراً، جعلني الانترنت أكتشف بعضاً من أفلامها. ينبغي أن أبحث عن أفلامها هنا في روما. هي أيضاً تأتي من المسرح. أحمل الكثير من العاطفة تجاهها. جسّدت المرأة الرومانية (من روما) مثلما أنا جسدتُ المرأة الأميركية العاملة المكافحة التي تنتمي الى الطبقة الوسطى ولم تنعم يوماً بكلّ المقدرات الاجتماعية (ضحك). حتى عندما أضطلع بدور سيدة أجنبية، تراني أميركية".

مع "فارغو"، ذروة خلطة الـ"جانرات" على الطريقة الكووينية، اكتشفتْ ماكدورمند نزوعها الى الكوميديا: "لم أعتقد قبل ذلك اليوم بأنني أصلح للكوميديا. بيد أنني اكتشفتُ نفسي مع "فارغو". ربما لأنني شاركتُ في كثير من المسرحيات بأدوار درامية". وحكت فرنسز أنّ الفيلم أُنجِز في أجواء عائلية، خصوصاً أنّ حوادثه تجري في مينيسوتّا، مسقط الأخوين كووين. تقول: "للمرة الأولى، كنا ندرك من أين نأتي! كنّا ننتظر مولوداً سأضعه بعد شهرين. كلّ فريق التصوير كان يعرف ذلك. هناك مشهد في الفيلم، يقول زوج شخصية الشرطية التي أجسّدها لزوجته: فقط شهران، شهران فقط. هذا المولود كبر اليوم، انظروا اليه، إنّه هنا في الصالة، سيبلغ الحادية والعشرين بعد بضعة أشهر". هنا، ينهض الابن الشاب الذي يرافق والديه إلى روما من كرسيه والجميع يصفّق له في لحظة مؤثرة.

كلام فرنسز جعل جويل كووين يقول إنّ شريكة حياته ليست الممثلة الوحيدة التي تقوده الى التحليل. فهناك أيضاً أسماء مثل جورج كلوني وجون غودمان وستيف بوتشيمي، كان لها دائماً وقعٌ كبيرٌ على عمله. لهذه المناسبة، كان في جعبة جويل بعض النكات، طلبت إليه فرنسز أن يرويها. فأخبر، من جملة ما أخبره، أنّ براد بتّ كان متردداً قبل أن يقبل المشاركة في فيلم "أحرق بعد القراءة"، من شدّة ما كان يجد الشخصية التي أُسندت إليه غبية. عندما عبّر عن قلقه لجويل، طمأنه الأخير قائلاً إنّ الدور "يناسبه تماماً". أما جورج كلوني، "بطل" الفيلم نفسه، ففي اللحظة التي انتهى فيها من التصوير، صرخ أنّ هذه المرة الأخيرة يقبل أن يكون غبياً في فيلم. "لحسن الحظّ، عاد عن قراره، فعاد إلينا في فيلمنا الجديد "هايل، قيصر!" الذي سيخرج الى الصالات السنة المقبلة.

 

 

 

(الصور لهوفيك حبشيان).

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard