أوروبا تنقذ شيخوختها بشباب المهاجرين

16 أيلول 2015 | 22:03

المصدر: النهار

(أ ف ب).

من المشاهد المألوفة في شوارع المدن الكبرى في #اوروبا الغربية، رجال ونساء من سحن سمراء او غير اوروبية يعملون ويكدون في مختلف القطاعات الاقتصادية والانتاجية والثقافية، وكثيرون منهم يديرون اعمال ناجحة او برعوا في مهن عدة وصاروا من الاسماء اللامعة في المجتمع في مختلف الميادين: السياسة، التجارة، المال، الفنون، الرياضة. ومع ذلك لايزال "رهاب الاجانب"، او "فوبيا #المهاجرين" ينتاب السكان الاصليين ذو السحنة البيضاء والشعر الاشقر.

ولعل هذه "الفوبيا" والنزعة القومية التي تشوبها عنصرية غذتها احزاب يمينية متشددة ومصالح انتخابية وثقافة متأصلة واحساس بالتفوق العرقي لدى بعض الجماعات والافراد والميل نحو النقاء ورفض التنوع، حجبت الى حد كبير الاهمية الاقتصادية والعملية والثقافية للهجرة والمهاجرين.

واذا كان من المسلم به ان اوروبا تتحول بالتدريج الى قارة عجوز، فان قلة من الاوروبيين يدركون ان احد حلول هذه الازمة يكون باستيعاب قادمين جدد من خارج القارة ودمجهم بمجتمعاتها لتجديد حيويتها وشبابها، اي بمعى اخر فتح باب الهجرة اليها. لكن رفع مثل هذا الشعار من الحكومات او من الاحزاب السياسية كان قد يشكل ضربا من ضروب المغامرة لرافعيه من شانه ان يطيحهم شعبيا وسياسيا في ظل "فوبيا الاجانب" السائد في اوساط عدة من المجتمعات الاوروبية... حتى جاءت الصدمة التي احدثتها صورة جثة الطفل السوري ايلان المرمية على الشواطىء التركية والتي هزت الضمير الاوروبي والعالمي، وصارت بمثابة المدخل لهذه الحكومات لاسيما الالمانية منها الى لب ازمة القارة.

"ماما ميركل" التي وصفها اللاجئون السوريون بانها "ام المنبوذين" بعدما ساهمت في فتح الالمان قلوبهم وجيوبهم للاجئين الى حد كبير مقارنة باي من شعوب أوروبا الاخرى، لاشك انها تدرك ماذا تفعل.

لا احد يقلل من الجانب الانساني والاخلاقي في اللفتة الالمانية تجاه المهاجرين، لكن برلين وغيرها من مواقع القرار الاوروبية تدرك انه بحلول عام 2050، سيبلغ 28 في المئة من سكان دول الاتحاد الأوروبي سنّ التقاعد أو يقتربون منها. وفي #ألمانيا واليونان والبرتغال وسلوفاكيا وإسبانيا، ستبلغ نسبة المتقاعدين ثلث عدد السكان في ذلك العام، مقارنة بنسبتهم الراهنة والبالغة 20 في المئة أو أقل.

وبناءً على تقرير معدل الشيخوخة لعام 2015 الصادر عن المفوضية الأوروبية، سيرتفع معدل الاعتماد على السكان الذين تجاوزوا 65 عاماً، إلى 50.1 في المئة بحلول عام 2060 بعدما بلغ معدلهم 27.8 في المئة حالياً، وسيضاف هؤلاء إلى الشرائح الفعّالة اقتصادياً، والتي تتراوح أعمارها بين 15 و64 عاماً.

تؤدي شيخوخة السكان إلى تخفيض معدل النمو الاقتصادي للاتحاد الأوروبي بنحو 0.2 في المئة سنوياً، إلا أن هذه المشكلة لم تبلغ مستوى الخطورة الحقيقية حتى الآن، وسوف يحدث هذا عندما يتحول قانون التقاعد إلى نظام غير مستدام في المستقبل غير البعيد. وحتى تتمكن أوروبا من الإبقاء على معدل الشريحة الفعالة اقتصادياً ثابتاً، فإنها تحتاج إلى زيادة في أعداد السكان الأقل عمراً بمئات الملايين في كل عقد عن معدل الزيادة الراهنة. ولا تتوافر أي طريقة لزيادة عدد سكان دول الاتحاد الأوروبي بنحو 42 مليون ساكن جديد بحلول عام 2020، وبنحو 257 مليوناً عام 2060، ولن يكون في وسع اي حكومة ارغام الناس على إنجاب عدد أكبر من الأطفال.

ولهذا السبب، صارت زيادة معدلات الهجرة إلى أوروبا هي الحل الوحيد لتجنب كارثة مالية واقتصادية أوروبية مقبلة، وهنا ربما تكمن حاجة أوروبا لاستثمار مأساة الصبي ايلان. وبما ان غالبية النازحين هم من شرائح الشبّان أو الأطفال الذين فقدوا آباءهم وذويهم، فان اوروبا ستحتاجهم لحل مشكلة زيادة معدلات المتقاعدين لوعرفت كيف ترعاهم وتؤهلهم على النحو السليم.

الى ذلك فان هؤلاء المهاجرين الشجعان الذين غامروا بحياتهم وحياة عائلاتهم حبا بالحياة وتغير نمط العيش، سوف يستغلون أية فرصة تُتاح لهم لإثبات جدارتهم وفعاليتهم. ولا شك أن الدول التي تعاني انخفاض الإنتاجية سترحّب بهذا التنافس المتزايد في سوق العمل حتى لو استثار حفيظة معارضي الهجرة، لاسيما في دول أوروبا الشرقية. كما ستساعد الصورة المروعة للصبي السوري وكثافة التغطية الاعلامية لمعاناة المهاجرين على الطرق،على تغيير موقف الرأي العام الاوروبي من قضايا الهجرة بشكل جذري.

ولكن هناك حدوداً لسخاء الألمان أيضاً، فالمطالبون بحق اللجوء في هذا البلد من الدول التي لا تمزقها الحروب يحتمل إلى حد كبير أن يُرفض طلبهم، فنسبة قبول الطلبات إجمالاً في ألمانيا تبلغ 40 في المئة. كما أن اليمين المتطرف في البلاد مثله مثل نظيره في دول اخرى لا يرضيه ما يحدث، وقد تصاعد عنف النازيين الجدد بشكل مثير للقلق بما في ذلك سلسلة من أعمال التخريب التي استهدفت مراكز إيواء اللاجئين.
ومع ارتفاع وتيرة الهجرة اثيرت مخاوف كثيرة عن مدى إمكان تكيف المهاجرين مع التقاليد الليبرالية في ألمانيا، ويتوقع أن تتكبد ألمانيا ملايين الاوروات في توفير فصول تعليم اللغة والدعم الاجتماعي وصيغ المساعدة الأخرى. ويحصل اللاجئ الواحد في المانيا على سبيل المثال على 350 أورو في الشهر، إلى السكن.

الى ذلك، أثار بعض الزعماء في أوروبا مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان المخاوف من تعرض "الهوية المسيحية" لأوروبا كقارة للخطر، ولكن ميركل أشارت في الآونة الأخيرة إلى أن الألمان يجب أن يدركوا أن الصورة القومية لألمانيا باعتبارها بلداً مسيحياً وأبيض في معظمه لم تعد مناسبة.

النموذج الاميركي

وفعلا بدأت اقنية تلفزيونية ووسائل اعلام المانية ونمسوية ببث تقارير عن نجاح النموذج الاميركي القائم على التعدد الثقافي والاتني، ومفادها ان السبب الاهم لنجاح الاقتصاد الأميركي يكمن في الطرق الجديدة في رؤية الأمور والأساليب الجديدة في التفكير التي أتى بها المهاجرون من جميع أنحاء العالم .وهذا ما دفع الولايات المتحدة نحو قيادة العالم في الإنجازات الابداعية والعلمية. وجاء في احد التقارير انه منذ عام 1995 وحتى عام 2005، شكل المهاجرون قيادة أكثر من ربع شركات "التقنيات العالية". وعام 2005، ووظفت هذه الشركات ما يقارب نصف مليون عامل، وحققت أرباحاً تزيد عن 5 مليارات دولار. ومن بين هذه الشركات " إنتل"، "غوغل"، "ياهو"، "صن". أما تأثير المهاجرين في حقل العلوم فهو مماثل، حيث ان أكثر من ثلث الأميركيين الحاصلين على جوائز نوبل في العلوم هم من المهاجرين.

وعدا عن القدرات التي يمتلكها المهاجرون، فإنهم يدينون بجزء من نجاحهم ببساطة إلى حملهم مهارات متنوعة، وطرق جديدة لرؤية الأمور وطرق جديدة للتفكير. فعندما يصل المهاجرون إلى الولايات المتحدة، فإنهم يحملون معهم تواريخ، وروايات، وثقافات وأديان متنوعة. كما يحملون معهم إصراراً على النجاح. هاتان الميزتان، أي تنوع المعرفة والرغبة، مكنّت المهاجرين من إنجاز تلك المساهمات الباهرة.

البيانات التي توضح فوائد تنوع المعرفة كثيرة لا لُبس فيها. نجد هذه الفوائد في الاقتصاد: فالعمال في المدن الكبرى التي تحوي إعداداً أكبر من المهاجرين هم الأكثر إنتاجيةً في اقتصاد الولايات المتحدة. كما وتظهر الفوائد أيضا في الحقل الأكاديمي: فالأبحاث التي أنتجتها فرق الباحثين المنتمين إلى خلفيات متنوعة كان لها تأثير اكبر من تلك التي أنتجها علماء يعملون بمفردهم. وتبرز الفوائد أيضا في عالم الفنون والثقافة: تعتمد الإنجازات في هذه المجالات بشكل حاسم على تدفق الأفكار الجديدة التي حملها معهم المهاجرون.

اما في اوروبا فربما لا يكتشف المصابون بداء"فوبيا الاجانب" الأهمية الاقتصادية لظاهرة الهجرة الجديـدة، لكن أهميتهــا تبقى حقيقة واقعة لا جدال فيها.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard