زاوية بيتنا في جونية تشهد ... لن نحتمل مجدّداً

31 آب 2015 | 19:34

المصدر: "النهار"

منذ إبرام #الإتفاق_النووي_الإيراني، والأنظار تتجه إلى المرحلة المقبلة وإلى مصير المنطقة وشعوبها، حيث من البديهي أن تأخذ سلسلة من التغييرات والتصعيدات مسارها قبل إحداث أيّ تغيير في خارطة المنطقة. في #لبنان بدأ التغيير من #النفايات قبل حلول تشرين الأوّل موعد إقرار الاتفاق في #الكونغرس الأميركي.

طوال 25 عاماً، لم يثر #الفساد و#السرقة وإهدار #المال_العامّ "الأوادم"، ولم يكن لتحرّكات #اليسار مفعولاً ذو تأثير لمصلحة حقوق العمّال وتحسين الظروف المعيشيّة، لم يتبنَ أحدٌ "#الإبراء_المستحيل"، لم يعلنوا العصيان المدني، لم يتوقفوا عن دفع الضرائب، لم يقاطعوا المصارف والمؤسسات العامة. حقن الظلم الناس رويداً رويداً إلى أن حرّكتهم رائحة النفايات. من نزلوا إلى #الشارع ليسوا مندسين، ولم تقلّهم باصات الزعيم إلى #ساحة_الشهداء، لم تدفعهم السفارات الأجنبيّة، ولم تحرّكهم الغريزة الطائفيّة، هؤلاء أرادوا أن يعيشوا. أن يعيشوا فقط. بدأت التظاهرات صغيرة، ثم كبرت كرة الثلج فجأة، بدأت بعشرات المتظاهرين إلى أن جمعت مواطنين من مختلف الأحزاب والطوائف، وأشخاصاً لا يهتمون بالسياسة ولم ينجذبوا يوماً لأحد الزعماء. هؤلاء أرعبوا الطبقة الحاكمة الفاسدة وأربكوها.

ريبة مشروعة
أمام هذا الواقع، لم تنتفِ الصفة المصلحيّة عن التحرّك. أولاً لم يقف #الإعلام اللبناني محايداً، بل ظنّت بعض المحطّات أنها ستلعب الدور نفسه الذي قامت به محطّات عربيّة في "ثورات #الرببع_العربي السوداء". طوال أسبوعين جيّش الإعلام الناس المظلومين لأهداف مصلحيّة، نجح في تحريض كثيرين ضدّ أمراء الحرب وزعماء الطوائف الذين أدخلوهم حرباً استنفزتهم 15 عاماً ثمّ حكموهم 25 عاماً ممعنين في سرقة المال العام وإهداره وتهجير الناس. فيما تابعت #الصحافة_الأجنبيّة الحراك، كما لو أننا أمام #ثورة أو #انقلاب، لا مجرّد #تظاهرة مطلبيّة، مولّدين ريبة كبيرة.

ثانياً، لم تكن خطابات وشعارات منظّمات #المجتمع_المدني مُطمئنة. كثرت المنظّمات فجأة من واحدة إلى مئة، ملأت الصفحات الداعمة للحراك مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة ممنهجة. انتفض اليساري والشيوعي وكأن ستالين قرع بابهم حاملاً معه #الثورة_البولشيفيّة بنسختها اللبنانيّة. بعض من المنظّمين أثبتوا انحطاطهم الأخلاقي وشعبويّة أفكارهم، وبيّنوا عن فكرهم الإلغائي الرجعي الذي لا يبني أوطاناً. رفضوا المحازب والطائفي والفقير وأرادوا احتكار الشارع. تعدّدت المطالب وبقيت النفايات مكدّسة، تدحرجت من كونها مطلبيّة إلى أفق اللامعقول.

ثالثاً، أثارت الشعارات الريبة، "#الشعب_يريد_إسقاط_النظام" أخافت الناس من ربيع لبناني أسود. إسقاط #النظام_الطائفي والمطالبة بالعلمانيّة لم يشجّع الطوائف التي تسعى للحفاظ على خصوصيّتها. إسقاط الزعامات السياسيّة كان مبالغاً فيه في بلد ينتخب ناسُه من يخدمهم ويوظّفهم ويخرجهم من السجن. تعميم الفساد أراح الفاسدين الفعليين وأثار امتعاض الشرفاء ممن لم يلوثوا أياديهم بالمال العامّ. حتى مكافحة الفساد لم تنطلِ على كثيرين بعد ما سُرّب من أخبار عن ناشطين ومنظّمين في الحراك بعضهم ضيوف مرحّب بهم في السفارات، آخرون خريجو معهد أوتبور للتدريب على الثورات السلميّة، وبعضهم ممن يزدرون الأديان المكوّنة لمجتمعاتهم.

المطلوب؟
لا شكّ أن المتظاهرين في الشارع، وبعيداً من المنضوين خلفها والمستفدون منها والذين يحاولون امتطاءها، حشروا السلطة الحاكمة في الزاوية، وأثبتوا عجزها عن اجترار الحلول، وأكّدوا ضرورة تغييرها. في المقابل أثبت التحرّك أنه ليس بثورة بل هو فوضوي، ضائع بين المطالب والأهداف، يفتقر إلى مثقفين وشخصيّات قياديّة كاريزميّة قادرة على جذب الناس.

المطلوب اليوم صمود الحراك لتغيير الستاتيكو القائم، عبر تحديد المطالب، كشف الفاسدين بالأسماء وعدم التعميم، إزاحة قادته المزعومين اللاهثين وراء شهرة أو مكاسب شخصيّة عن الصورة الإعلاميّة، الإمعان في إحراج السلطة وإرعابها، إضافة إلى كودرة الحراك وتفعيله سياسياً، وصولاً إلى إقرار #قانون_انتخاب قائم على #النسبيّة، وإجراء #انتخابات_نيابيّة يلحقها #انتخابات_رئاسيّة وتعيين حكومة، تمهيداً لإصلاح النظام وليس الإطاحة بسياسيين لديهم أوزانهم وشعوبهم التي لا ترضى ببديل عنهم.

في لبنان بلد الطوائف، من الممكن إضافة طائفة جديدة تعبّر عن شريحة من المواطنين أثبتت وجودها يوم السبت الماضي، لكن من غير الواقعي إلغاء الطوائف كافة من أجل من زاروا الشارع حديثاً، أو من أجل من يحلمون بنصب تمثال #ستالين مكان #تمثال_الشهداء. الرئيس #نبيه_برّي حشد أمس أضعاف ما حشدته تظاهرة السبت المطلبيّة، و#حزب الله قادر على حشد أضعاف أضعاف هؤلاء، وكذلك #التيار_الوطني_الحرّ و#المستقبل و#القوات، حتى #هيفاء_وهبي قادرة على حشد الملايين. لكلّ شارعه وناسه وحشوده، وحدها الانتخابات النسبيّة تحدّد الأحجام وتشرّع التمثيل.

زاوية البيت
أيّام الحرب اللبنانيّة، وخلف خزانة الغرفة كنت أجلس وشقيقي، يغمرني وأنا أغلق أذنيّ لتفادي سماع أصوات المدافع، كنا نختبئ لتفادي شظايا الرصاص أو ربّما قذيفة أضاعت وجهتها. لحسن حظي ربّما أنني لم أولد مع بداية الحرب اللبنانيّة، بل في أواخرها، لم أحمل في ذاكرتي سوى ذلك المشهد منها، لم أعايش فصولها، لا #القتل على الهوية ولا #مجازر الذبح في الجبل، لم أفقد أحداً من والديّ، ولم نتهجّر من بيوتنا. فقط صورة تلك الزاوية وراء الخزانة مطبوعة في ذهني، هي وحدها تدرك كم ارتعشنا خوفاً وكم بكينا ذعراً.

انتهت الحرب وكبرنا. كنا طوال تلك الفترة نسمع المعزوفة نفسها، أنت مرتهن وأنت عميل، أنت فاسد وأنت سارق، البلد معطّل والترويكا الحاكمة فاسدة. شهدنا مشاريع #انتفاضات كثيرة، لكنها أفشلت بعدما استغلت واستثمرت لإعادة الوجوه نفسها. منذ أيام وأنا أنظر إلى وجوه الناس في ساحة الشهداء، العجوز الذي ما زال يحلم بدولة القانون، المراهق الفقير الذي أصبح "زلمة البيت" قبل أوانه، الشاب الذي يأبى الهجرة، وأنظر إلى تلك الزاوية، متسائلة إذا ما زالت تتسع لي ولشقيقي؟ إحباطاتنا باتت كافية، وأمامنا فرصة جديدة، فلا تجرونا إلى حروبكم، ولا تحبطونا مجدّداً.

 Viviane.Akiki@annahar.com.lb

Twitter: @VIVIANEAKIKI

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard