"طالبان" في قندز، تضرب عصافير عدة بحجر واحد

30 أيلول 2015 | 23:17

المصدر: النهار

احتفل زعيم #طالبان الجديد الملا أختر منصور مع متشدديه بالاستيلاء على قندز عاصمة الولاية الشمالية، في ما يعد نصرًا كبيرًا لجماعة اعتقد كثيرون انها منقسمة على نفسها بعد الاعلان عن وفاة زعيمها الرمز الملا عمر، وكارثة تحمل بعدًا رمزيًّا لأفغانستان وحلفائها الغربيين، وفق المحللين.

هذا الانتصار هو الاكبر الذي تحققه الحركة الاسلامية المتشددة منذ اخراجها من السلطة بغزو اميركي - دولي أعقب احداث 11 ايلول 2001. ويشبه الى حد كبير الهجوم الكاسح لتنظيم "الدولة الاسلامية" على الموصل الذي أعقبه استيلاؤه على مساحات واسعة في سوريا والعراق.
وأياً كانت أهداف إسقاط مدينة قندز ومدى قدرة "طالبان" على الاحتفاظ بها طويلا، فان النتائج الاولية تشير الى إنجاز عسكري للحركة وصفعة قوية لحكومة الرئيس اشرف غني التي بدت "تفتقر للتنظيم تمامًا" على حد قول الخبير العسكري الباكستاني احمد رشيد. الذي اضاف ان العملية تشكل "كارثة بالنسبة الى الحكومة" اذ يبلغ عدد القوات الأفغانية في قندوز سبعة آلاف عنصر في حين ذكرت التقارير المحلية أن أقل من ألف من مقاتلي طالبان هاجموا المدينة.

كذلك أظهر حجم المعركة ان مقاتلي طالبان لا يزالون متّحدين عسكريًا، وهذا مختلف عن كونهم متّحدين سياسيًا. فهم لا يزالون مصمّمين على إسقاط النظام. ويتعارض ذلك مع التكهنات التي تحدثت عن خلافات داخل "طالبان" تحت قيادة الملا اختر منصور الذي يكابد للحفاظ على وحدة الجماعة امام استقطاب تنظيم "الدولة الاسلامية" لمزيد من مقاتليه، واتهامه من المتشدّدين في الحركة بأنه قريب من المؤسسة العسكرية في باكستان.

تهديد الادوار الاقليمية

اكثر من ذلك، فان هذا التحول العسكري الطالباني في شمال أفغانستان لا يهدّد حكومة غاني وحدها، بل هو ايضا تهديد للصين وروسيا ودول آسيا الوسطى معًا، فسقوط قندز الاستراتيجية يهدّد اولا طاجكستان التي يفصلها عن المدينة الأفغانية معبر شيرخان. وبحسب الصحافي الأفغاني صبغة الله صابر، فان نقل الحرب الى الشمال، له اهداف اقتصادية وسياسية معاً. وبالعودة إلى الوراء قليلاً، فإن أفغانستان وقّعت اتفاقات اقتصادية جمّة مع الصين وطاجكستان وتركمانستان. وكل تلك المشاريع تتعلّق بشمال أفغانستان، إذ كانت طاجكستان على وشك بدء العمل بالسكة الحديد مع أفغانستان والتي تمرّ في الأساس عبر إقليم قندوز. كما أن الصين وأفغانستان بدأتا العمل على فتح طريق أبريشم الذي يربط الصين بشمال أفغانستان أولاً ثم بدول آسيا الوسطى ثانياً. وكانت المشاريع الاقتصادية الصينية هي السبب الأساسي في دخول بيجينغ على خط الجهود التي تبذل لحلحلة الأزمة الأمنية الأفغانية. ولا شكّ في ان قوى دولية ابرزها الولايات المتحدة، لن تقبل بدور صيني في أفغانستان او اعتماد كابول اقتصاديا على بيجينغ وموسكو. والارجح ان هذا الهجوم سيرجئ المشاريع الصينية كلها او يلغيها وسيحد من التواصل بين حكومة كابول وكل من بيجينغ وموسكو التي تسعى لإبرام عقود لتسليح الجيش الأفغاني وتدريبه نظرًا الى تباطؤ الدعم الاميركي لهذا الجيش.

كما ان بعض الأفغان يعتبر أن هذه الهجمات تأتي انتقاماً لهجوم "طالبان باكستان" على مجمع لسلاح الجو الباكستاني، وأنها تحدث بمباركة باكستان ودعمها المباشر لـ"طالبان" وجميع الجماعات المسلحة.
ويؤيّد أحمد رشيد رأي زميله الأفغاني بقوله لـ "وكالة الصحافة الفرنسية" ان هجوم طالبان قد تكون له تداعيات اوسع بالنسبة لدول آسيا الوسطى وقد يثير القلق حتى في اروقة الكرملين. اذ اكد ان "المجموعات التي سيطرت على قندوز لا تضمّ فقط مقاتلي طالبان بل ايضا جماعات من العرب ومن آسيا الوسطى والشيشان. وهذا يعني ان التداعيات ستكون اوسع".

ولم يستبعد الأستاذ الجامعي والمحلل الباكستاني رفعت حسين ان تكون السيطرة على مدينة مزار الشريف في غرب البلاد هي الهدف الثاني للحركة. واذا ما صدقت هذه التوقعات فإن التداعيات الاقليمية لسقوط المدينة الواقعة على قرب الحدود الاوزبكية لا يقل عن تداعيات سقوط قندز.

سر قوة "طالبان"

ومنذ السقوط المفاجئ لقندز والتساؤلات تكثر في شأن سر قوة هذه الحركة التي أسستها الاستخبارات العسكرية الباكستانية قبل نحو عقدين، على رغم الضربات القوية التي تعرضت لها لاسيما منذ الغزو الاميركي لأفغانستان، وخصوصا بعد التكهنات التي سرت عن انقسامات في داخلها بعد الاعلان عن وفاة مؤسسها الملا عمر.

كتب المحلل جاشوا بارتلو في صحيفة "الواشنطن بوست" الأميركية أن حركة "طالبان" لا تضع البيض كله في سلة واحدة ونجحت في تفادي الخطأ الإستراتيجي المتمثل في الاعتماد الكامل على القادة الميدانيين، فعلى رغم مقتل العشرات من قادتها الكبار فإنها واصلت هجماتها لاسيما في معاقل القادة انفسهم الذين قضوا. وأثبتت أنها لا تعتمد في نشاطها على وجود قادة لا يمكن الاستغناء عنهم، بل إنها تستمدّ قوتها الحقيقية من عناصرها العاديين الذين يواصلون هجماتهم ضد قوات الاحتلال الأجنبية في البلاد وضد الحكومة المركزية المتهمة بانها اداة للخارج.

والعماد البشري لـ"طالبان" هم قبيلة البشتون المنتشرون في أفغانستان وباكستان. وقبيلة البشتون هي أكبر قبيلة في العالم (حوالي 27 مليونًا). وهؤلاء يتباهون بأنهم قهروا كل الاحتلالات بدءا بالهندي ثم البريطاني ثم السوفياتي وحاليا الاميركي حتى وصفوا مناطقهم بأنها "مقبرة الإمبراطوريات". والأفغان عمومًا يحتقرون الاحتلال الأجنبي، ولهذا السبب فإن جنود الجيش الأفغاني النظامي لا يطلقون النار على مقاتلي "طالبان" ويوفّرون لهم وسائل راحة سرية. ونتيجة لذلك فإن حكومة الظل لطالبان في ولايات عدة من أفغانستان تعتبر الحاكم الفعلي. وبفعل الخبرة الكبيرة في مقاومة الاحتلالات امتهن الأفغان ومنهم "طالبان" حرب العصابات ولعبة الكر والفر.

وأكثر ما يقف عائقاً في وجه الحكومة في مواجهة هذه الحركة، هو أنّ لديها سندًا قويًّا من أصحاب النفوذ داخل الحكومة نفسها لأسباب قبلية او مصلحية، وبما ان وجهاء الحكومة هم من أمراء الحرب السابقين فإنهم يعتقدون أن الحفاظ على مصالحهم الشخصية يكمن في استمرار دوامة هذه الحرب. كما لا يستبعد بعض المراقبين دعم استخبارات دولية واستخبارات بعض دول المنطقة للشخصيات والجهات التي لهم صلة بالجماعات المسلحة. وفي رأي صبغة الله صابر، فإنّ القضاء عليهم وعلى نفوذهم من داخل أروقة الحكومة، هو من أصعب التحديات التي تواجهها حكومة الرئيس الأفغاني أشرف غني التي حاولت دون جدوى التخلص من نفوذهم بفعل قوتهم وامتلاكهم وسائل الضغط الشعبية والمادية. ومعظم أمراء الحرب في أفغانستان يحظون بدعم أميركي مباشر، فضلاً عن علاقتهم القوية باستخبارات بعض دول المنطقة. كما أنهم حافظوا، في الوقت عينه، على صلاتهم بـ"طالبان" والتنظيمات المسلحة الأخرى، لتأمين مصالحهم الشخصية، مثل تجارة المخدرات والأحجار الكريمة وغيرهما.

لا يقتصر التعاون مع "طالبان" والجماعات المسلحة على المسؤولين الكبار في الحكومة والأمن فقط، بل يمتد إلى الأفراد والقادة الميدانيين، إذ ثمة عشرات الهجمات التي نفّذتها "طالبان" على مدى الأعوام ضد الأهداف الحكومية كانت بمساعدة عناصر الجيش والقيادات الميدانية في الجيوش القبلية المساندة له.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard