طلعت ريحتنا غير مطابقة

9 أيلول 2015 | 21:48

المصدر: "النهار"

أواخر سنة ٢٠١٤ وحتى ربيع الـ٢٠١٥، نشط وزير الصحة السيد وائل أبو فاعور في حملاته ضد #الفساد في الانتاج والتصنيع والتصريف للمواد الغذائية.

هذه الحملات ورغم المآخذ الكثيرة التي تتعلق بها كان هدفها الحد من التسمم الغذائي والأضرار الناتجة عنه وتكوين وعي عند العاملين والمستهلكين تجاه أهمية الصحة الغذائية وإيجاد معيار وثقة، بما تمثله كلمة مطابق.

انشغلت وزارة الصحة بمعايير المطابقة أو بالاحرى بجزء مما يصدر عن حلقة "من المزرعة إلى المائدة " خوفاً من تفشي الأمراض والغش والأوبئة. ولكن ماذا عن ما بعد المائدة للمواد الغذائية؟ وهي من ناحية الاسم ما يسمى بالمواد العضوية و ليس حصراً.


هنا بالفعل قد تكثر الدوائر، ومنها:
1من المائدة الى المرحاض.
2 - من المائدة الى المزبلة في المطبخ.
3- المزبلة في الشارع أو الطبيعة.
4- من المزبلة الى المطمر .
5- من المزبلة الى المعمل.

يبدو في حالتنا اللبنانية أننا توقفنا عند الرقم 3 مع السعي الحثيث للوصول الى الرقم 4 والتأخير المزمن وغير المبرر لرقم 5.
هذه الدوائر الخمس موجودة أيضا وتطبق ما بين المزرعة والمائدة ايضاً، فللمزابل حصصها من المصانع وقد تفوق هذه الحصص ما نجمعه من البيوت بمرات عدة. مع هذا الوضع الراهن الممثل في التراكم المهول للقمامة في الشوارع والأراضي المشاع والطبيعة، لا بد من التفكير بتفشي الأمراض والأوبئة التي تؤثر على الصحة العامة أكثر بكثير من تلك المتعلقة بالسلامة الغذائية إذ ان هذه الأوبئة لن تستهدف مستهلكاً من دون آخر أو الغني من دون الفقير والنظيف من دون القذر.


وجدير بالذكر أن المواد العضوية قد تصل لحدود الثلث من مجمل القمامة أو حتى الأربعين في المئة. ويستهدف هذا التفشي الصحة العامة والبيئة معا؛ ففي تراكم القمامة، لفترات طويلة، وخاصة العضوية منها جذب للقوارض والحيوانات الشريدة والحشرات والديدان وتحضير لعملية التعفن والتفكك. وقبل أن ينضب الهواء، تستعمل الجراثيم الهوائية "الكاربون" و"النايتروجين" العضويان وتتأكسد المادة الى ان يختفي الأوكسجين، وهنا تتكاثر الجراثيم غير الهوائية بعد نفاذ الهوائية منها وخاصة اذا ما ازدادت #الرطوبة أو الما. تتفكك الأجسام العضوية أكثر ببروتيناتها ودهنها، وبتفككها هذا تنبعث الغازات الطبيعية مثل "الميثان" و"ثاني أوكسيد الكربون" والحوامض، وأيضاً المواد ذات الروائح الكريهة مثل "هايدروجين الكبريتي" الذي يشبه رائحة البيض العفن والأمونيا واخرى خاصة بالاجساد الميتة والمتحللة. ينتج عن هذه التراكمات تلوث للمياه والتربة والهواء بسبب الحرائق المفتعلة والتي تلتهم سطح اكوام النفايات أو النيران التي تشعلها انبعاثات الغاز من الداخل وتسربه عدا عن إحتمال وصول مواد كيميائية للتربة والمياه الجوفية كالرصاص والمبيدات والصبغات والاضافات الصناعية الغذائية والطبية، إلخ. لكن الخطر المباشر يأتي من التهديد بانتشار الأوبئة وهي عديدة وكلها من النوع الثقيل كالملاريا والكوليرا والديزانتيريا. وقد تسبب النفايات أمراضاً تتلف الدماغ والأعصاب كما انها قد تؤذي الكبد والكلى وقد يصل الأذى مبلغ الاصابة بالسرطان وعلى انواعه.


في دراسات شملت مجموعات سكانية تعيش قرب مطامر عشوائية في بلدان العالم الثالث، لوحظ إرتفاع معدل المشاكل الصحية على انواعها وتتضمن امراض الجهاز الهضمي والتنفسي والجلد والقرحة والالتهابات.


وسُجل في هذه المجموعات السكانية إزدياد عوارض الاسهال وآلام الرأس والصدر والاحساس بتهييج العيون والانف والجلد. كل هذا يدل على ويثبت خطر المطامر المكشوفة والعشوائية. في البلاد المتقدمة، لوجود المطامر إيجابيات أكثر من السلبيات وذلك أان الانبعاثات والغازات تُسْتثمر لتوليد الطاقة.
وتعتبر حلقة "من الطمر الى الطاقة" حلقة معقدة بحاجة الى دراسات على صعد مختلفة وادارة انتاجية وتسويقية لاحقاً. من محطات هذه الحلقة هناك التجميع والفصل والحرق والتفكيك بالميكروبات غير الهوائية وانتاج وتجميع الغاز، ففي بلد يعاني من أزمة إنتاج أو إيجاد موارد الطاقة كل إضافة وكل مورد يجب إستغلاله بأفضل الطرق. ولهذه الطاقة المستدامة، الى حد معين، مردود اقتصادي و صحي وبيئي ايضاً من حيث تنوع الموارد ورخصها، الحد من تفشي الأمراض المتصلة بالمطامر العشوائية، الحد من الروائح الكريهة والمواد السامة كالكبريت وتقليص انبعاث الغازات التي تفاقم الاحتباس الحراري وهذا ينطبق على مطامر ولو بأحجام صغيرة. فالغازات أو موارد الطاقة حينها يمكن أن تستعمل لتشغيل ماكينات أو توربينات صغيرة أو حتى تدفئة بيوت بلاستيكية قريبة.


كل هذا للقول بأنه ما من عذر للتقصير والتأخير الفادحين الحاصلين على الساحة اللبنانية التي تنشغل بأمور معيشية عدة غير النفايات ومنذ عقود، وأنه لو كان التطابق مهم لكل ما ينتجه ويستهلكه اللبناني، فإن هذا التطابق يصبح أشد أهمية لما يرميه ويخلفه في بيئته على الأمد القريب والمتوسط والبعيد.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard