الجزائر: طار "صانع الرؤساء" وتكرّس بوتفليقة رئيسًا

17 أيلول 2015 | 19:35

الصورة عن الانترنت

"ربّ الجزائر"، "الرجل الشبح" ، "صانع الرؤساء"، "الرجل الاسطورة"، "منقذ الجمهورية"، ألقاب كثيرة أُطلقت على الرجل الذي شغل الجزائر أكثر من ربع قرن، ولم يعرف الجزائريون وجهه ولم يسمعوا صوته، ولولا صورة له يتيمة سُرِّبت الى مواقع التواصل الاجتماعي لكان الرجل سرًّا حقيقيًّا، انه مدير المخابرات الجزائرية الفريق محمد مدين الذي عُرف بين الجزائريين باسم "الجنرال توفيق"، والذي أثار رعب أعدائه الاسلاميين الجزائريين، وهابه رجال الدولة والسلطة والانصار.

إقدام الرئيس عبد العزيز #بوتفليقة على إقالته من منصبه نهاية الاسبوع الماضي شكّل مفاجأة، ومثلما كانت حياة هذا الرجل لغزًا، جاءت الإقالة لتضفي المزيد من الإثارة على مساره من البداية الى النهاية، ولتفجّر موجة من التكهنات في شأن دلالات هذا التغيير في بلد تعلو فيه سلطة المخابرات على سلطة الدولة والقانون، فالجزائر هي الدولة الوحيدة في العالم، التي بناها الجيش وبنى مؤسساتها السياسية والمدنية بعد تحريرها من الاستعمار، اذ كان هذا الجيش لا سيما وحدات الحدود بقيادة هواري بومدين، هو المؤسسة الوحيدة التي سلِمت من الخراب والتدمير وصار الضباط الكبار المحفل السرّي الذي تُدار من خلاله كل امور الدولة من خلف الكواليس وخلف الستار، فكيف اذا كان هؤلاء الضباط من قادة اجهزة الامن والاستخبارات الذين شكلوا دولة ضمن الدولة، واخترقوا ليس فقط الادارات والمؤسسات الرسمية والحزبية بل والعسكرية ايضا. ولا شك في ان أشهرهم وأكثرهم بأسًا وقوة "الجنرال توفيق" الذي تدرّج من عامل اتصال بسيط الى أخطر رجل في الجزائر.

وعلى رغم أن الرئيس الجزائري قاد عملية تغيير في صفوف ضباط الجيش الجزائري، شملت عزل بعض منهم منذ عام 2013، إلا أن إقالة رأس جهاز الاستخبارات، أثارت لغطًا لم تثره أيّ من سابقاتها من تغييرات، وقد اختلف سياسيون وأمنيون جزائريون في تقويمهم للخطوة، إذ اعتبرها البعض خطوة طبيعية نظرا لأن الرجل، البالغ من العمر 76 عامًا، استمر في منصبه قرابة الخمسة والعشرين عامًا. ويرى هؤلاء أن قرار إعفاء الجنرال توفيق من منصبه ربما تأخر كثيرًا إذ إن معظم الدول المتقدّمة تعيد النظر في هيكلة أجهزتها الأمنية كل عشر سنين تقريبا.

لكن جانبا آخر من السياسيين في #الجزائر يرون أن إقالة "الجنرال توفيق"، ربما تعكس في الأغلب توافقا داخل الطبقة الحاكمة في الجزائر على إحداث تغيير يواكب العصر، وربما يمضي في اتجاه حالة من الديموقراطية والحكم المدني. ونقلت صحيفة "الخبر" عن رئيس حزب "جيل جديد" سفيان جيلاني توقّعه أن يكون رحيل "الشبح" مقدمة لتغييرات سياسية عميقة آتية، من دون أن يستبعد أن تكون مسألة ترتيب خلافة بوتفليقة على رأسها. وهذا ما توقّعه ايضا وزير التجارة السابق نورالدين بوكروح، الذي قال لصحيفة "الشروق" إن هذه الاقالة "تعكس الاستعدادات لتهيئة مرحلة ما بعد بوتفليقة"، ورجح "ألا يكون مصدرها جهة واحدة بل هي نتاج تفاهمات بين أقطاب السلطة القديمة حول المرحلة المقبلة". ويتفق الناطق باسم حزب "طلائع الحريات" احمد عظيمي أيضا مع هذا الاتجاه. لكن تيارًا آخر من السياسيين الجزائريين لا يتوقع خيرا كثيرا من إقالة "الجنرال توفيق". وقالت صحيفة "الشروق" الجزائرية، ضمن استطلاع لآراء سياسيين جزائريين بشأن الخطوة، إن زعيم الجبهة الوطنية الجزائرية موسى تواتي، على سبيل المثال، يذهب بعيدا في قراءته للحدث، حيث يرى أن قرار تنحية الجنرال توفيق من منصبه هو إملاء خارجي، فرنسيّ تحديدا، مؤكدا أن الأمر يتجاوز الرئاسة وفريق عبد العزيز بوتفليقة. ويبرّر تواتي قراءته بصراع المصالح الذي فرض على الفرنسيين التدخّل في شكل وقائي.

واختارت صحيفة "الخبر" عنوان "الجنرال توفيق... نهاية الأسطورة" لتكشف أن الجزائر تسودها قراءتين "لما يجري داخل المؤسسة الأمنية الأولى تقول إن الرئيس بوتفليقة يُجري تعديلات عادية كانت مقرّرة منذ سنوات وترمي إلى إعادة هيكلة جهاز المخابرات".

في حين تعتبر القراءة الثانية أن "هذه التغييرات تأتي في سياق صراع بين مؤسستي الرئاسة والمخابرات يبحث فيه كل طرف زيادة نفوذه داخل النظام على حساب الآخر"، فبعد فترة من "التوازن غير المستقرّ بين المؤسستين القويتين" تمكن بوتفليقة من "بسط نفوذه على كامل أجهزة الدولة".

ومثلما اختلفت قراءات الصحف وآراء السياسيين والحزبيين في أبعاد الإقالة وأسابها ونتائجها، اختلف عموم الجزائريين في موقفهم من الفريق مدين، فمنهم من يعتبره "منقذ الجمهورية" من التيار "الأصولي"، وآخرون يرونه "مجرم حرب" تجب محاكمته بسبب بطش أجهزته خلال العشرية الدموية التي أعقبت إلغاء انتخابات 1988. لكنهم اتفقوا على أنه أسطورة "نسفت" بإحالته للتقاعد.

وبعيدا عن حيثيات القرار وتداعياته، فإن إقالة "الجنرال توفيق" بعد أكثر من 25 عاما على رأس "دائرة الاستعلام والأمن"، التسمية الرسمية للمخابرات، تشير إلى أن بوتفليقة لا يزال قادرا على اتخاذ قرارات حازمة، على رغم الجدل الذي رافق إعادة انتخابه لولاية رئاسية جديدة.

وبهذا القرار استعاد بوتفليقة كل صلاحياته الرئاسية، بعدما ظلّ يشتكي منذ مجيئه عام 1999 بأنه لن يرضى أن يكون "ثلاثة أرباع رئيس"، ويعطي إسقاط "صانع الرؤساء"، الانطباع بأن مؤسسة الرئاسة في الجزائر انتصرت أخيراً على مؤسسة المخابرات، وأن بوتفليقة سيتفرّغ للإصلاحات السياسية التي أعلن عنها في خطابه بولاية سطيف في أيار 2012. وبإنهاء اسطورة هذا الرجل، فإن الرجل الاقوى في المؤسسة العسكرية بات الآن رئيس أركان الفريق أحمد قايد صالح، بعدما أحال بوتفليقة إليه صلاحيات اساسية كانت بحوزة جهاز المخابرات.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard