هل يستقيل؟ "عم تْصَرخو عَ الفاضي"!

4 أيلول 2015 | 10:25

المصدر: "النهار"

للعارفين بطبيعة "الحراك السياسي" اللبناني ان استقالة وزير البيئة محمد #المشنوق او غيره من الحكومة امر صعب للغاية، "مستحيل". "لن يستقيل، وليس مسموحا بان يستقيل"، و"الشباب رح يضلو يصرخو عَ الفاضي". وصراحة القول: "عبثًا تُحاولون". ان يستقيل وزير، اي وزير، له حسابات خاصة، على الطريقة اللبنانية. وبتعابير اخرى، قرار الاستقالة او الاقالة في مكان محدد ومعروف. لكن الاستثناء "ممكن"، وقد يقدم وزير على ما ليس في الحسبان، و"يفجر" مفاجأة.

عن اقالة وزير، وليس استقالته، يجيب الموقع الرسمي لمجلس الوزراء(1). "إقالة أحد الوزراء منوطة بمجلس الوزراء مجتمعاً، وخاضعة لإحكام الفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور، والتي تتطلب موافقة ثلثي اعضاء الحكومة". جملة وكلمة. اجابة مقتضبة، قانونية، لا غير! ولكن في الاجابة السياسية عن الاستقالة، تختلف التعابير. "في لبنان، يتبع الوزراء عادة مرجعيتهم السياسية التي ترضى على تعيينهم في الحكومة. ونادرا ما نجد وزيرا له قرار مستقل عن المرجعية السياسية التي رشحته للوزارة"، يقول مدير الدراسات في مجلس النواب استاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية والديبلوماسية في الجامعتين اللبنانية والعربية الدكتور خليل حسين لـ"النهار".

ارتباطات، تحالفات، مناورات
تاريخ لبنان يشهد، و"يعجّ" بامثلة كثيرة تثبت معادلة ارتباط الوزير بمرجعيته السياسية. "الوزير المشنوق يتبع مرجعية سياسية هي رئيس الحكومة تمام سلام. ولو رجع القرار اليه، لربما كان استقال، وكسب بذلك جمهورا كبيرا يدعمه في الانتخابات المقبلة. لكن بما ان رئيس الحكومة يتمسك به وبالحكومة، فالقرار ليس قراره"، يشرح حسين. هي "المونة" التي تحكم المعادلة، بشقيها السياسي والمذهبي. "سلام لديه مونة كبيرة على المشنوق، بحكم ان الرجلين من طائفة واحدة، هي الطائفة السنية، ومن المشروع السياسي نفسه"، وصداقتهما قديمة ايضا.

هذا الارتباط من المفاصل المؤثرة في العمل السياسي اللبناني، وبالتالي الحكومي. وقد بات متجذّرا فيه بوضوح وعلنًا. على سبيل المقال، استقال العام 2006 وزراء "حزب الله" و"امل"، ومعهم الوزير يعقوب الصراف الموالي لرئيس الجمهورية اميل لحود، من حكومة الرئيس فؤاد #السنيورة، بعد انهيار المحادثات بشأن اجراء تعديل وزاري، وعلى خلفية موضوع المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. العام 2011، استقال وزراء "التيار الوطني الحر" و"أمل" و"حزب الله"، ومعهم وزير الدولة عدنان السيد حسين، من حكومة الرئيس سعد الحريري.

وزراء بتحالفات سياسية يعوّمون حكومة، يسقطونها، ويتقنون المناورات السياسية. ووزراء قد يستقيلون من تلقائهم، لسبب او لآخر، ومعدودون في الاعوام العشرة الاخيرة: بشارة مرهج، آغوب دميرجيان، حسن السبع، زياد بارود، شربل نحاس وغيرهم. "في الواقع السياسي اللبناني، نجد حالات متناقضة من استقالة وزراء. ويمكن وزير ان يستقيل، خصوصا اذا كان صاحب شخصية قوية وقرار مستقل. ومن النادر جدا ان نجد وزيرا تمرد على مرجعيته السياسية او الطائفية، وقدّم استقالته"، يقول حسين.

متى يمكن وزيرًا ان يستقيل؟ "المسألة خاصة بكل منهم، وتتعلق بقدرته على اتخاذ القرار، وبطموحاته السياسية المستقبلية. اذا تمرّد على مرجعيته السياسية واستقال، فيمكن ان يستثمر ذلك في عمله السياسي لاحقا"، يجيب حسين. من اول الطريق، يخضع تشكيل الحكومات "لمعايير دستورية في الشكل، ولمواصفات طائفية ومذهبية في المضمون. وتبدو حساسية هذه المسألة اكثر وضوحًا بعد اتفاق الطائف (1989)، وأكثر دقة وخطورة بعد اتفاق الدوحة (2008)"، على قوله. وتنسحب المعايير والمواصفات نفسها على النطاق الوزاري، "وموافقة المرجعية السياسية والطائفية ضرورية جدا في استمرار وزراء في الحكومة".

منذ اعلان دولة لبنان الكبير، تعاقبت 87 حكومة في لبنان، "اقصرها عمراً حكومة نور الدين الرفاعي العسكرية في عهد الرئيس سليمان فرنجية التي لم تعمّر اكثر من 65 ساعة (23/5/1975)". واطولها "الحكومة الاخیرة في عهد الرئیس السابق العماد امیل لحود، والتي تولى رئاستها فؤاد السنیورة. واستمرت 1040 یومًا، من 26 تموز 2005 الى 25 ایار 2008. وتعتبر الأكثر إصداراً للمراسيم. خلال احدى جلساتها، اصدرت 700 مرسوم".(1)

استقالة "طفح الكيل"
تعاقبت العهود، اختلفت الوجوه والاسماء، وصمدت المعادلة الوزارية اياها... والاستثناءات نادرة جدا. يوم قدم النائب والوزير الراحل غسان تويني استقالته العام 1971 كوزير للتربية، فعل ذلك انطلاقا من استقلال فكره وقوة شخصيته ورفضه المساومة على مواقفه، بعدما اشتد التباين بينه وبين "الحكم" على الاصلاحات التربوية. واجه يومها الرئيس فرنجية قائلا: "افكاري لا تزال هي ذاتها، ولن أغيّرها. واذا لم تصبح افكاري مناهج مشاركتي في الحكم، عبر موافقتك، فاسمح لي بان أنسحب. وانسحبتُ، واغضبت الرئيس!"، يروي(2).

وزير آخر طفح كيله قبل نحو 5 اعوام. العام 2011، قدم الوزير السابق زياد #بارود استقالته كوزير للداخلية، قائلا: "يبدو لي أن المنطق في إجازة بعدما أصبح القانون وجهة نظر، وتيقنت في الأيام الماضية أن المشكلة أكبر بكثير من ظاهرها. ولأنني لا أرغب في أن أكون شاهد زور أو وزير تصريف أعمال يقتصر عمله على توقيع بريد الوزارة، ولأنني أرفض انتهاك الدستور بمعزل عن أي موقف سياسي منحاز، حررت نفسي من هذا الأمر". وقد جاءت استقالته على خلفية رفض شعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي أوامره بإخلاء أحد مباني وزارة الاتصالات. يومذاك، اتخذ قراره بملء ارادته، من دون ان تؤثر عليه علاقات او ارتباطات ما.

 

ان يقدم وزير ما استقالته "فعل ارادة"، يقول بارود لـ"النهار". في رأيه، "لا شيء يمنع اي وزير ان يستقيل ساعة يريد. الاستقالة تبقى قراراً فردياً، ارادياً. ولكن في السياسة، انها تعبير عن ارتباط هذه الاستقالة بالفريق السياسي الذي يمثله الوزير المستقيل". على أرض الواقع، "استقالة وزير البيئة لا تتعلق به فحسب، انما ايضا بمن يمثله على مستوى مجلس الوزراء، وبارتباطه برئيس الحكومة".

هل يمكن ان يكون وزير مستقلا في لبنان؟ يجيب: "يصعب ذلك، خصوصا ان مجلس الوزراء يتشكل من قوى سياسية. لكن ثمة ظروفاً تحتم على المرء ان يتخذ قرارا بالاستقالة، حفاظا على كرامته وشخصه. الاستقالة فعل ارادة فردي وحرّ، حتى لو كانت للوزير ارتباطات سياسية. ولا يمكن ان ننتزع من اي شخص حقوقه الفردية وحريته الشخصية في الاستمرار او عدمه".

 

(1) http://www.pcm.gov.lb/arabic/faq.aspx?pageid=41
(2) كتاب "سر المهنة واسرار اخرى" لغسان تويني- دار النهار.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard