منى الطحاوي وكَيِ الجرح بالجنس

1 تشرين الأول 2015 | 18:33

المصدر: "النهار"

منى الطحاوي (عن "فايسبوك").

مستغرَبٌ أن يُمسي الجوّ المصري شديد الفورة، فائق العصبيّة، ضيّق الأفق. كانت #مصر أرض الخَلْق الفنيّ والخيال العميق، وبقيت منها اليوم محاولات جمالية ضئيلة مقابل أصوات تُردّد صدى القعر. صدر للصحافية والناشطة المصرية منى الطحاوي كتابٌ يحاكي حضور المرأة ككتلة صالحة للقمع في المجتمعات العربية، عنوانه: "الحجاب وغشاء البكارة، لماذا يحتاج #الشرق_الأوسط إلى ثورة جنسية؟"، فهبّ بعض المصريين إلى الاستنكار والسخرية والرفض. ثمة دائماً ذلك الشعور بأنّ العرب ضحايا المؤامرة، وأنّ صرخة التحرُّر الجنسي خبثٌ غربيٌّ، القصد منه ضَرْب مجتمع الأخلاقيات العربية ثم التفرُّج عليه بينما يتفكّك على طريقة الغرب الكافر.

ليست جديدة دعوة الطحاوي إلى "ثورة جنسية في الشرق الأوسط"، فأخريات منهنّ نوال السعداوي وهدى الشعراوي أفنين العمر في رَفْض ثقافة اعتبار "المرأة ضلع الرجل"، رغم ما قد يشوب خطابهنّ من شعارات جاهزة ومشهديات حماسية استُهلِكَت. عناد المجتمع العربي لم يتغيّر، فطالما حورب كلّ صوت نسائيّ يحضّ على التمرُّد، والتصقت به تُهم الفجور والتلفُّت والعهر. يتيح البؤس الاجتماعي الناجم عن إخفاق "ثورات الربيع العربي" مزيداً من تضييق الخناق على الإنسان، فكيف بالمرأة حين تأبى الخنوع وتقرّر كَسْر القيد؟ تنادي الطحاوي بالبديهيات: "تمرّدي. لا تطيعي الأوامر"، لكنّ المصريين بغالبيتهم مأخوذون بذكورية المجتمع والدين. ما يُحكى عن المصريين ينسحب على الجوّ العربي برمّته، المُمتَعِض من حقيقة أنّ المرأة كيان، وأنّها هي أيضاً تقول وتفعل. يحدث في لبنان #حراك_شعبي جميل يرفض البقاء أسير الطوائف والفساد و #النفايات، فإذا بالجوّ المصري يرى في الأمر ثورة صبايا يلبسن الشورت ويعرضن الأجساد. المسألة أنّ السلوك العام بات يُدار وفق الهوس الذكوري بالكامن بين القدمَيْن، مما لا يزال في إطار المرفوض والمُحرَّم. في حديث إلى برنامج "حوار" عبر "فرانس 24"، تشرح الطحاوي أنّ القصد من الثورة الجنسية ليس ممارسة #الجنس. ما هي الثورة الجنسية إذاً؟ "هي أنّ جسدي (جسد المرأة) ملكي، لا مُلك الدولة والكنيسة والجامع والمنزل". الكتاب ذريعة لإظهار الطَبْع العربي حيال الحرّيات غاضباً، فجاً، منكمشاً على الذات. جنون مغرّدي "تويتر" يبلغ هو الآخر الذروة، فيجد مصريون وعرب أنّ إعادة الطحاوي الدعوة إلى الحرية الجنسية تستدعي أولاً السخرية. المتصفّح هاشتاغ "ثورة جنسية"، يلمح كيف يغدو "تويتر" اختزالاً افتراضياً لواقع العجز الثقافي والفكر الهشّ. يتداول المغرّدون دعوة التحرّر الجنسي بدلالتها السطحية حيث يتراءى إثنان في حال جماح جسديّ مضطرب. لا تنفي الطحاوي حقّ المرء بممارسة الجنس بصرف النظر عن عقود الزواج الورقية وضوابط المحيط الاجتماعي المرتبك بمسائل الأخلاق وفتاوى الشرع. لكنّ الأهم في الدعوة تحديد خاصية الجسد. هو خاص لي كإنسان، كما أنّ جسد الأب خاص له وجسد الزوج والأخ والصديق والجار مسائل خاصة. ذلك بمثابة اقتراح حلّ يحدّ من مآسي #التحرّش في الميادين والأرصفة، ومن وقاحة سلطات أمنية لا تزال تُخضِع شعوبها لفحوص العذرية، ومن قُبح الختان والعنف والاغتصاب الزوجي.

قد يبدو مُستفزّاً أن تتوجّه الطحاوي إلى المرأة بالقول: "لا تكوني عفيفة النفس"، والاستفزاز هنا مُتعمَّد. ذلك أشبه بالكَيْ كدواء أخير لمجتمع يُحتَضر وما عادت تُنقذه الحبوب المسكّنة. من السذاجة اعتبار أنّ رَفْض العفّة يعني بالضرورة الحضّ على اتخاذ الجنس سلوكاً مبتذلاً والسير عراة في الشوارع حيث العيون الجائعة وتكدّس الشهوة. الطحاوي وأخريات أمام حال من فَيْض القيح من الجرح. يُشتَمن لسعيهنّ إلى استئصال المرض. مَرَض العقول قاتل. الأجساد السقيمة مع تطوّر الطبّ باتت تُشفى.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard