عن إيلان الذي استوطن البحر

4 أيلول 2015 | 09:55

المصدر: "النهار"

بجسمه الصغير ووجهه البريء وصورته الملائكيّة، قرّر #إيلان كتابة روايته الأخيرة، والرواية لا تخلُ من بطولة. شحذ أسلحته، ارتدى زيّ المعركة، حمل درعه وهجم. سلاحه بسمة طفوليّة وأحلام ورديّة مسروقة، فقدها في حروب مصالح الدول. درعه وجه بريء ممزوج بالخوف من قذائف وقنابل وصواريخ، ومن مشاهد الذبح والسبي والجلد. زيّه ثياب بالية مزّقها بطر الحكّام، سروال تمزّق بعد تعثرات عدّة، تمزّق مرّة وهو يهرب من إرهاب داعشيّ، وثانية من بطش نظاميّ، وثالثة من ظلم معارض.

رافق إيلان عائلته إلى البحر ليخوض معركته المصيريّة. التجأ إلى البحر بحثاً عن وطن بديل، فوطنه يتمزّق إرباً، أهله يموتون ويُذبحون ويَتفحمون، شوارع بلدته وبيوتها تتهدم، ألعابه الصغيرة تتكسّر. التجأ إلى البحر علّه يجد خلفه موطناً. لجأ إلى البحر فحضنه موجه وغمرته مياهه.

إيلان لم يسأل الشفقة، لم يُرِد هزّ العالم والضمائر وعروش الحكّام، أراد فقط أماناً منحه إياه البحر. ليالٍ كثيرة قضاها ابن الثلاث سنوات يرتعش خوفاً من أصوات المعارك الإرهابيّة، فمن اهتزّ؟ عايش عويل النساء وبكاء الأطفال وصراخ الرجال حتى قسا، فمن شفق؟ ليالٍ أخرى قضاها إيلان بلا مأكل، لم يصله الطعام بفعل الحصار، نام جائعاً، شرب من ريقه، وتغذى من لحم جسده الهزيل، فمن تحرّك؟ ومن انتفض؟

وحده البحر فهمه. حرّك أمواجه العاتية، غضب وزمجر حتى قلب القارب على من فيه، أغرقهم في مياهه العميقة. وحده البحر سمع صوت إيلان. لم يرد له التشرّد في أوطان الغرب ولا القهر في أوطان العرب. لم يُرِد له أن يتألم وأن يُعاني القهر مجدّداً. لم يرد له أن يذلّ. انتفض البحر لطفولة تسلب، وأحلام تسرق، وكرامة تداس. رأى في عيني إيلان ما لم يره بشر من لحم ودم... ومطامع. منحه موطناً آمناً. قلب القارب وقذفه لينام بهدوء على شاطئ بودروم الساحرة ليتمتع بمياهها الدافئة رغم ملوحتها، وهوائها النظيف من روائح الدمّ والنار، وسمائها الصافية الخالية من الطائرات الحربيّة.

إيلان أنت لست إيلان، أنت الشام العتيقة، أنت الكنائس المهدّمة والمقامات المفخّخة، أنت معلولا ومحردة، أنت القصير وحلب والحسكة، أنت القامشلي ودير الزور، أنت طرطوس وإدلب وحمص، أنت سوريا الممزّقة، أنت كلّ إنسان يموت باسم العروبة المزيّفة والكاذبة، واسم الحريّة المشوّهة، واسم القوانين والدساتير والأنظمة العفنة.

سمّوا تلك الحرب اللعينة، حرب الأمراء والزعماء والملوك، بما شئتم. سمّوها ثورة أو ربيعاً أو تعنّت نظام، سمّوها حراكاً أو انتفاضة حرية، فالنتيجة واحدة، إيلان هرب من شبح الموت والجوع والإرهاب في كوباني السورية، هرب من وجوهكم الملوّثة بدماء الأبرياء، هرب من أقنعتكم الساقطة، هرب إلى البحر. هناك لم يستطع الفرار من القدر. هناك نام بعيداً من روائح القتل والبارود، نام على الرمل وغطّى جسده بزبد الموج، هناك واجه قدره، هناك خاض المعركة الأخيرة، دون أن يُقطع رأسه، أو يُجلد جسمه، أو تنفجر فيه قنبلة، أو يسقط فوقه صاروخ أو برميل. هناك خاض إيلان معركة العثور عن أمان في أرض جديدة. في كلّ الكرة الأرضيّة لم يجد بلداً في البرّ يؤويه، فعثر في البحر على أمواج ورمال استوطنها.

Viviane.Akiki@annahar.com.lb

Twitter: @VIVIANEAKIKI

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard