المستشفيات تعالج جزءاً من النفايات الطبية... أين المواد المسرطنة والأعضاء البشرية؟

9 تشرين الأول 2015 | 12:00

المصدر: "النهار"

  • محمد نمر
  • المصدر: "النهار"

ما كان يتخوّف منه اللبنانيون حصل. تساقطت الأمطار ولا تزال النفايات في الشوارع أو في المكبات العشوائية. وفي انتظار بدء تنفيذ خطة وزير الزراعة أكرم شهيب تبقى مخاوف البيئيين من وصول النفايات إلى البحر أو الأنهر وبالتالي وقوع كارثة بيئية تاريخية، والأخطر إن كان بينها نفايات طبية... أكياس مصل تحوي موادّ كيميائية، دماء فاسدة، حقنًا وأعضاء بشرية مسرطنة، حينها "الله يسترنا".

الأزمة التي وقع فيها لبنان منذ أكثر من 80 يوماً بعد اغلاق مطمر الناعمة، أعادت إلى الأذهان مشكلة النفايات الطبية، ومنذ فترة وقعت مستشفى "أوتيل ديو" في شباك الإعلام الذي كشف في أحد تقاريره عن وجود كيس "أصفر" في أحد المستوعبات القريبة من مبنى المستشفى، ما دفع وزارة الصحة إلى انذار المستشفى تحت طائلة إلغاء العقد الموقع معها، نظرًا إلى خطورة هذا الكيس.

ادارة المستشفى نفسها استغربت وجود هذا الكيس في مستوعب "سوكلين"، فهي تعالج شهرياً أكثر من 14 ألف كيلو من النفايات الطبية بالتعاون مع جمعية "اركانسيال"، في مكان مخصص لذلك في المستشفى، فما النفع من عدم معالجة كيس واحد؟ وتشكّ في أن يكون الكيس من نفاياتها، خصوصاً أن المنطقة تعج بالعيادات والمستوصفات التي تستخدم ألوان الأكياس نفسها، لكن على الرغم من ذلك لا تستبعد حصول الخطأ.

 من الفرز إلى التعقيم

"النهار" زارت "أوتيل ديو" التي تعالج نفاياتها منذ العام 1991 وجالت مع المسؤول عن لجنة النفايات والدراسات في المستشفى يوسف رحال لمعرفة. هناك في أحد الأروقة تقف ممرضة وبجانبها عربة مستشفى مدولبة. إنها تقوم بعملية فرز للنفايات الطبية. الحقن في علبة مخصصة لها. المواد الكيميائية والمسرطنة في كيس رمادي. المواد الطبية التي لامست المريض ويمكنها أن تعدي الاخرين توضع في كيس أصفر. البطاريات وموازين الحرارة في عبوات مخصصة لتجميعها وتغليفها في ما بعد واستخدامها في أعمال البناء (وضعها في الباطون مثلاً).

تفصل الممرضة كيس المصل عن الشريط والحقنة وتضع الأخيرين في الكيس الأصفر، أما كيس المصل فإذا كان لا يحوي على مواد كيميائية أو معدية فيوضع مع النفايات العادية في كيس أسود بعد تفريغه أما إذا كان فيه من هذه المواد فيوضع في الرمادي أو الأصفر. وويتم نقل الأكياس إلى غرفة تحوي على أكياس صفراء وسوداء ورمادية كبيرة الحجم وبعدها إلى مستوعبات مخصصة لكل نوع.

 الأكياس السوداء تسلك طريقها نحو مستوعبات "سوكلين"، أما التي تحوي على أكياس صفراء فيتم معالجتها مع جميعة "أركانسيال". اتجهنا إلى باحة قرب المستشفى، هناك ميزان خاص بالجميعة التي تعالج النفايات الطبية بـ"الكيلو"، وبعد معرفة وزنها ينقلها المشرف إلى براد حراراته بين 3 و8 درجات ومن هناك يتم ادخال الأكياس إلى آلة الفرم وتعقيم.

آلة التعقيم والفرم

ويقول روماريك قازريان وهو مسؤول عن معالجة النفايات الطبية في" أركانسيال هناك، "نستلم النفايات من غرفة تخصّصها المستشفى لتخزين مستوعباتها، وبعد وزنها نضعها في برادنا على درجة حرارة بين 8 و3 درجات حيث يمكن إبقائها فيه لأكثر من 24 ساعة إذا اضطر الأمر، وبعدها ندخل الأكياس الآلة من دون أن نفتح الكيس"، مشدداً على أن "الجمعية لا تعرف ما في الكيس لأن فتحه قد يشكل خطرا على العاملين في الجميعة وعلى صيت المستشفى في حال هناك مخالفة معينة".

 ويشرح: "الماكينة تعمل على تقنية التعقيم مع الفرم، فتقوم بفرم النفايات ومن بعدها يدخل البخار بحرارة 140 درجة ويرفع الضغط إلى 5 بار على فترة 10 دقائق أو 11 دقيقة، وبعدها نضع النفايات في أكياس مكتوب عليها "نفايات طبية معقمة" وتنقلهم" سوكلين" في شكل عادي لأنها تصبح مشابهة للنفايات المنزلية". ويوضح أن "الجمعية تستلم فقط المواد التي نعتبرها نفايات تحمل خطر عدوى، التي لامست افرازات من جسم الانسان أما المسرطنة والصيدلانية والمشعّة تتجه إلى تقنيات اخرى".


وفي شأن آلية التأكد من النوع النفايات، يؤكد "اننا لا نفتح الكيس، بل نقوم في بداية عملنا بتدريب المسؤولين عن هذا الأمر على فرز النفايات، والمستشفى لديها مراقبون خصوصيون لذلك، أما نحن فلا نعرف ما في داخله".

معالجة منذ 1991

بعد انتهاء الجولة جلسنا مع رحال ورئيس مجلس ادارة المستشفى الأب جوزف نصار ومديرة الجودة السيدة ربى راسي وأمين المجلس عبدو الهاشم، ويلاحظ نصار أن "هناك التباساً في موضوع الكيس الأصفر الذي كان في مستوعب النفايات". ويوضح رحال أن "ما نقله على الاعلام من صور عن المستوعب بجانب المبنى لم يثبت أن كيس النفايات لنا ونحن ليس لدينا أي مراقبة على النفايات في الشارع، خصوصا ان هناك عيادات ومختبرات في محيط المستشفى ووحدة معالجة سرطان أيضاً". وعلى الرغم من ذلك لا يستبعد رحال أن يكون حصل الخطأ ويقول: "يمكننا ان نفترض ذلك وقد يكون قد أخطأ أحدهم في وضع كيس أصفر في الأسود، لكن يبدو ان هناك التباساً ليكون هذا الكيس الذي حصل فيه خطأ انه فوق كل النفايات".


ردّت "اوتيل ديو" على وزارة الصحة بمكتوب أوضحت فيه أنها من السباقين في معالجة النفايات الطبية منذ العام 1991، ويشير رحال إلى أن "المستشفى كانت تعتمد حينها أسلوب الحرق لكن بعد منعه اتجهنا إلى "اركانسيال" ولدينا منذ العام 2002 إلى الآن الجداول بحجم النفايات التي نعالجها". كما تعتمد المستشفى على أسلوب الفرز للنفايات العادية، وفي كل مكتب وحدة مخصصة لرمي الورق والكرتون.
تخزين المواد المسرطنة
"اركانسيال" لا تعالج كل نفايات المستشفى، فأين النفايات المسرطنة؟ يشير رحال إلى أن "هذه القضية تعتبر مشكلة كل المستشفيات، ولا حل لها لدينا ولا لدى وزارة البيئة ولا اركانسيال، لهذا نخزنها في أكياس رمادية حالياً في انتظار حل من وزارة البيئة، لأنه من غير الصحيح معالجتها بآلة التعقيم والفرم، ولكن يمكن حرقها على حرارة 1000 درجة وهذا غير متوفر". أما الأدوية المنتهية الصلاحية فتهتم "أوتيل ديو" بحسب عقودها بإعادتها إلى مستوردها "المجبر" على استلامها.

بدورها تشدد راسي على "وجود مراقبة مشددة على هذا الموضوع وقبل نقل النفايات إلى المستوعبات أو ماكنية الفرم والتعقيم يتم فرز النفايات وتفريقها بالألوان وممنوع وضع كيس أصفر مع الأسود، وسبق وأرسلت وزارة البيئة مستشارين لها وتأكدوا من صحة معالجتنا للنفايات والطريقة التي نعتمدها وفقاً للقانون وقدموا تقريرهم بذلك". أما عبدو الهاشم فيشكّ بصحة التقرير الاعلامي الذي نشر عن "اوتيل ديو".

الدفن أو الحرق

وطالما أن المستشفيات تعالج جزءا من نفاياتها الخطيرة، فبالتأكيد هناك نفايات مسرطنة إما ترمى مع النفايات أو يتم معالجتها مع نفايات طبية ملوثة، ويوضح الخبير في كيمياء السموم الدكتور ناجي قديح لـ"النهار" أنه بالعادة يتم دفن المواد الملوثة أو البيولوجية التي فيها أنسجة بشرية في مطامر خاصة لأنها تحمل جراثيم التلوث أو يتم حرقها في محارق خاصة، ونتحدث عن محارق متطورة بموصفات عالية من التكنولجيا ومجهزة بفلاتر ووسائل تقنية تتحكم بالتلوث المحتمل"، مؤكداً أن "الوسيلتين غير متوافرتين لدينا".

 التخزين وفق الشروط

ويحذر من أن "وجود النفايات في الشارع لمدة 83 يوماً كاف ليشكّل خطرا على الصحة فماذا لو كان بين النفايات مكونات خطيرة من مستشفيات وغيرها؟"، مشيراً إلى أن "النفايات الطبية غير المعالجة تحمل مخاطر بيولوجية وجراثيم مسببة للامراض وبكتيريا، ويمكن أن تحتوي على مواد كيميائية أو أدوية منتهية الصلاحية أو مركبة في المختبرات". كما يلفت إلى أن "تخزين هذه الأنواع من النفايات أيضا يتطلب مواصفات ترتبط بالتخزين الآمن لأن الأنسجة البشرية تتفكك وتتحلل".

لا تشريع للمواد المسرطنة
ويعتبر أن "المعالجة التي تحصل في المستشفيات هي جزئية لأن هناك جزءا لا تتم معالجته، أو يتم حرقه في محارق غير نظامية في بعض المستشفيات وملوثة جدا، وهناك من يرميها مع النفايات العادية في المستوعبات". ويلاحظ أن "في موضوع ادارة النفايات الطبية هناك أزمة كبيرة والمرسوم الذي صدر عن وزارة البيئة جزئي يتعلق بالنفايات الملوثة جرثومياً أما الاخرى التي تحتوي على أنسجة بشرية ناتجة عن عمليات جراحية ومواد مسرطنة وكيميائية والأدوية لا تشريع ينظم ادارتها".

mohammad.nimer@annahar.com.lb
Twitter: @Mohamad_nimer

 

إميل خوري يتذكّر: حين هزّت الكلمة العالم

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard