"شي يوم رح فلّ": لحسة سينما، سينما اللحسة!

6 تشرين الأول 2015 | 11:43

المصدر: "النهار"

دعونا من الفنّ والاخراج والسينماتوغراف والكلمات الكبيرة الفضفاضة. لنبق في حدّنا الأدنى: "شي يوم رح فلّ" (▪) لليال م. راجحة ليس حتى فيلماً بالمعنى الحِرَفي للكلمة. لا صوت ولا صورة. تقنياً، نحن قبالة مادة مصوّرة تحتاج الى الكثير كي تصبح أهلاً للفرجة. هذا اذا تعاملنا معها بشيء من الرأفة والتساهل. أمّا اذا تمسكنا بالأصول، فالمشروع كله كان يمكن تفاديه، اذ لا يمكن الاضافة عليه أو الإنقاص منه. انها واحدة من هذه الأفكار النموذجية لانجاز فيلم سيئ!

هناك بازار من اللامعنى والغلاظة والانفصال التام عن الواقع نُرمى فجأة في أحضانه، من دون أن نكون قد طلبنا أي شيء من هذا القبيل. كله هنا رهن المصادفة: اللقاء بين الشخصيات، الأماكن، الأحداث. الافتعال سيد هذا العمل. نبحث عن الكثير مما عهدناه في الأفلام، حتى العادية منها، فلا نجده: أين ذهب السيناريو مثلاً؟ يتردد أنه شوهد هارباً من الفيلم. كيف نقنعه بأن يبقى؟ ألا يستطيع أحد القبض على هذا السافل وإعادته الى محله؟

في الأصل، هناك حكاية ميلودرامية لا يمكن أن تطرق بال أكثر كتّاب السيناريو حنكةً: مهرّب مخدرات أربعيني (عادل كرم) سُجن في البرازيل، يعود الى لبنان بعد قضاء فترة طويلة خلف القضبان. يبدو انه يريد محاسبة الملياردير الذي ورّطه (بيار داغر)، أو أيّ شيء من هذا القبيل. أقول "يبدو" وأشدد على الكلمة، لأن لا شيء أكيداً في هذا النوع من الحبكة. المخرجة ليال راجحة تصوّر بتردد عميق، رِجلاً داخل الفيلم ورِجلاً خارجه. لا ثقة عالية تقود خطواتها، والأسوأ انها تبلور حكاية ضبابية ذاهبة فيها الى أبعد حدّ. كلّ شيء يحمل في داخله ثغراً وألغازاً ومساحات بيضاء، وهذا النهج (اللاإرادي هنا) ليس فناً أو تعميقاً لمنطق فيلم يتشارك المُشاهد في صناعته، بل نتيجة عجز عن توفير عناصر صالحة لقصة متماسكة. لا، لا، لا تعتقدونها فذلكة فنيّة لمخرجة تسيطر على خيوط اللعبة!

ما من تيمة يقاربها الفيلم (الخيانة، الصداقة، الأبوة، الخ) الا ويتراجع عنها بسرعة، فيعود ادراجه وكأن شيئاً لم يحصل. يعيش الفيلم هذا النكران لهشاشة بنيانه، باعتزاز يكاد البعض يحسده. "من أين يأتي كلّ هذا الاعتزاز في ثقافتنا؟"، موضوع تنبغي دراسته أكاديمياً. هذه #السينما، يحلو لي تسميتها "سينما اللحسة"، لحسة من هذا (هنا) ولحسة من ذاك (هناك). مجموع اللحسات لا يسد جوعاً. لنأخذ مثلاً مسألة التلميح الى المثلية الجنسية التي تربط السجين السابق بالملياردير. هذا مجرد ديكور في فيلم كله ديكورات. اطار داخل اطار، اطار خاوٍ داخل اطار أكثر خواء، كله خواء بخواء، واستعراض باستعراض، وادعاء بادعاء، وملل بملل.

لا شخصية تستفز فينا أي شيء. كيف سنهتم بمصائرها المتداخلة ونحن لا نعرف عنها الا معلومات سطحية تجيء عبر "فلاشباكات" تقطع نَفَس الفيلم؟ هذه أبسط قواعد الكتابة السينمائية. لا لقطة تعيش أكثر من ثوانٍ قليلة معدودة. أحياناً تسقط اللقطة شهيدةً في منتصف الطريق، وفي أحايين أخرى تركض لاهثةً كي تتمكن من بلوغ الدقيقة. بعدها، جوٌّ آخر، نصٌّ آخر، لا بل فيلمٌ آخر. من الألف الى الياء، الفيلم لا يفاجئ البتة، وهذا أمر حصوله نادر في السينما الهابطة، حيث هناك دائماً - وبمحض المصادفة - ضوء لافت هنا، كلمة مستفزة هناك. "شي يوم رح فلّ" من نوع "الفيلم الديكوري"، حيث الحكاية بأبعادها ودلالاتها تصبح من الكماليات، لزوم ما لا يلزم. الأهم هو قصر بارون المال، سيارة زوجته، أزياء الشخصيات المحيطة بها، الخ. لا شيء يحتاج الى مسوّغ درامي. حتى في محاولة صنع فيلم، لا يحاول اللبناني طمر نرجسيته، فهمه الذي لا يتخطاه أي فهم، وميله الى المظاهر تحت الشعار الزائف لـ"سينما خفيفة" (بليز، مع استخدام كلمة "لايت" التي لا ترجمة لها في لغتنا).

لعل الطامة الكبرى في هذا المجال تتمثل في وجود زمرة ممثلات (جوي كرم، هيام أبي راشد، لورين قديح) نجهل ماذا يفعلن في الفيلم. ثلاث فتيات يلتقين مصادفةً، يمضين ما تبقى من زمن في الفيلم على شاطئ البحر، حيث تقطن أرملة (قديح) مات زوجها للتو. هناك أيضاً سيلتقين صديقنا الخارج من السجن (دعك من الكيف واللماذا). علاقة ستحدث بين الأطراف كافة لمزيد من التخبط السيناريستي ولمزيد من اللحس هنا وهناك. كلّ ما سيدور بين هؤلاء الفتيات الثلاث، وإحداهن مصابة بالسرطان فيما الأخرى زوجة الملياردير، خارج على المعنى، يدور ويدور متباهياً بدورانه، ليستقر عند نقطة الانطلاق. لو اكتفت راجحة بصوت الأمواج التي تتكسر على الرمل بدلاً من الحوارات البلهاء والمواقف المكرورة بين نساء مهسترات يتكلمن كي لا يقلن أي شيء ويتشممن بودرة السكر، لكان الفيلم أكثر فلسفة ورومنطيقية. لكن راجحة تقوم بأسوأ القرارات الاستعراضية، كالاتيان بالمغنية مادونا في مشهد لحفل راقص. وظيفة الأخيرة مصيرية مؤلمة: فعليها أن تدق المسمار الأخير في نعش الفيلم!

مدرسة التمثيل التي تنتمي اليها الممثلات قادرة على اغلاق كلّ مدارس التمثيل دفعة واحدة. لا لي ستراسبرغ بعد اليوم، لا دروس معهد فلوران. صراخ، تهريج، هستيريا متواصلة، هذه بعض أدوات العمل. مَن يتقن الاقناع لا يرفع صوته. الطامة التي لا طامة بعدها، تتجسد لحماً ودماً في لورين قديح، فكلما طلع صوتها اختفت أكثر، زمّت، الى درجة انها تصبح ميكروسكوبية في الأخير. تتبخر في احدى ثغر الفيلم على الرغم من كل هذين الطول والعرض، لتصبح لاجئة بعد ذلك في التمثيل، لا خيمة فوق رأسها.

(▪) يُعرض حالياً في الصالات اللبنانية.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard