الانتخابات المصرية: لا لحزبٍ حاكم، نعم للرئيس

2 تشرين الأول 2015 | 21:32

المصدر: "النهار"

تشهد مصر هذا الشهر أول انتخابات برلمانية منذ تولّي الرئيس عبد الفتاح السيسي سدة السلطة، وهو الاستحقاق الثالث والأخير من استحقاقات ما سُمِّي بخريطة المستقبل؛ التي أُعلنت عقب عزل الجيش الرئيس محمد مرسي في 3 تموز 2013، وستجري على مرحلتين. وسيتألف مجلس النواب الجديد من 567 نائبًا؛ ينتخب 420 منهم بالنظام الفردي، و120 نائبًا بنظام القوائم المغلقة المطلقة؛ بينما يُعَيِّن رئيس الجمهورية 27 عضوًا أي نسبة 5 في المئة من إجمالي المقاعد، ومن المفترض أن تُنهي هذه الانتخابات حالة الفراغ الاشتراعي التي تعيشها البلاد منذ نيسان عام 2012، علما أن الرئيس عبد الفتاح #السيسي يتولى حاليًّا سلطة التشريع لحين انتخاب البرلمان الجديد، الذي سيكون عليه فور انعقاده مراجعة كل القوانين التي صدرت في غيابه.

 

برلمان قوي وقادر؟

ووفقًا للدستور المعدل لعام 2014 سيكون للبرلمان الجديد إلى سلطتي التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية، صلاحيات أخرى واسعة، من بينها المشاركة مع رئيس الجمهورية في اختيار رئيس الحكومة، وكذلك إمكان تأليف الحزب أو الائتلاف الفائز بالغالبية للحكومة، كما يحق لمجلس النواب مساءلة رئيس وأعضاء الحكومة، وسحب الثقة من رئيس الحكومة أو أحد الوزراء أو نوابهم.
لكن السؤال هل القوانين والإجراءات المنظمة لهذه الانتخابات يمكن أن تقود إلى برلمان قوي وقادر على القيام بواجباته السياسية والاشتراعية والرقابية، وممارسة صلاحياته التي جاءت في الدستور ومساءلة السلطة التنفيذية؟
كانت المعركة الانتخابية قبل ثورة 25 يناير محصورة بين الحزب الوطني المنحلّ الذي كان يترشح باسمه عدد من رجال الأعمال، وبين جماعة "#الإخوان_المسلمين"، لكن تكاثر الأحزاب بعد الثورة غير أطراف المعادلة الانتخابية.
في انتخابات 2010 ، اي الأخيرة في ظلّ عهد الرئيس حسني مبارك كان من الواضح أن معظم المرشحين الاقوياء يدورون في فلك الحزب الحاكم، سواء كان ذلك بعقد صفقات سرية أو بالاتفاق علنا.
وجاءت نتائج انتخابات 2010 عاكسة لطبيعة الحياة السياسية في ذلك الوقت، حيث ازداد نفوذ الحزب الوطني الحاكم أكثر وتم إقصاء التيار الديني المنافس للحزب الحاكم في الانتخابات وكذلك الأحزاب المعارضة الليبرالية منها والاشتراكية. فقد اكتسح "الوطني" الغالبية العظمى من مقاعد مجلس الشعب حيث استحوذ على 419 مقعداً بنسبة 83 في المئة، وتلته فئة المستقلين الذي حصلوا على 70 مقعدًا، من بينهم مقعد وحيد لمرشح منتمٍ لجماعة "الإخوان المسلمين" التي قاطعت رسمياً تلك الانتخابات، وهو ما نسبته 13 في المئة، ولم تظفر الأحزاب المعارضة سوى بـ 15 مقعدًا وهو ما يمثل 3 في المئة من إجمالي المقاعد.
أما بعد ثورة 25 يناير، أسس بعض رجال الأعمال في مصر أحزابًا سياسية، إلا أن ضعف هذه الأحزاب وهشاشتها، جعلها تعود الى معادلات الماضي الانتخابية، وتستعين بنواب الحزب الوطني في برلمان 2010، أحد أسباب اندلاع تلك الثورة ، بعد التزوير "الفج والفاضح" في تلك الانتخابات التي سبقت الثورة بأقل من ثلاثة أشهر.
ووصل حاليًّا عدد المرشحين الذين كانوا ينتمون للحزب الوطني المنحل إلى أكثر من 106 مرشحين، بعدما غابوا عن الانتخابات البرلمانية عام 2011 التي اعقبت الثورة.

ويتنافس عدد من رجال الأعمال على الانتخابات لنيل أكبر عدد من المقاعد لمحاولة السيطرة على البرلمان.

المفارقة أن أعضاء الحزب الوطني المرشحين في السابق هم من كانوا يدفعون أموالاً طائلة للحزب - على سبيل التبرّعات- حتى يقبلوا كمرشحين عن الحزب، إلا أن معظم هؤلاء هم من تُدفع لهم حاليا مبالغ طائلة كأموال إضافية عن أموال الدعاية، بواسطة أحزاب يموّلها رجال أعمال حتى يضمن ولاءهم.
وبما ان معظم النواب الجدد سيأتون وفقاً للنظام الفردي، مقابل 20 في المئة من نواب يمثّلون القوائم الحزبية، فإن هذا ما سيعيد مرشّحي العائلات والقبائل الكبيرة إلى الواجهة، وهم في الغالب كانوا أعضاء في الحزب الوطني المنحل.
وهكذا تسير التوقعات حول شكل البرلمان المقبل في اتجاه واحد يتفق عليه المحلّلون، وأبرز سماته:
مجلس الشعب المقبل سيكون مفتّتًا، وليس هناك تكتل واضح، بغض النظر عن علاقته بالرئيس، مما سيسهل على الرئيس تمرير الحكومة الأولى، بحيث تكون له يد واضحة في المرحلة المقبلة.
ضعف حجم المعارضة داخل البرلمان المقبل وهو ما سيؤثر على سياسات البرلمان من خلال تعديل بعض القوانين، أو تحسين جودتها، ومن ثم فالمرجّح ألا يكون هناك تغيير جذري.
محدودية تمثيل الأحزاب داخل البرلمان المقبل، لما تعيشه الأحزاب من مأزق شديد بسبب قانون الانتخابات الذي قضى على التمثيل الجيد للأحزاب، نتيجة القائمة المطلقة، فضلاً عن الأزمات الداخلية كالتي عصفت بحزب الوفد ولا زالت مع حزب الدستور.
واختلف المحللون حول قدرة الإسلام السياسي، فرأى البعض أن البرلمان المقبل سيضم 10 في المئة من هذه القوى، بينما رأى آخرون أن تيار #الإسلام_السياسي سيقتصر التمثيل فيه على الجبهة السلفية التي ستواجه انحسارًا كبيرًا.

 

ثلاثة سيناريوات

وعلى أساس هذا التغيّر، تأتي ثلاثة سيناريوات متوقعة لطبيعة العلاقة بين البرلمان والرئيس:

الأول: صدامي بين الطرفين لا سيما اذا شكّل المتعاطفون مع الاسلاميين قوة نافذة داخل المجلس، وهذا الاحتمال يبقى ضعيفاً.
والثاني: الشدّ والجذب، حيث يتبع كل من الرئيس والبرلمان سياسة "العصا والجزرة" تجاه الطرف الآخر، فيسود العلاقة بينهما شكل من أشكال التعاون في بعض الفترات تارة، ونوع من الجذب في فترات أخرى ولكنها لن تصل إلى حد الصدام.
الثالث: تعاوني، حيث تتّسم العلاقة بين الرئيس ومجلس النواب بالتعاون والاتفاق بينهما. وفي ضوء ذلك تكون الغالبية في البرلمان من مجموع الأحزاب المساندة والداعمة لـ30 يونيو 2013، إلى المستقلّين الذين ينتمون إلى التيارات القومية والليبرالية. وسيكون من السهل تشكيل الحكومة في ظلّ هذا التعاون، وتمرير ما يشاء من قوانين وهو أمر يخلّ بالعلاقة الطبيعية بين البرلمان والرئيس. وهذا هو الأمر الارجح. وهكذا لن يكون الرئيس بحاجة الى حزب حاكم يحمله أعباء اضافية بل الى نواب متعاونين.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard