تعرّفوا إلى شباب خندق الغميق "مفتعلي الشغب" !

25 أيلول 2015 | 12:41

المصدر: "النهار"

بمحازاة وسط #بيروت تترامى أحياء عدّة. هناك الجمّيزة والحمرا ومونو و #الخندق_الغميق، لكلّ منها رمزيّة تاريخيّة وثقافيّة، تتناقض كثيراً مع ما أعيد بناؤه واستنهاضه في وسط العاصمة. العلاقة بين الخندق الغميق والـDT متنافرة، هما وجهان متناقضان لعاصمة واحدة. تبرز في الخندق مظاهر الفقر والبساطة وتطغى الشعبويّة، وتجد في الوسط التجاري النقيض من أبنية شاهقة ومحلات فاخرة وفنادق "خمس نجوم". تضيق الشوارع كلّما توغلنا داخل الخندق، الأبنية التي تسيّج حدوده حافظت على ذكريات الحرب اللبنانيّة، شظايا المدافع والرصاص التي اخترقتها تحمل كلّ منها قصّة، أمّا داخله فتنتشر أبنية جديدة وبيوت متواضعة. "قهوة عالمفرق" تستقبلكم مثل كثير من المقاهي المنتشرة في المنطقة، الطرقات محفّرة بعدما غاب عنها الزفت عقوداً، لا تخلُ الجدران من رسومات مميّزة أو تعابير شعبويّة، يعيش فيه مواطنون من مختلف الطوائف نزحوا من مناطق عدّة، ما زالت كنيسة السريان موجودة مذكّرة بحقبة ما قبل الحرب حين كان يقطنه مسيحيون، يقابلها حسينيّة الإمام علي في الشارع الموازي. هناك يعمّ هدوء يكذّب ضجيج الكلام...

عند أي هزّة، يبرز اسم الخندق ويُتهم ناسه بافتعال #الشغب وممارسة البلطجة، هؤلاء بنظر من لا يعرفهم "زعران" لا يقيمون مكاناً لكلّ القوانين ويؤلّهون الرئيس #نبيه_برّي. في تحرّكات المجتمع المدني الأخيرة، كان الخندق موجوداً على كلّ شفة ولسان. الأحد الفائت وقبله مرّات عدّة، حصلت اشتباكات بين متظاهرين ومواطنين استفزوا من التعرّض لزعماتهم السياسيّة ومقاماتهم الدينيّة، الأسبوع الماضي أزيلت خيم المضربين عن الطعام واعتدي على متظاهرين رفعوا صورة #الإمام_موسى_الصدر ووضعوا بري في خانة الفاسدين.

لا ينكر هؤلاء في حديثهم لـ"النهار" نزولهم إلى الشارع، والتعرّض للمتظاهرين. الدفاع عن مقدّساتهم واجب لا يقبل نقاشاً ولا تفكيراً. نزلوا بأعداد صغيرة لم تتخطّ التسعة أشخاص، ثم تحوّلوا 12، وفي التظاهرة الأخيرة وصل عددهم إلى الخمسين. فمن هم هؤلاء؟ ماذا يفعلون؟ ولماذا تحوّلوا "زعراناً" في قاموس كثيرين؟

من العتالة إلى إدارة المعلومات وردّ المتظاهرين
حسين (21 عاماً)، لم يفارق ساحتي الشهداء ورياض الصلح منذ بدء الاحتجاجات على أزمة النفايات، ولكن مواقفه منها تبدّلت من مؤيّد إلى معارض. عندما ذكر الرئيس نبيه برّي ورفعت صور الإمام موسى الصدر، استُفزّ وترك منزله ونزل إلى الساحة لتلقين الشباب درساً، يقول حسين لـ"النهار": "شاركت في كلّ التظاهرات، وتعرّفت إلى شباب كثيرين، وأنا معهم في ما يتعلّق بإزالة النفايات من الشوارع، لكن أن يشتموا الرئيس برّي وأن يتطاولوا على المقدّسات والشخصيّات الدينيّة، فلن نسمح لهم بذلك. ممنوع على أي كان أن يشتم الرئيس أو أن يتعرّض له. يقولون إننا زعران؟ حسناً ومن يرفع الشعارات والتعابير النابية، ويشتمّ المقدّسات الدينيّة، ويجمع رفاقه للاعتداء على القوى الأمنيّة، ماذا يكون؟ تعرّضت للضرب أيضاً وأصبت بزجاجة على رأسي، فماذا يكون ذلك؟ ".

يتابع حسين دراسته في مجال إدارة المعلومات، عمل فترة في "العتالة" وتوزيع الصحف، ويتابع: "ها أنا أتخصّص في الجامعة، وفي حال لم أوفّق هذه السنة سأبدّل صفوفي وأدرس العلاقات العامّة، وربّما الصحافة، لكن الأكيد أن العلم لا يفيد في لبنان، هو ضروريّ لمن يريد الهجرة والعمل خارجاً، ولكنني باقٍ هنا ويمكنني أن أعيش كيف ما كان". حسين هو الأخ الأكبر لثلاثة أشقاء غيره، يعيش في الخندق الغميق مذ ولد، هو ابن تبنين الجنوبيّة، يقضي نهاره على البحر، ويخطّط لبعض السهرات ليلاً، ويضيف: "لا أعمل، بل أعيش حياتي ككلّ شباب جيلي. أنا مطمئن من كيفيّة إدارة الرئيس بري للسياسة اللبنانيّة ومساعيه الدائمة إلى التحاور، فهو لا تهمّه سوى طائفته وكيفيّة حمايتها".

عشريني عاطل عن الدراسة والعمل: حمدالله مش ناقصني شي
نزل محمد (20 سنة) إلى الساحة لضرب المتظاهرين مرّات عدّة، نزل ثلاث مرّات ولم يسلم أحد من يديه، لا يهمّه إن وُصف بالمشاغب أو المندس أو حتى الأزعر، بل فخر له أن يوصف بأزعر نبيه بريّ، ويتابع: "الخندق أجمل منطقة وشبابها أطيب ناس. ولكننا لسنا معهم، مرجعيتنا معروفة ولن نحيد عنها. أنا لا ينقصني شيء، المياه والكهرباء لا تنقطع، عايني الأسلاك الممدودة من الشويفات وزقاق البلاط. نحن أمنّا عيشتنا، وعلى هؤلاء أن يعودوا إلى مرجعياتهم ليطالبوها بحقوقهم، لا أن يشتموا مرجعياتنا. نبيه برّي حامينا".

يعيش محمد في عائلة جنوبيّة مؤلّفة من ثلاثة شباب تعيش في الخندق منذ عقود، أنهى مرحلة الثانويّة منذ سنتين، وها هو ينتظر دخوله إلى إحدى الوظائف الرسميّة، يقول لـ"النهار": "استحصلت على شهادة الباكالوريا عندما أعطوا إفادات لكلّ الطلاب، والآن أنتظر دخولي إلى الجمارك. لا أعمل، ولا طموحات لديّ، أستفيق ظهراً وأجلس في القهوة حتى يحلّ الليل لنذهب ونسهر مع الأصدقاء. لا ينقصني شيءٌ، أنا سعيد في حياتي، لذلك لم أشارك في التظاهرات، إلّا عندما كان يحدث شغب، وفقط لأرمي الحجارة من خلف الأسلاك الشائكة. وعندما تعرّض هؤلاء الشباب للرئيس نبيه برّي وشتموه علناً على التلفزيونات. أنا من المنظمين في حركة أمل وأحضر اجتماعاتها، ولكن أحداً لم يأمرني لأنزل، لقد فار دمي ولم أتحمّل ما سمعته من شتائم".

"نزلت تظاهرت وهلّأ يئست وفالل من هالبلد"
هادي (29 سنة) يرفض فكرة شتم بري وعائلته، بالنسبة إليه هناك حدّ أدنى من الاحترام على كلّ مواطن أن يظهره لغيره من المواطنين. يدافع عن الخندق الذي سكنه منذ ولادته ويرفض التعابير الذي تطاله وتصفه وكأنه مغارة علي بابا أو قندهار بنستختها اللبنانيّة، ويقول لـ"النهار": "شاركت بداية في التظاهرات ثم انسحبت، لم أعد متحمّساً لها بعدما انحرفت عن مسارها، كما أنني أتفادى النزول، لأننا مصنّفون في خانة المخرّبين ومتّهمون بالمسّ بأمن الدولة، وهناك تحرييون يلاحقوننا ليعتقلونا كلّ ما نزلنا. نزلت منذ أيام لجلب شقيقي، وهربت هريبة من المخابرات.

تخرّج هادي ابن بعلبك من الجامعة العربيّة في مجال إدارة الأعمال منذ خمس سنوات، ينتظر حالياً أوراق الهجرة ليسافر إلى السويد، لديه شقيق واحد أصغر منه، ويقول لـ"النهار": "تخصّصت في مجال إدارة الأعمال، ولم أعثر على عمل في اختصاصي لا يعوزني أحداً. كان لديّ مسمكة، والآن أعمل سائق تاكسي. سأسافر نهاية الشهر إلى السويد، أنا يائس فنحن نعيش في لبنان ونأكل ونشرب ونسهر أسبوعياً، ولكن لا يسعنا شراء منزل والزواج وتأسيس عائلة".

الأمل في التغيير مفقود لدى هادي، يفضّل التفكير الواقعي والعملي، ويقول: "بلدنا معقّد مركّب طائفياً، لذلك التغيير صعب. أنا أؤيد الأستاذ نبيه بري وهو مرجعيتنا الوحيدة ولن أتخلى عنها. هو ليس مسؤولاً عن كلّ مصائب البلد، ويكفي أنه دعا الجميع إلى طاولة الحوار ليثبت أنه يمسك بالشارع ولا يريد الانجرار إلى حرب طائفيّة. لن أطلب منه العمل الكريم ولا أدنى مستلزمات العيش لأن هناك مسؤولين كثراً معه، وعليهم جميعاً أن يؤمنوا لنا حاجاتنا".

هؤلاء يشكلون جزءاً من شباب الخندق الغميق، وهناك غيرهم ممن لا تعنيهم السياسة ويصفون أنفسهم بأنهم "كسليكيو" الهوى يحبون الكيف والسهر والمرح، وهناك آخرون يعملون 18 ساعة يومياً ليؤمنوا عيشة كريمة لعائلاتهم. عند التجوّل في الخندق تمرّ صور الشعارات ويتردّد صدى المطالب، "بدنا مياه وكهربا وطرقات"، في الخندق كلّها غير متوافرة باستثناء النفايات المترامية على جوانب الشوارع. عند التعرّف إلى أهله، يزول الخوف وتتبدّد الريبة، هناك يجمع الكلّ على القول: "نحن لم نأتِ من كوكب آخر، ونحن لسنا قبضايات بل لنا أن نحبّ من نحبّ، وأن نتبع من نتبع".

Viviane.Akiki@annahar.com.lb

Twitter: @VIVIANEAKIKI

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard