حرمت ابنها الغذاء 15سنة... قصة نادرة عاشتها عائلة لبنانية

18 تشرين الأول 2015 | 12:45

الاستماع الى الاهل وهم يصفون ابناءهم، لن يحمل معه جديد. الحديث متوقّع، مبالغة وكلامٌ منمق واندفاع. الموضوعية تبدأ عندما يبدأ التصنيف لا الوصف. تقويم الام لابنائها قد يحمل في خباياه حقائق لا موضوعية. اذا كان الولد اميراً مقارنةً باولاد الجيران والحي والقرية. قد يكون هو نفسه "صفراً على الشمال" مقارنةً بأخيه. هل يحق لنا ان نسمي ذلك "تمييزاً"؟

في القوت ايضاً
قد يكون التمييز بين الاخوة صعب النتائج في مراحله الاولى. لكنه في مراحله المتقدمة، يتحول نوعاً من الجور والستبداد. من هنا نستذكر هذه القصة التي عايشها اهل خليل في ستينيات القرن الماضي وعاد ليشهد تفاصيلها بنفسه. يقول: "انجبت جارتنا طفلين، الأول جيد البنية، اما الثاني فكان نحيلاً وقبيح المظهر. الاوضاع المعيشية والأمنية الصعبة آنذاك والاعتقاد بأن رامز سيموت نظراً لسوء حالته الصحية، دفعا بها الى الاهتمام بسعيد على حسابه.

التمييز بينهما جاء في الاهتمام المادي والمعنوي على حدٍّ سواء، حيث عاش الاول مدللاً يأكل الأطايب، في حين نشأ أخوه مهمشاً تغذى في طفولته من فتات الخبز". ويضيف: " مضت السنوات ولم يمت رامز، بل نشأ هزيلاً ضعيف البنية، من يراه يستنتج مدى القسوة التي عاناها في صغره نظراً إلى سذاجته ونموه العقلي المتأخر، حيث كان يرفض ان يدلل نفسه على رغم استحسان الجيران والاقارب لوضعه الا انه كان يفضل القليل من الطعام التي تخصه به امّه. لكن المشكلة الرئيسية التي واجهها هذا الطفل كانت حرمانه من العاطفة والحنان. ربما يعود ذلك الى عدم تحبيذ الام ان يولد لها ابنٌ عليل البنية، فكانت تخجل فيه بين الناس لأن العقلية السائدة آنذاك في المجتمع القروي تعتبر ذلك نوعاً من العار، فالناس شامتون يقضون اوقاتهم في انتقاد بعضهم بعضاً".

المفارقة في القصة جاءت بعد 40 عاماً حين اصيب سعيد بمرض عضال وضعه بين الحياة والموت، حيث قضى اشهراً في المستشفى نتيجة اصابته بالتهاب حادٍّ في الكبد. ويرجّح خليل سبب المرض "الى ادمان المريض على الكحول والمأكولات السريعة والنيئة، حيث كان مشهوراً بحبّه للسهر وتحبيذه موائد الطعام الاحتفالية بوتيرة مستمرة. اما رامز فتزوّج امرأة من قريةٍ مجاورة وعمل كناطور مبنى هناك، وكان محبوباً جدّاً واهلاً للثقة رغم ضعف بنيته الجسدية، الا ان كثيرين اجمعوا على قدراته التي لا يستهان بها". ويتابع: "مرّت الايام ومات سعيد بعد معاناة دامت اكثر من 10 سنوات مع المرض، لم تخلُ من زيارات متكررة للمستشفيات وايام طويلة لازم فيها الفراش. اما اخوه فلا زال حتى اليوم على قيد الحياة، رغم تقدمه في السن الا انه يزاول عمله يومياً كالشباب ويعيل زوجته المريضة ويحظى بسمعةٍ حسنة لم يحظَ بها احدٌ من اقاربه".

الولد لن يكره امه، ولكن؟
تعتبر الدكتورة في علم النفس التربوي مي مارون ان "الاهل يميزون بين ابنائهم لأسباب عدة تتمحور بين الجنس عندما يفضلون عادة الذكور على الاناث، والتراتبية اذ يبقى للابن البكر محبّة خاصة لديهم، والاهتمام الذي يوليه الابن لاهله حيث يفضلون من يهتم بهم ويكرّس حياته لهم. اما حالات الكراهية التي تكنها الام لابنائها فتأتي من مشاكل قد تصادفها اثناء فترة الحمل او تنتج من مشكلة يعانيها الطفل صحية كانت ام خلقيّة، فيعتبر الاهل ذلك قصاصاً من الله الذي ابتلاهم نتيجة خطأ ارتكبوه تجاهه".

وتؤكّد ان "الولد لن يبادل امه بالكراهية مهما كانت قاسيةً بحقّه، بل سيلجأ اليها بحثاً عن حنانها مهما تقدم الزمن به. بل ان المشاكل تتفرّع مستقبلاً بين الاخوة حيث تنشأ الخلافات بينهم وتصل الى حدود القتل، ويبرز ذلك خصوصاً في موضوع الارث. وتلفت الى ان "التمييز يتوسّع فيشمل الاقرباء واولاد العم، حيث تميّز الام ولدها عن باقي اقاربها وتوليه اهتماماً خاصاً وتحرص على ابراز التمييز للعلن لان في ذلك ارضاء لذاتها". وتحمل المسؤولية الاساسية في هذه انتشار هذه الظاهرة "الى المجتمع الذي يريد الناس مثاليين ويفرض عاداته على البشر من دون ارادتهم، وهو لا يقبل المعوّقين حتى اليوم، حيث يخجل الاهل في اظهار اولادهم الى العلن، بل انهم قد لا يضعونهم في مدارس تأهيلية بل يستعيضون عن ذلك بالضرب. حتى إن هذه الاعتقادات سادت في جمهورية افلاطون الذي كان ينظر سلبياً الى المعوقين ويرى فيهم عناصر غير منتجة اجتماعياً، وكان يأمر بقتلهم او نفيهم".

الانتقام
ويرى الاستاذ في علم النفس الاجتماعي هاشم حسيني ان "صورة الام المثالية موجودة في عقول البشر ولكنها ليست صحيحة، بل هي تحاول ان تخفي حقيقة مشاعرها حفاظاً على صورتها، فمن الصعب ان نجد اماً تعترف بتفضيلها لولد من اولادها على حساب آخر، لكنها تفعل ذلك بينها وبين نفسها، وهذا ما يشعر به الولد بنفسه. اما ردة فعله فتأتي في غالب الاحيان نظرةً سلبية الى الحياة والعائلة فيشعر انه مستضعف وتنعدم ثقته بقدراته". ويؤكد أن "درجات الانتقام تختلف بحسب حدّة المشكلة وابعادها. ففي حال استطاع الفرد تحقيق ذاته مستقبلاً على صعيد المهنة والمال والزواج، قد يتخطى ازمته ويسامح اهله على معاملتهم السيئة له في صغره، لأنه نصَف نفسه في المجتمع، ومن جهتهم سيرضون عليه ويتخطون مشاكلهم السابقة معه لانهم يحققون ذاتهم بهذه الطريقة من خلاله ويشعرون بالحاجة اليه مادياً. اما في حال لم تنصفه الحياة، فذلك سيساهم في زيادة حالته سوءاً، وربما يدفعه يوماً ما الى الانتقام من نفسه بالانتحار".

الصبي الذكي والفتاة الجميلة
يشرح حسيني ان " عوامل عدة اخرى قد تساهم في اختيار الاهل لولدهم المفضّل وهي تختلف بين الذكور والاناث. عادةً تختار الام صبيها الاحب على قلبها وفقاً لذكائه وحنكته ونجاحه الدراسي. فالعديد من الاهل يتغنون بنجاح ابنهم في المدرسة وكأنه الاذكى على الاطلاق ويبالغون في عملية مدحه، ومن الامثلة على ذلك (انه حلّ الثاني في الصف والفرق بينه وبين الاول نصف علامة وحسب). اما الفتاة فيتوجب عليها ان تولد حسناء كي تنال الرضى، لانها بذلك تتزوج بسرعة ولا توقع نفسها واهلها في فخ العنوسة. لذلك، فإن تقدمها في العمر دون زواج سيحبط امها خصوصاً عند لقائها بصديقاتها واقاربها".
قد تكنّ الام احساساً خاصاً لولدٍ من اولادها.المشاعر دائماً تولد دون القدرة على التحكم بها. لكن الاجدر ان تبقي ذلك سراً بينها وبين لاوعيها. كلمة "تمييز" بكل اشكالها يحاربها العالم بأسره. "المساواة" مصطلح اكثر سلاماً. وان كان الكرم في العطاء المادي تحدّه اوضاع معيشية صعبة، يبقى الحنان شعوراً مجانياً لكنه خالد الاثر، اما الدنيا فهي... فانية.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard