قبلَ الكلام في الأدب هل نستلّ الأسلحة؟

18 أيلول 2015 | 19:58

المصدر: "النهار"

نميل إلى تَصوّر حِرَفيي الكلمة من الكُتّاب واقفين في خانة المُسالمين الداعين إلى نبذ #العنف وإلى جعل كلام العقل سَيّداً، بينما يركن كل ما عداه في الهوامش. وفي حال دنا أحد الكتاب من قواميس العتاد المسلّح لِماما، فنفترض سلفا أن هدفه إمتشاق المجاز لا القطع الحربية، مثلما فعل الشاعر الإسباني غابرييل ثيلايا يوما متحدثا عن ان "الشعر سلاحٌ ملقم بالمستقبل".

بيد أن الأزمنة تتغيّر والتلاوين اللفظية تسقط لمصلحة الفعل المباشر الفجّ والنابع من واقع أكثر فجاجة. فلا نستغرب أن يصير مقبولاً استدعاء جلّ ما كان يصعب احتماله قبل أوان فحسب، أو أن يجنح كاتب مكرّس بـ "نوبل" الآداب، كالنيجيري وول سوينكا، إلى الدعوة إلى محاباة السلاح، عوضا من النصوص المكتوبة.

نقرأ في موقع #دولتشي_فيلله الإلكتروني تقريرا مواكبا لزيارة الكاتب النيجيري وول سوينكا للعاصمة الألمانية برلين في إطار مهرجانها الأدبي. يقتبس عنوان النص كلام سوينكا ليدلّ على حقبة معاصرة شبه أبوكالبتيّة حيث بات هاجس البقاء أحياء يتقدّم على ترف الإنصراف إلى الكتابة.
يبدو أن الوقت ليس للمهادنات أو التلكؤ، فيما الدم يسيل في مسقط سوينكا نيجيريا، حيث يتغلغل تنظيم "بوكو حرام" شيئا فشيئا "مهيئاً لاكتساح العالم وليس نيجيريا فحسب". يتبدّى الكاتب في مداخلته العلنية قلقا ومتشائما ومكفهرا إزاء التطورات الأمنية المتسارعة في أرضه. يصف "بوكو حرام" بعدوّ عُرِفت عنه ممارسة التجاوزات، ويجزم أن لا مجال للدفع بالتنظيم ليلوذ بالمنطق. وها هو لا يتردد في إسداء النصائح الناجعة في عرفه، ويقول "لم تعد النظريات المعتادة نافعة. يحتقر هؤلاء الناس جميع أولئك الذين يحاولون التفكير منطقيا. إن عقيدتهم مساوية للإخضاع. لا يدركون سوى هذا الأمر".
تنال نيجيريا اليوم، قسطها من تطرف أعمى يتجسّد بتنظيم إرهابي صار عدو الإنسانية برمتها على ما يعاينه سوينكا. والحال ان الكاتب يروح يروي مآس يومية يصنعها مسلحون يقتحمون البلدات الصغيرة ويمارسون القتل العشوائي ومن دون الحاجة إلى طرح الأسئلة. لا يهمهم إذا كانت ضحيتهم مسلمة أو مسيحية أو تنتمي إلى أي إيمان أو ديانة "يقتلون ويخطفون ويختفون. وصلنا إلى لحظة حيث وقبل أن تتحدَث في الأدب، من الأفضل أن تعمد إلى تزييت مُسدَسِك".
لم يعد كلام سوينكا يهمّ بلاده فحسب ذلك ان لـ #بوكو_حرام أقرانا في أكثر من مكان وفي محيطنا القريب طبعا، هذا في حين لم تعد فكرة "الدفاع الذاتي" التي يستقدمها الكاتب دخيلة على مفاهيمنا.
كتب سوينكا مرة "بعضنا نحن الشعراء لسنا شعراء فعلا. ذلك اننا نعيش أحيانا أبعد من الكلمة". ها هي اللحظة أتت ليبرهن التظير بالموقف الصريح.
قيل في الماضي أن الإلتزام السياسي عند الكتّاب ربما يكون حاجة لكنه لا يمكن أن يصير قيمة.
كأن كلاما مماثلاً صار ينتمي إلى زمن ولّى.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached7

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard