مكب النفايات في سرار العكارية: الأسئلة الملحة

5 تشرين الأول 2015 | 22:18

بين ليلة وضحاها بات مكب النفايات الذي أنشئ في خراج قرية سرار العكارية منذ 19 عاماً مدار حديث كبار المسؤولين اللبنانيين، ومحط أنظار وحديث اللبنانيين عموماً، الذين ما كانوا ليسمعوا باسم هذه القرية العكارية الواقعة على إحدى التلال المشرفة على سهل عكار عند الحدود اللبنانية السورية والقريبة جداً من مجرى النهر الكبير، لولا ان الحكومة اللبنانية قد اتخذت قرارها باعتماد هذا المكب لاستقبال الجزء الاكبر من نفايات بيروت وضاحيتيها، وانشاء مطمر "صحي" يقولون بانه ستتوافر فيه كل شروط الصحة والسلامة العامة.

 

رفض الفعاليات العكارية
رفضت الفعاليات العكارية من سياسية وبلدية واختيارية وهيئات مجتمع مدني في ذروة التصدي لهذا القرار الذي بعد 3 اشهر على الحراك الناشئ حديثاً اعتراضاً على #أزمة_النفايات، تتباين اليوم بإزائه المواقف وتتنافر وتتباعد، كل ما اقترب موعد بدء مرحلة تنفيذه، بعد سيل من اللقاءات والاتصالات التي بذلت على اكثر من صعيد، وعلى اعلى المستويات وبخاصة تلك التي عقدت مع رؤساء الاتحادات البلدية والبلديات والمخاتير، والذي كان قد توّج بلقاء موسع جرى عقده بدعوة من وزير الداخلية وحضور وزير الزراعة، وشاركت فيه فعاليات عكارية على مختلف المستويات، وتخلله عرض لدراسة معمقة تحكي وتسوّق اهمية تحويل مكب سرار الى مطمر صحّي "بين مزدوجين"، لما في ذلك من مردود مالي لبلديات المنطقة التي من المفترض ان يتم استثمارها في العملية التنموية الى جانب مبلغ المئة مليون دولار التي أقرتها الحكومة وقيل في حينه إنها غير مرتبطة اطلاقاً "ايضا بين مزدوجين" كعامل ترغيبي لقبول أهالي عكار باستقبال نفايات بيروت وضاحيتيها، وربما نفايات جبل لبنان والمتن وتالياً.
لكن اقرار مبلغ مئة مليون دولار ممثالة لمنطقة البقاع، مع بدء طرح امكانية انشاء مطمر صحي ممثال في البقاع على غرار مكب سرار في عكار اعاد الامور الى نقطة الصفر، وأثار مجددا الشكوك لدى كل الذين كانوا قد اتهموا الحكومة بأنها تسعى لمقايضة انماء عكار مقابل القبول باستقبال النفايات. وهذا الأمر أرخى ولا يزال بثقله على كامل الواقع العكاري بين:

- هيئات المجتمع المدني وبعض البلديات وبخاصة بلدات وقرى عكار المحيطة بمكب سرار مدعومين من بعض النواب الحاليين والسابقين من جهة، والذين سجلوا رفضهم بالمطلق لخطة الوزير شهيب ولقرار ارسال النفايات الى عكار. وهي تتابع حراكها عبر الاعتصامات التي تنظم اسبوعياً في غير منطقة عكارية وكان آخرها في ساحة حلبا بحضور النائب خالد ضاهر الذي طالب وزير الداخلية بأن "يشيل يده عن عكار"، وقال بأن "شاحنات النفايات لن تعبر الى عكار الا على أجسادنا".

- وبين بعض الاتحادات البلدية ورؤساء البلديات المؤيدين أيضاً من قبل عدد من نواب المنطقة الحاليين والسابقين الذين رأوا في تنفيذ خطة الوزير اكرم شهيب، فرصة سانحة لإنجاز مطمر صحي في سرار، قادر على استيعاب نفايات عكار بالدرجة الاولى، وإلغاء كل المكبات العشوائية القائمة حاليا في غير بلدة وقرية عكارية. "28 مكبا عشوائيا في عكار حاليا" وحجتهم انه في حال لم يتحقّق هذا الامر وفق الشروط والمواصفات الموعودة والمنصوص عنها، والتي روّج لها المسؤولون المعنيون عن تمرير هذا المشروع برمته، فإن الفرص امام إعادة اقفال الطرق ورفض النفايات لا تزال قائمة ويتوقّف المشروع. اذ لا يجوز"برأي هذا الفريق" هدر فرصة هامة باقامة مطمر صحي بدل مكب عشوائي للنفايات... وتأمين اموال اضافية للبلديات تساهم في العملية التنموية.

 

 

وتشير المعطيات الى ان مبلغ 20 مليون دولار من الـ 100 مليون دولار التي أقرّتها الحكومة لعكار، قد تم توزيعها وفق نسب محددة على الاتحادات البلدية، وفق ما هو معلن، وعلى كل اتحاد بلدي ان يقوم بصرفها على مشاريع انمائية بطريقة شفافة ومعلنة لجمهور بلديات هذه الاتحادات بشكل يكون فيه واضحا كيفية صرف هذه الاموال .
اما مبلغ الـ 80 مليون دولار المتبقية، وفي حال تم تأمينها وصرفها، فيبدو ان دون توزيعها على بلديات عكار عقبات شتى، ان لم يتم تذليلها فمن شأن هذه العقبات ان تطيح بكامل المشروع .

 

"سائرة في انتظام"
وعلى الرغم من كل هذا التباين الحاصل فيبدو ان خطة اعداد مطمر صحي في سرار سائرة بانتظام حيث ان عمليات الجرف والتمهيد قد انطلقت منذ اكثر من 12 يوم، وثمة آليات وجرافات ضخمة تعمل على تحضير أرضية الوحدة الاولى من المطمر الذي استقدمت اليه اطنان من البلاستك السميك لفلشها على أرض الموقع منعاً لتسرب عصارة النفايات التي ستنقل من بيروت اليه. بالاضافة الى البدء بشق طريق بطول 1400 متر لربط موقع المكب بطريق العبودية - منجز الجديد حيث ان طريق الشاحنات كما هو مرسوم وفق الخطة سيعبر المنطقة الساحلية من #عكار انطلاقا من العبدة وصولا الى سرار وتعبر قرى وبلدات سهل عكار تباعا.

 

القدرة الاستيعابية
ومكب سرار الذي تديره الى الآن وتشرف عليه شركة الامانة العربية المولجة عملياً بموجب عقود مبرمة مع القسم الاكبر من اتحادات بلديات وبلديات عكار (حوالي 100 من اصل 128) جمع النفايات ونقلها ومعالجتها في المكب الخاص الذي اقيم منذ سنوات طويلة في خراج بلدة سرار العكارية على قطعة ارض يملكها اصحاب هذه الشركة "آل الياسين"، والتي تبلغ مساحتها ما يزيد على الـ 5 ملايين متر مربع، ويستوعب الآن حوالي الـ 400 طن نفايات يوميا، وهي كمية مرجّحة الى التصاعد مع تزايد عدد اللاجئين السوريين المقيمين في عكار، والذين يربو عددهم على الـ 250 الف لاجىء.

 

أسئلة
ويبقى السؤال المقلق بالنسبة للعكاريين في حال تمت الموافقة النهائية على اعتماد موقع سرار لاستقبال النفايات: ما هي الكمية التي ستنقل بالتحديد؟ هل هي فقط 1500 طن كحد أقصى كما قال الوزير المشنوق ام ان ثمة عوامل ستطرأ في آخر لحظة ستدفع باتجاه إرسال كامل الكمية اي 3500 طن الى عكار خاصة، حين يتعثر نقل النفايات عن طريق ضهر البيدر خلال الطقس السيء في الشتاء بسبب تراكم الثلوج، فيصبح الطريق غير سالك امام الشاحنات لنقل النفايات الى المطمر الذي أقرته الخطة في البقاع؟ وماذا لو نجح البقاعيون في رفض انشاء هذا المطمر في منطقتهم؟

وفي المقلب الآخر هل ستقبل كل المدن والبلدات الساحلية بأن تعبر النفايات على الطرقات الرئيسية التي تربط بيروت بعكار (ما بين 150 و 300 شاحنة يوميا)؟ وهل ثمة معايير ومواصفات خاصة ستفرض على اسطول الشاحنات التي ستتولى نقل هذه النفايات كي لا تتبعثر على هذه الطرقات وكي لا تتسرب عصارتها ايضا؟ وكيف السبيل لحل ازمة زحمة السير التي ستتفاقم مع عبور الشاحنات لهذه الطريق؟
وما صحة ما يحكى ويشاع عن امكانية اعتماد نقل النفايات بحرًا من مرفأ بيروت الى مرفأ طرابلس ومن ثم نقلها الى عكار بواسطة الشاحنات؟ واذا كان هذا الامر صحيحا فهل ستتحمل مدينة طرابلس هذا الامر وتباعا بلدتي البداوي والمنية ؟
وختاما: ماذا لو لم يقبل اهالي قرى وبلدات سهل عكار عبور شاحنات النفايات في منطقتهم كما هو مقرر وعمدوا الى اقفال الطرقات امامها؟
والأخطر من كل ذلك والذي يشكل هاجساً بالنسبة للعكاريين وأحد الدوافع الاساسية لرفض النفايات: اي نوع من النفايات سيتم نقلها الى موقع سرار هل فقط النفايات المنزلية ام ان نفايات المستشفيات وما يعني ذلك، وكذلك نفايات المصانع ومسالخ اللحوم والأدوية المنتهية الصلاحية والمبيدات والسموم الزراعية ؟

 

مخاطر
اما بشأن الاضرار التي تسبب بها مكب سرار العشوائي على مدى الـ19 سنة الماضية فهي كثيرة وكثيرة جداً وعلى الصعد كافة، وطالما كانت مصدر شكوى كل أهالي القرى والبلدات المحيطة بالمكب الذين تحملوا الكثير من المخاطر الناشئة عن عمليات الحرق التي كانت تتم واعمال الطمر العشوائي والروائح الكريهة وانتشار الجراثيم والاوبئة في محيط هذا المكب.
كما ان انشاء مطمر صحي في حال توافرت فيه كل الشروط البيئية والصحية لن يعدو كونه مطمراً للنفايات وما لم يتم تنفيذ سلسلة التدابير العلمية، لاسميا لجهة فرز النفايات وتسبيخها ومعالجتها في معامل خاصة فإن الضرر البيئي وإن خفّ الا انه لن ينتهي، ذلك ان الآثار السبية لتلوث المياه الجوفية والسطحية ستتفاقم وكذلك والهواء والتربة.
يبقى أن الحل هو باعتماد سلة متكاملة من المعالجات يكون الطمر فيها فقد للعوادم الناتجة عن مخلفات عمليات المعالجة العلمية للنفايات، التي بإمكانها ان تكون مصدر دخل وطني وتأمين الطاقة الكهربائية والسماد العضوي.
والأهم من كل ذلك ان على اللبنانيين عامة اعتماد مبدأ التخفيف من انتاج النفايات، وهذا امر ممكن وبالتالي اعتماد الفرز من المصدر قبل ارسال النفايات الى المعامل المفترض إنشاؤها لمعالجة النفايات وعندها يكون لبنان قد خطى خطواته الصحيحة على طريق حل ازمة النفايات والا...

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard