عندما تتواجه السعودية وروسيا...أي حروب في الأفق؟

18 تشرين الأول 2015 | 13:13

المصدر: "النهار"

أثار التوتر السعودي-الروسي الأخير هواجس وأحيا ذكريات اليمة. هواجس من حرب نفطية،وذكريات تعود الى المرة الأخيرة التي دعم فيها الجانبان فريقين متقاتلين في حرب سقط فيها نحو 15 الف جندي سوفياتي وأطلقت العنان لجيل من الجهاديين. جيل مهد لنشوء حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة" ولا يزال بعد أكثر من ثلاثة عقود، بمن فيه ذريته الفتية "الدولة الاسلامية" يضرب في الشرق والغرب.


اللقاء الاخير بين الرئيس الروسي فلاديمير #بوتين وولي العهد السعودي الامير #محمد_ بن_ سلمان عكس عمق الازمة بين الجانبين. عبثاً، حاولت موسكو بعد اللقاء الايحاء بأن السعوديين معجبون بالاداء العسكري الروسي في سوريا، وأن الجانبين يتجهان الى تعاون لمنع اقامة "الخلافة الاسلامية". فالتحذير السعودي لموسكو من "عواقب وخيمة" لتورطها في سوريا جاء ليعكس واقعاً مختلفاً تماماً لا مكان فيه للاعجاب والتعاون.


فيتالي نعومكين، المنسق الروسي لمؤتمر "موسكو 2" كتب في مقال له إن موسكو لم تكن تتوقع من الرياض أن ترد بهذه السلبية على حملتها العسكرية "ضد الجهاديين " في سوريا، نظرا الى أن هؤلاء يهددون أمن المملكة بمقدار ما يهددون أمن روسيا. وفي رأيه أن التعاون الوثيق بين موسكو وطهران "التي لم يكن ممكنا تنفيذ عمليات عسكرية دقيقة من دونها" هو الذي أثار غضب السعودية، وتحديدا المؤسسة الدينية.


كلام كهذا يفترض أن الرياض تبارك التدخل الروسي في سوريا، وأن الدور الايراني تحديدا هو الذي يثير حفيظتها. الواضح أن القيادة الروسية لعبت على هذا الوتر جيدا، خصوصا أنها تدرك حجم الإحباط الخليجي من الموقف الأميركي سواء تعلق الأمر بسوريا أو بإيران وتطلعاتها الى مد نفوذها في المنطقة. وعزز هذه "الفرضية" الوئام الذي ساد العلاقات الروسية-السعودية في الفترة الاخيرة.


فعلى السطح كانت الامور تبدو جيدة بين الجانبين.في تموز الماضي، أعلنت الرياض أنها ستستثمر نحو عشرة مليارات دولار في مشاريع زراعية ودوائية ولوجيستية وعقارية في روسيا.وخلال الصيف ايضاً ، وقع الجانبان اتفاقا للتعاون في الطاقة النووية، ووردت تقارير عن عقود تسلح قريبة. وفي معلومات لمركز الابحاث"أوبسرفاتوار" الروسي-الفرنسي أن الرياض طلبت نحو 950 الية قتالية للمشاة من طراز "بي أن بي" روسية.وفي المقابل، لمحت موسكو الى امكان مناقشة انتاج النفط مع منظمة البلدان المصدرة "أوبيك"، في ما يعد تحولا كبيرا بعدما كانت موسكو ترفض جذريا مناقشة الموضوع مع هذه المنظمة .
وفي الشأن السوري، اضطلعت روسيا بدور في محاولة التقريب بين المملكة والنظام السوري. وتوسطت في لقاءات عقدها رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك في العاصمة السعودية.


هذا على السطح، ولكن في العمق، كانت الحرب الاقتصادية التي تشنها الرياض منذ 2014 برفضها تخفيف المعروض النفطي في الاسواق، تطاول ايران وروسيا على السواء بسبب دعمها للنظام السوري وتعطيلها اية محاولات لازاحته. والسعودية نفسها تضررت نتيجة تراجع اسعار النفط.وتقول شركات استثمار في المنطقة أن الرياض أنهت ما لا يقل عن 50 مليار دولار من استثماراتها في الخارج خلال الاشهر السنة الاخيرة لسد الفجوة في موازنتها وتمويل عملياتها العسكرية في اليمن. ووفقاً لمؤسسة النقد المركزية السعودية انخفض الاحتياط النقدي السعودي من 746 مليار دولار إلى 672 مليار دولار خلال أقلّ من تسعة أشهر.


لا شك في انخفاض الاحتياط السعودي يثير قلق الرياض مع أن خبراء اقتصاديين يعتبرون أن المالية السعودية ليست مهددة على المدى القريب. ومن هذا المنطلق، ظهرت محاولات جدية للبحث في سياسة الانتاج النفطية وبرزت مؤشرات لتنسيق سعودي مع منتجين آخرين، وتحديدا روسيا.
وأكد رئيس شركة "روزنفط" ايغور سيخين في ايلول الماضي أن الجانبين يصوغان "تحالفاً للنفط" يقوم على اتفاق رسمي لتقاسم السوق. حتى أنه ذهب الى القول إن السعودية تعرض على موسكو الانضمام الى "أوبيك".


هذه الفكرة عرضت بحسب تقارير اقتصادية بين أفكار أخرى للنقاش في الدوائر النفطية السعودية الرسمية، ولكن ثمة أراء أخرى اثيرت ايضاً بما فيها وجوب تقييد التعاون مع روسيا لفترة محددة أو عدم الذهاب في التنسيق أبعد من مستويات سابقة اختبرت في فترات أخرى من الاسعار المتخفضة. كما أن ثمة من رفض التعاون مع الروس في هذه الفترة، وخصوصا أن تأثير النفط الصخري ليس داهماً، ويمكن السعودية أن تتحمل تبعات فترة اضافية من الاسعار المخفوضة.
ثمة عوامل معقدة عدة تحسم النقاش في شأن التنسيق النفطي السعودي-الروسي. فالاعتبارات الاستراتيجية السياسية ليست منفصلة تماماً عن السياسات الاقتصادية.
وينقل المحلل في السابق في شؤون الارهاب في وزارة الخزانة الاميركية ونائب الرئيس للابحاث في "مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات" جوناثان شنزر عن ديبلوماسي سعودي قوله:"اذا كان النفط يساعد في احلال السلام في سوريا، لا أرى كيف يمكن السعودية التراجع عن محاولة التوصل الى اتفاق".


حرب نفطية
ومع ذلك، أكدت الاتجاهات التي ذهبت بها الاحداث في سوريا تحديدا أن التعاون بين الجانبين أقله في المدى القريب غير وارد، وأن حربا نفطية خفية تدور بينهما. فالاسبوع الماضي بدأت السعودية تبيع بولونيا نفطا بأسعار مخفوضة، لتنافسها في أسواقها التقليدية للطاقة، وهو ما دفع الرئيس التنفيذي لشركة "روسنفت" ايغور سيخين الى القول "إنهم (السعوديون) يغرقون السوق في شكل نشط".


وفي المقابل، لا يستبعد شنزر في حديث ل"النهار" أن يكون النفط اضطلع بدور في قرار روسيا زيادة انخراطها العسكري في سوريا، "ولكنها ليست كما لو أن حضور روسيا في سوريا ستساعد في تعويض موسكو عائداتها النفطية".هو يميل الى الاعتقاد أن بوتين يرى في سياسة أميركا المترهلة للمنطقة فرصة لاعادة تأكيد موقع بلاده في الشرق الاوسط، "وهذا يمكن أن يؤدي الى زيادة اتفاقات الاسلحة والتجارة وغيرها".


الحرب الدينية
في موازاة حرب النفط، تزايدت منذ بدء الانخراط الروسي العسكري المباشر في سوريا، التحذيرات من "حرب دينية". وهدد رجل الدين السعودي عبد الله المحيسني الموجود في سوريا حالياً من أن "سوريا ستكون مقبرة للروس، وأنها ستكون أفغانستان أخرى لموسكو"، إضافة إلى البيان الذي أصدره 52 عالماً سعوديا يحضون فيه على الجهاد ضد الروس.


لم يكن الجهاديون بحاجة الى ذريعة للتدفق الى سوريا، فهناك عشرات الالاف من المقاتلين الجهاديين في  #سوريا، ولكن شنزر يقول إن "السؤال الذي يطرح نفسه هو هل سيحصلون على موارد وتدريبات اضافية ردا على المغامرة الروسية"، مضيفاً :"استنادا الى الماضي، هناك سبب للقلق".
الاسبوع الماضي، ارتفعت اصوات من مقاتلي المعارضة الذين تدعمهم واشنطن مطالبة بأسلحة مضادة للطائرات لمواجهة الغارات الروسية والسورية عليهم .حتى الان، رفضت واشنطن ارسال مثل هذه الاسلحة الى سوريا، وليس واضحا ما اذا كانت طلباتهم ستلبى هذه المرة، في ظل دخول الحرب مرحلة جديدة.هذا علما أن أسلحة كهذه هي التي حسمت المعركة في ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان لمصلحة المجاهدين.


monalisa.freiha@annahar.com.lb
twitter:@monalisaf

 

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard