"الوئام الكردي" على المحك:"بعبع" بغداد لايطعم الاقليم خبزاً

12 تشرين الأول 2015 | 16:55

المصدر: "النهار"

الصورة عن "رويترز"

لم يتأخر السياسيون الكرد في #العراق كثيرا عن الالتحاق بعربة نظرائهم العرب في تغليب المصالح الحزبية الضيقة والهيمنة الاقتصادية على موارد الاقليم، الى استثمار المطالب الجماهيرية المحقة للتنكيل بالخصوم السياسين. وقد كشفت أزمة الاحتجاجات المطلبية الاخيرة في الاقليم حجم المأزق السياسي بين الكتل المتنافسة على السلطة والنفوذ هناك. وجاءت الازمة الاقتصادية التي يعانيها الاقليم، الى جانب الحرب ضد"داعش" لتكشف حالة "الوئام الهش" بين الاحزاب السياسية الكردية الذي سعت الى تكريسه خلال العقد الاخير في مواجهة "البعبع" العربي المتربص في بغداد!.

صحيح ان الصراع بين "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة رئيس الاقليم مسعود البارزاني من جهة، وحركة"التغيير" بزعامة انشيروان مصطفى و"حزب الاتحاد الكردستاني" من جهة اخرى، لم تصل الى درجة القطيعة النهائية، الا ان ما يحدث بين الجانبين، ربما يعيد الى الاذهان، او يذّكر بمقدمات عام 1994، حين انخرط "الديمقراطيون" و"الاتحاديون" ( لم يكن لحركة"التغيير" وجود ) في قتال شرس استمر نحو 4 سنوات ، خلف الاف الضحايا من البيشمركة والمدنيين الكرد. ومع ذلك، لا احد يقلل حجم الاخطار التي تنتظر الاقليم والناجمة عن صراع الارادة بين "الاخوة الاعداء" ما لم يمكن التوصل الى صيغة مقبولة ترضي اطراف الصراع وتحقق مصالحهم.
ولا يستبعد كثيرون "انشطار" الاقليم المؤلف من ثلاثة محافظات الى ادارتين واحدة في اربيل واخرى في السليمانية كما كان الحال قبل 2003.

أول الخلاف"تظاهرة"
قد يبدو من غير المعقول ان تتحول مجرد تظاهرة مطلبية شبابية، احتجاجاً على الاوضاع الاقتصادية وتأخر صرف رواتب الموظفين، الى ازمة خطيرة اطرافها الاحزاب الرئيسية في الاقليم، وتصل الى احراق متبادل للمقرات الحزبية في اربيل والسليمانية وتتسبب بمقتل 5 اشخاص وجرح العشرات، لكن النظر الى خلفية الصراع المضمر بين سياسيي اربيل وسياسيي السليمانية، قد يسمح برؤية اكثر وضوحا.
الصحافي الكردي هفال زاخوي، قال لـ"النهار"، ان"الاحزاب الرئيسية في الاقليم استغلت حركة الاحتجاج المطلبية وحولتها، الى اداة فعال للتنكيل ، وعملية حرق المقرات الحزبية تقف وراءها عناصر حزبية من الجانبين".
وبغض النظر عن تاريخ الصراع الطويل بين حزبي "الديمقراطي" ، و"الاتحاد"، فان الخلاف على رئاسة الاقليم يبدو احد ابرز عوامل الصراع الذي انضمت اليه حركة"التغيير" اخيرا.
ونتهت في 19 اب الماضي، رئاسة مسعود البارزاني للاقليم، بعد دورتين انتهتا عام 2013 وجددتا سنتين فقط، الامر الذي واجه اعتراضات شديدة من احزاب"الاتحاد" و"التغيير" في السليمانية.

الماضي النضالي
ومع ذلك، ليس في وسع احد تجاوز المكاسب التي حققها السياسيون الاكراد لاقليمهم، من حيث الامن والاعمار والبنى التحتية، مقارنة بما هو موجود في العراق العربي، غير ان السياسيون الاكراد وغالبيتهم من الزعماء التاريخيين الذين خاضوا نضالا مريرا ضد سلطات بغداد، شأنهم شأن نظرائهم من السياسيين العرب وخصوصاً الشيعة، لايزالون متمسكين بماضيهم النضالي الذي يؤهلهم التحكم بالموارد المادية والبشرية للاقليم من دون مشقة او حساب، على رغم كل الكلام المسموع والمتداول عن تجاوزات تلك الزعامات في حق المال العام والاراضي وفرص الاستثمار .ويشاع ان شخصيات سياسية نافذة تسيطر على اكثر مشاريع البناء والاستثمار، في مقابل غالبية شعبية لاتحصل على معيشتها الا بصعوبة.
الى ذلك، ينتمي أكثر الزعماء الاكراد الى ما يمكن تسميته مرحلة "النضال الوطني" ضد حكومات بغداد المتعاقبة وما يتضمن ذلك من افكار ورؤى وطرق للتصرف والسلوك، لا تتناسب بالضرورة مع احلام الجيل الكردي الشاب الذي لايعرف الا الشيء القليل عن سنوات النضال العتيدة تلك. وعلى رغم السعي الدائم لسياسيي الاقليم وخصوصاً في "الحزب الديموقراطي" بزعامة بارزاني الى تكريس مخاوف "البعبع" المركزي في بغداد، والعزف على الوتر الكردي القومي، الا ان الازمة الاخيرة في الاقليم، تكشف ان ذلك لايمكن ان يوفر خبزا لسكان الاقليم، ما لم تعمل القوى الكردية على تكريس الادارة الرشيدة في الحكم، الى جانب الديموقراطية والتداول السلمي للسلطة، والعمل الجاد لبناء اقتصاد حقيقي تتوافر فيه فرص العمل للجميع.
مرة، سألت السياسي الكردي المخضرم عبد الخالق زنكنة، عن امكان ان ينجح الاكراد في خطوة استقلالهم عن بغداد، فقال: " لا اتوقع ذلك، والامر يعود في اهم مفاصله الى اوضاعهم الداخلية، ذلك ان الكردي يقبل بمنصب موظف صغير في العراق العربي، ولا يرضى بمنصب وزير في الاقليم!". في اشارة الى الخلافات العميقة بين السياسيين الكرد. ولعل ما يحدث اليوم يمثل احد "الاستبصارات" الدقيقة التي قدمها المخضرم عبد الخالق زنكنة.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard